حرية الرأي والتعبير في الحضيض... ملامح الدولة البوليسية في لبنان تتّضح

الأربعاء 27 يوليو 202205:06 م

على وقع حفيف أقدام الساعين خلف "خبزهم كفاف يومهم"، في طوابير الأفران في لبنان اليوم، وعلى ضوء حرائق إهراءات القمح في مرفأ بيروت الذي شهد ثالث أقوى انفجار في العالم في الرابع من آب/ أغسطس 2020، وما بين الحادثتين من ويلات يعيشها اللبنانييون، ينشغل النظام الأمني والقضائي بملاحقة الصحافيين والناشطين، علماً أن المادة 13 من الدستور اللبناني تكفل حرية إبداء الرأي قولاً وكتابةً، والفقرة ج من مقدمة الدستور تنصّ على الآتي: لبنان جمهوريّة ديمقراطيّة برلمانيّة، تقوم على احترام الحريّات العامّة، وفي طليعتها حريّة الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز أو تفضيل. فأين هو الدستور اليوم؟

في تقرير مفصّل نشره مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية التابع لمؤسسة سمير قصير، تحت عنوان "انتهاكات الحريات الإعلامية والثقافية في دول المشرق" حزيران/ يونيو 2022، اتّضح أن للبنان حصةً كبيرةً من الانتهاكات الحقوقية بحق إعلاميين وناشطين بدءاً من إدانة المحكمة العسكرية للممثلة الكوميدية شادن فقيه، بتهمة "المسّ بسمعة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والتحقير"، وتغريمها بسبب مقطع فيديو، وصولاً إلى استدعاء الأمن العام للكاتب والناشط جوي أيوب للتحقيق، إلا أن الأخير لم يمثُل لطلب الاستدعاء بسبب وجوده خارج لبنان.

في تقرير لمركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية (سكايز) حول انتهاك الحريات في دول المشرق اتّضح أن للبنان حصةً كبيرةً من الانتهاكات الحقوقية بحق إعلاميين وناشطين

ممنوع التعبير

مقدّمة برنامج "خلية الأزمة"، على قناة "أم تي في" اللبنانية، الإعلامية سابين يوسف، كان اسمها على عدّاد القوى الأمنية إذ نشرت في 15 من حزيران/ يونيو الماضي، تغريدةً عبر حسابها على تويتر قالت فيها: "جهاز أمن الدولة سأل المختار عنّي وعن عنواني... المهم بلا طول سيرة، قام المختار سألهم بس عفواً ليش عم تسألوا فجاوب العنصر: ‘سابّة الرئيس’. قلو روح يا ابني شو هي الوحيدة ما كل الناس عم تسبّ، شو هاي عيشة معيّشنا ياها. عا كل حال وللتوضيح أنا بعمري ما سبيت دايماً بحكي بالسياسة بس مسمّة".

تقول يوسف لرصيف22: "استمرّ البحث والتحرّي عني قرابة شهر، وكل هذه التصرفات الأمنية ما هي إلا تهديد وتهويل لإخافتي وزملائي ومنعنا من التعبير عن رأينا. نحن نطالب بحقوقنا فقط وهم يخافون كلمة الحق لذلك يحاولون إسكات الناس بالقوة، ‘مفكرين حالن بدولة استبدادية’، لكنني لن أخاف والناس لن تسكت بعد اليوم على هذه الأوضاع".

المرجعية الدينية أولاً

المحامي والناشط خالد مرعب، تعرّض لحملة تحريض وشتم وتهديد مباشر بالقتل، ما اضطرّه إلى مغادرة منزله في طرابلس، على خلفية منشور له على فيسبوك، ينتقد فيه موقف المفتي عبد اللطيف دريان من قضية حقوق المثليّين في الخامس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو 2022، ويروي لرصيف22" :تمّت إحالتي إلى المجلس التأديبي بالإضافة إلى التهديد بالقتل والنقابة لم تتخذ أي موقف، الحريات في لبنان في خطر وكل من يعبّر عن رأيه معرّض لإسكاته وقمعه من أجل حماية المنظومة التي لا تزال ترتكب الجرائم بحق المواطنين، وما تقوم به السلطة مخالف لكافة القوانين والمعاهدات الدولية التي تلتزم بها الدولة".

وأبرز المعاهدات والمواثيق الدولية التي يلتزم بها لبنان في دستوره هي الإعلان العالمي لشرعة حقوق الانسان الذي ورد في المادة 19 منه: "لكل شخص حق التمتّع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرّيته في اعتناق الآراء من دون مضايقة، وفي تلقّي الأفكار ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود وهو ما يطابق أيضاً الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن جامعة الدول العربية".

المديرة التنفيذية لـ"نواة للمبادرات القانونية"، المحامية ليال صقر، تؤكد أن "لبنان مصادق على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكنه يخالفه عن طريق استخدام المواد الموجودة في قانون العقوبات في ما يتعلق بالقدح والذم والمس بالشعور الديني وغيره واتخاذها طابعاً جزائياً".

المس بالأمن القومي والمواد المشابهة مواد مطاطية تكون رهينةً لمزاج القاضي السياسي وميوله، وكيف نريد مكافحة الفساد بلا حرية تعبير؟ نحن في بلد منكوب وقمع الناس وجلبهم للتحقيق صار وسيلة ترهيب لكمّ الأفواه وزرع الخوف في النفوس

وتضيف لرصيف22: "العقوبة يجب ألّا تكون جزائيةً بل مدنية وأكثر من ذلك يجب العمل على إزالة هذه المواد من قانون العقوبات الجزائي مع الحفاظ على حق السمعة لأي طرف، بهذا الشكل فقط تفقد السلطة ذريعتها وسلاحها في وجه الناشطين والإعلاميين الذين تصادر حريتهم في التعبير عن آرائهم".

الشعور القومي

تعرّض الإعلامي اللبناني طوني بولس، لحادثة مختلفة بعض الشيء، إذ قام زميلاه الإعلاميان حسين مرتضى وخليل نصر الله برفع شكوى ضده أمام النيابة العامة الاستئنافية، في 6 حزيران/ يونيو 2022، بتهم خيانة القيم الإعلامية والوطنية والنيل من هيبة الدولة ومكانتها وإضعاف الشعور القومي، وذلك بعد تصريحات بولس في مقابلة على قناة الحدث بأن حزب الله خلف قضية المخدرات في البقاع، ليقوم الأخير بعدها بتقديم إخبار للنيابة العامة بحق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

يرى بولس في حديث إلى رصيف22، أن "التشريعات التي تضمن الحريات والحصانة للصحافيين ليؤدوا دورهم في كشف الفساد ونقل الحقيقة موجودة، لكن تم تفريغها من مضمونها ولم تطبَّق، ففي لبنان هناك منظومة بوليسية تخضع لسلطة الأحزاب وتطبّق قوانين استنسابيةً، المدني لا يجب أن يحاكَم أمام محكمة عسكرية على الإطلاق والصحافي لا يجب أن يُهدَد وتُسلَب كرامته وتُجيَّش جيوش إلكترونية ضده على مواقع التواصل الاجتماعي بأوامر حزبية كما هو واقع الحال لأن ذلك يضعف موقف الصحافيين وعملهم ويخيف بعضهم".

مزاج القاضي

وتصف صقر "المس بالأمن القومي والمواد المشابهة بأنها مواد مطاطية تكون رهينةً لمزاج القاضي السياسي وميوله"، كما تطرح تساؤلاً جوهرياً: "كيف نريد مكافحة الفساد بلا حرية تعبير؟ نحن في بلد منكوب والفساد مستشرٍ في داخله وإذا استمر قمع الناس وجلبهم للتحقيق فهذا يُعدّ وسيلة ترهيب لكمّ الأفواه وزرع الخوف في النفوس".

في عام 2021، انزلق لبنان من فئة الديمقراطية الهجينة، إلى فئة الدول الاستبدادية وفق تقريرEconomist Intelligence Unit، الخاص بمؤشر الديمقراطية والذي احتلّ فيه لبنان المرتبة 11 عالمياً والخامسة إقليمياً. أيضاً تراجع لبنان 23 مرتبةً دفعةً واحدةً في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" التي جاء في بيانها: "بينما ساد الاعتقاد في الأوساط الإعلامية أن ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قد كسرت الخط الأحمر المتمثل في عدم انتقاد الشخصيات النافذة، أضحت اليوم الضغوط السياسية على أهل المهنة أقوى وأشد من أي وقت مضى".

في عام 2021، انزلق لبنان من فئة الديمقراطية الهجينة، إلى فئة الدول الاستبدادية وفق تقريرEconomist Intelligence Unit، الخاص بمؤشر الديمقراطية

تعديل القوانين

يقول المحامي أيمن رعد، الموكَّل بالدفاع عن الكوميديان شادن فقيه، لرصيف22: "المطلوب اليوم ليس منع محاكمة المدنيين أمام المحاكمة العسكرية فقط، بل تعديل قانون القضاء العسكري وحصر صلاحية المحاكمة العسكرية بمحاكمة العسكريين حصراً في ما بتعلق بموجباتهم الوظيفية أو الجرائم المرتكبة خلال الوظيفة وليس في مشكلاتهم الأسرية والاجتماعية حتى".

ويرى أن "لبنان دولة بوليسية بعيدة عن الديمقراطية وتطبَّق فيها حرية الرأي والتعبير في حالة استنسابية واحدة خاضعة للنظام الطائفي الحزب زبائني، وإذا تعرض أحد الحزبيين أو المؤيدين لحزب ما من التركيبة الحاكمة وصدر أي إجراء بحقه ينتفض الحزب لحمايته وينادي بحرية التعبير والعكس صحيح".

ويلفت رعد إلى أنه "لا بد من إلغاء جرائم القدح والذم من قانون العقوبات ونقلها إلى المحاكم المدنية، فضلاً عن ضرورة تعديل قانون المطبوعات وتوسيعه لتأمين حماية أكبر للصحافيين داخل الوسيلة الإعلامية التي يعملون لصالحها، وخارجها، كون قانون المطبوعات الحالي يخضع له كل ما يُنشر عبر الوسائل الإعلامية المتنوعة سواء من قبل إعلاميين وصحافيين أو مدنيين بصفة ضيوف ومحللين فحسب، إلا أن الصحافي الذي يكتب تغريدةً على تويتر مثلاً يحاكَم بصفته المدنية لا الصحافية".

"ما يحمي الصحافيين أن يكون هناك تضامناً صحافياً واسعاً وأن يكون الجسم الإعلامي متماسكاً وموحداً تجاه هذه القضايا بلا انقسامات، كما يجب أن تعمل النقابات الصحافية على تغيير التشريعات ورفع الحصانة الصحافية لمواجهة الخوف لأننا لا نملك سوى هذه الكلمة والرأي والصوت"، يقول بولس.

وحتى تعديل التشريعات القانونية ونفاذها وحتى تتحقق المطالب الحقوقية للصحافيين والناشطين والمدنيين على حد سواء، يبدو أن كاتم الصوت المعنوي سيستمر في عمله عبر فروعه الأمنية وجيوشه الإلكترونية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard