احتضنته بعد أن تخلي العالم عنه... إحياء ذكرى شاه إيران في مصر

الثلاثاء 2 أغسطس 202205:12 م

حرصت العائلة الملكية الإيرانية للعام 42 على التوالي، إحياء ذكرى ‏رحيل آخر شاه إيران محمد رضا بهلوي المدفون في مسجد الرفاعي في القاهرة، ‏وزارت الأسرة الملكية مصر كعادتها في كل عام في نهاية تموز/يوليو الماضي، قادمة من ‏محل إقامتها في فرنسا، وحضر أنصار النظام الملكي أيضاً ‏في هذه المراسم كما يحدث في كل عام.‏

تتكون هذه المراسم من قراءة القرآن الكريم، ووضع أكاليل الزهور على ‏قبر الشاه، وكلمات لبعض من موالي النظام الملكي، وكلمة ختامية ‏لزوجة الشاه فرح ديبا (بَهلوي)، حيث تضم كلمتها، في كل مرة، التطرق إلى الأوضاع الإيرانية ‏تحت ظل حكومة الجمهورية الإسلامية، ومقارنتها بالأجواء الملكية قبل ‏أربعة عقود.‏


وبعد مرور 12 عاماً من الغياب في هذه المراسم، حضر ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي زاد من ‏نشاطه السياسي من منفاه ضد نظام الجمهورية ‏الإسلامية في الآونة الأخيرة، واعداً بإطاحته وعودته للبلاد وقيادة إيران مجدداً، وقد رافقته زوجته ‏وبناته للمشاركة في مراسم ذكرى رحيل والده. وأوعزت وسائل ‏الإعلام الموالية له سبب غيبته الطويلة في المراسم إلى ثورة مصر التي أطاحت ‏بالرئيس حسني مبارك، ومن ثم الأحداث التي تلتها، وجائحة كورونا أيضاً، ‏حيث لم تسمح الأجواء الأمنية بدخوله إلى مصر.

وتحرص العائلة الملكية الإيرانية سنوياً على زيارة قبر الرئيس المصري ‏أنور السادات تقديراً وعرفاناً لمواقفه التاريخية تجاه شاه إيران الذي لم ‏يتخل عنه حتى في أصعب اللحظات إبان انتصار الثورة الإسلامية بقيادة ‏روح الله الخميني في 1979.‏


رضا بهلوي ووالدته وزوجته وبناته

كيف تشكلت علاقات الشاه والسادات التي عبرت حدودها السياسية؟

اعتلى صوت المعارضة الإيرانية المندد بالملكية والمطالب بالجمهورية ‏عام 1978، وقد تدهورت الأوضاع الداخلية الإيرانية، فطلبت الدول الغربية من ‏حليفها وراعي مصالحها في الشرق الأوسط أن يترك البلاد، فرضخ لذلك محمد رضا ‏بهْلَوي، الذي كان يعاني من تضخم في الطحال بسبب إصابته بسرطان ‏الغدد اللمفاوية في تلك الفترة، فغادر البلاد بحجة العلاج.‏

تحرص العائلة الملكية الإيرانية سنوياً على زيارة قبر ‏أنور السادات تقديراً لمواقفه التاريخية تجاه شاه إيران الذي لم ‏يتخل عنه حتى في أصعب اللحظات إبان انتصار الثورة الإسلامية 

ونظراً لعلاقاته الودية مع الرئيس المصري أنور السادات فقد ‏توجه شاه إيران إلى أسوان المصرية بدعوة من أنور السادات، حيث وبالرغم من أن الأحداث ‏التي عصفت بإيران هزت عرش الشاه، إلا أن علاقات الزعيمين لم تنقطع، بل ‏ازدادت عبر الاتصالات والاستشارات بينهما، إلى أن حل الشاه في ‏‏16 يناير/كانون الثاني 1979، ضيفاً على السادات الذي استقبله بمراسم رسمية تماماً، ‏وأقام مأدبة عشاء على شرف الشاه الذي كان قد أشرف على نهاية حكمه بعد ‏أكثر من ثلاثة عقود.‏

وقد وصلت العلاقات المصرية الإيرانية في فترة السبعينيات إلى أعلى ‏مستوياتها في جميع المجالات، نتيجة التوجهات السياسية المتناسقة ‏للشاه والسادات، وإعجاب الأخير بشاه إيران الذي كان يراه شخصاً ذكياً ‏وملهماً بالنسبة له. ‏


محمد رضا شاه وأنور السادات

ربما أدرك السادات عندما استضاف الشاه، أن رفيقه لم يكن مرحباً به في ‏بلاده، لكنه لم يشر إلى ذلك، وحرصت رئاسة الجمهورية المصرية على إصدار ‏بيان أكدت فيه على ترحيب الشعب المصري بحضور جلالة الشاه لقضاء ‏إجازته في البلاد، وإجراء بعض الفحوصات الطبية. ‏

وبعد أسبوع توجه شاه إيران إلى المغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني، ‏ولكن انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الخميني، صعبت الأمر على ‏استقبال الدول لشاه إيران السابق، فرفضت جميع الدول لجوءه السياسي، ‏ولذلك بقي متنقلاً بين عدة دول لفترة 14 شهراً، جدد خلالها السادات دعوته ‏لصديقه محمد رضا بهلوي،  وواجه رفضه شارحاً أنه لا يريد أن يثقل على مصر بعد التطورات الحاصلة في ‏المنطقة جراء اتفاقية كامب ديفيد والثورة الإيرانية.‏


محمد رضا شاه وزوجته فرح ديبا

مشاجرة بين السادات وكارتر من أجل الشاه

‏"تعالوا نحن بانتظاركم هنا في القاهرة"؛ هكذا ردت جيهان السادات على ‏اتصال فرح ديبا زوجة شاه إيران في آذار/مارس عام 1980، والتي اشتكت جزعها من حالة ‏التشرد وخطورة الوضع الذي عاشته عائلة الشاه في العالم، وبعد هذا الاتصال أرسل ‏السادات طائرة رئاسية لنقل شاه إيران السابق وعائلته فوراً إلى القاهرة.‏

‏"جيمى... أريد الشاه هنا... وأريده حياً"؛ كان هذا رداً غاضباً من السادات على ‏طلب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الذي اتصل بنظيره المصري ‏ليثني عليه بسبب استضافة الشاه، الذي قال له بأنه سيؤدي إلى إضعاف عملية ‏السلام في الشرق الأوسط والموقف الدولي تجاه السادات، لكن السادات ‏لم يتخل عن من أعجب به طوال سنوات عدة، وكان حليفه القوي في ‏المنطقة.‏

بعد أن توفي رضا شاه (والد محمد رضا شاه) في منفاه عام 1944 نقل جثمانه إلى مصر ليدفن ‏في مسجد الرفاعي، أثناء علاقات مصاهرة الملكين الإيراني والمصري

ويعد محمد رضا بهلوي، صهر المصريين، إذ تزوج من الأميرة فوزية ابنة ‏الملك فؤاد الأول، وشقيقة الملك فاروق عام 1939، والتي طلقها في ما ‏بعد، وكانت نتيجة الزواج إنجاب طفلة باسم شَهْناز (شاهيناز)، التي تعيش حالياً في ‏أوروبا.‏

وصل محمد رضا في 24 آذار/مارس 1980 إلى القاهرة، وتم منحه اللجوء ‏السياسي بعد موافقة البرلمان. وأقام في قصر القبة خلال فترة إقامته في القاهرة. وبعد دخوله ‏مستشفى القوات المسلحة لإجراء عملية استئصال الطحال، لم تتحسن ‏حالته إلى أن توفي في 27 من تموز/يوليو 1980. ‏

تفاصيل جنازة الشاه الذي أشرف عليها السادات

قال السادات في رسالة إلى الشعب المصري: "أعلن بألم شديد وفاة صديق وشقيق"، مضيفاً: "يحكم التاريخ على حقبة محمد رضا بهلوي، لكننا في مصر سنظهر له ‏الامتنان والاحترام الذي يستحقه كرجل وكمسلم‎"‎، كما ذكر بأن الشاه ‏‏"وقف إلى جانب مصر في الأوقات الصعبة".‏

‏"حتى اللحظة الأخيرة بقي الرئيس المصري مخلصاً لمن كان يسميه ‏دائماً (شاه إيران]) ضارباً عرض الحائط بالانتقادات التي كان يثيرها في ‏العالم الإسلامي وحتى في بلاده"؛ هكذا وصفت حينها وكالة فرانس برس ‏علاقات الرئيسين.‏

تأثر السادات بوفاة صديقه الحميم كثيراً، وأشرف بنفسه على إقامة جنازة ‏عسكرية كبيرة له في 29 تموز/يوليو، أي بعد يومين على وفاة الشاه، إذ أمر ‏بعزف السلام الملكي الإيراني، بينما كان السلام الوطني قد تغير ‏في إيران آنذاك، وبعد انتصار الثورة الإسلامية، ولكن السادات كان غير مكترث و غير ‏معترف بالنظام الإيراني الجديد، وقاد الجنازة ونقل الجثمان الملفوف بعلم ‏إيران الملكية. ‏


ووضع الجثمان فوق عربة مدفع تجرها ستة خيول، من القصر الرئاسي ‏إلى مسجد الرفاعي، وإلى جانبه أسرة صديقه الشاه وأفراد من أسر ‏ملكية سابقة كملك اليونان السابق قسطنطين الثاني، والرئيس الأمريكي ‏السابق ريتشارد نيكسون، وسفراء يمثلون كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا ‏واليابان وأستراليا وإسرائيل والمغرب.‏

ومع تحية مئات من الجنود المصريين عبر موكب الجنازة شوارعَ ‏القاهرة التي احتشد فيها الآف الناس، ورافق الساداتُ الجثمان إلى داخل ‏المسجد الرفاعي، كما اطلقت 21 طلقة مدفعية إجلالاً وتكريماً للشاه.‏

ملكان إيرانيان يدفنان في قبر واحد

ووري الشاه الثرى في نفس المكان الذي دفن فيه والده رضا شاه مؤسس ‏النظام البَهلوي (1925-1979)، إذ خلعته بريطانيا أثناء الحرب ‏العالمية الثانية بعد مناصرة للزعيم الألماني النازي هتلر، وقد نفي رضا ‏شاه إلى الهند، ومن ثم إلى جنوب إفريقيا، واعتلى نجله محمد رضا شاه العرش ‏عام 1941.‏

وبعد أن توفي رضا شاه في منفاه عام 1944 نقل جثمانه إلى مصر ليدفن ‏في مسجد الرفاعي، أثناء علاقات مصاهرة الملكين الإيراني والمصري، ‏وبعد سنوات عندما تم طلاق الأميرة فوزية من الشاه محمد رضا، حرص ‏الأخير على نقل جثمان والده إلى طهران، ودفنه في مرقد السيد عبد ‏العظيم الحسني، جنوب طهران، لكن ضريح رضا شاه تم هدمه بعد قيام الثورة ‏الإسلامية في إيران عام 1979. ‏


وبعد مرور نحو 40 سنة على دفن رضا شاه في القاهرة ونقل جثمانه ‏إلى طهران، أمر أنور السادات أن يدفن محمد رضا شاه في نفس القبر الذي ‏كان يرقد به والده رضا شاه في مسجد الرفاعي في أربعينيات القرن ‏الماضي.‏

بعد وفاة محمد رضا شاه سادت أجواء الفرح في عموم إيران، وتصدرت وفاته ‏عناوين الصحف الإيرانية، وكانت من أبرز العناوين التي خصصت لذلك ‏‏"وفاة الفرعون"، "مصاص دماء القرن رحل"، أما رئيس البرلمان آنذاك ‏علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وهو أحد أبرز ثوار 1979 أيضاً، علق على وفاة ‏الشاه بأنها "مسألة صغيرة لا أهمية لها".‏ 

رغم انتهاء الحكم الملكي في إيران منذ عام 1979، إلا أنه ما زال البعض في داخل وخارج البلاد يهوى النظام السابق، خصوصاً أنه مع ازدياد المشاكل الاقتصادية وتضييق الخناق من حيث الحريات الفردية عبر تطبيق الشريعة الاسلامية في إيران، أخذ بعض الشباب الذين لم يعيشوا تلك الفترة يحنّون إلى ماضي إيران المزدهر وفق اعتقادهم، حيث كانت لها بعلاقات رصينة مع أمريكا، ومكانة محمودة في المنطقة، ومما زاد من هذا الانتماء هو نشر صور وأفلام من تلك الحقبة الزمنية التي كان الانفتاح على الثقافة الغربية كبيراً، كما يعتقد مناصرو العودة إلى تلك الفترة أن الحريات الاجتماعية خاصة في مجال النساء والعلاقات بين الشباب والفتيات، كانت أفضل بكثير مقارنة باليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard