هل ستسمحين لطفلتك أن ترتدي الشورت... تربية الصغيرات في مجتمعات التحرش

الأربعاء 27 يوليو 202204:02 م

في عمر الثماني سنوات واجهت سؤالي الأول عن جسدي، لم يكن مصدر السؤال اكتشاف الطفلة الصغيرة لجسدها، بل تحذيراً تلقيته من بائع في الحارة التي أسكن فيها، إذ وجّه إلي ملاحظة صادمة طالباً مني إيصالها لأمي: "إحكي لأمك أنو فخادك مغرية، خليها تلبسّك إشي أطول".

حين بلغت أمي الرسالة بحرفيتها توتّرت وطلبت مني الصمت، وعلى الأغلب فقد شعرَت بالذنب تجاهي، وبالخوف من البائع وغيره، ما زلت أذكر هذه القصة كأنها حدثت للتو، وأعرف جيداً أن آثارها حكمت جزءاً من تجاربي كطفلة، ثم مراهقة، ثم شابة. 

كانت وجهة نظر أمي في التربية تتلخص بأنّ المجتمع غير آمن، لذا علينا كفتيات التزام الصمت إذا سمعنا كلمة غزل، وألا نلتفت إلى الوراء إذا شعرت إحدانا بأن أحدهم يلاحقها، كي لا نوصم بقلة التربية، فبحسب رأيها إن اللواتي يستجبن لأي تعليق في الشارع لسن محترمات.

 لكن ما حدث معي كان مختلفاً عما حاولت أمي تربيتي عليه، فأنا لم أستمع لكلمة تحرّش واحدة دون أن أقف وأصرخ بصوت عال وأردها لصاحبها، ولم أخف من وصمة عار ستلحقني لأني أحمي حدود كرامتي النفسية والجسدية، وكنت مراهقة لم أبلغ الثامنة عشرة، حين صفعت رجلاً كان يسير خلفي في طريقي إلى المدرسة ويسمعني أبشع الألفاظ. 

أم لطفلة يعني عودة الكوابيس القديمة 

كان لتجربتي أن تصنع مني فتاة برهاب اجتماعي، ناقمة على جسدها، ومتوجسة من الابتعاد عن أمها، لكنني لسبب ما نَجَوْت، إلا أنها نجاة بالصدفة، لا بسبب التربية الجنسية وفهم حدود الجسد، وبالتالي منع أي اعتداء يمكن أن أتعرض له كطفلة، بل بسبب غضبي في كل مرة تعرضت فيها لانتهاك لفظي أو بصري.

في مرحلة مبكرة من أمومتي لطفلة سيطرت علي أفكار سوداوية أهمها الخوف من تعرّض ابنتي لتحرّش جسدي من قبل أحد ما في دائرتها الضيّقة، ثم شيئاّ فشيئاً تضخمت هواجسي فصرت أشك بالجميع، وأفترض أن حمايتها لن تكون شاملة إلا حين أبدأ بتعليمها أهم المفاهيم حول الجسد، وخصوصيته، وكيفية التعامل مع من يقترب منه. فأي تعليم نظري لا ينفي احتمال تعرضها لانتهاك. 

كانت وجهة نظر أمي في التربية تتلخص بأنّ المجتمع غير آمن، لذا علينا كفتيات التزام الصمت إذا سمعنا كلمة غزل وألا نلتفت إلى الوراء إذا شعرت إحدانا بأن أحدهم يلاحقها

فالطفلة التي تعيش في مجتمع يؤمن كثير من أفراده بزواج القاصرات، قد تعاني بسبب نفي صفة الطفولة عنها في مرحلة مبكرة، أي أنها قد تصبح عرضة للتحرش كفتاة ناضجة بالقياس على نفس المسطرة، وأي تربية ستتلقاها قد تجد نقيضها خارج المنزل. 

هكذا دواليك، أحاول ترتيب أفكاري وأسأل من مررن بالتجربة قبلي، لعلي أجد ضالتي، لكن ما حدث هو أنني حاولت التخلّص من فوبيا التحرش الذي تعرَضت له طويلاً استعداداً لتربية طفلة واعية وصريحة، إذ لا يمكن إنكار أن التربية غير الواعية ليست سوى توريث مخاوف، وهذا ما أحاول ألا أفعله.

تعرف الفتاة العربية أنها نضجت من تغير تعامل الرجال معها مع بداية بروز الثديين، وحين تنزل نظراتهم من وجهها إلى صدرها

الأصعب على الصغيرات حين يتحاشى الرجال الذين يحملون صفة "عمّو" في حياتها وحتى من كانت تجلس في حضنهم قبل فترة قريبة لمسها بنفس الشكل القديم العفوي الأبوي.

شيء ما يتغير، وتتغير معه راحة الفتاة الصغيرة وتحولها رغماً عنها إلى كائن متوجس وغير مرتاح مع تطوره الطبيعي، وإن كان ثمة فئة عمرية قادرة على رصد جميع المتحرشين فهي بلا شك الفتيات من عمر 12 إلى 15 عاماً.  

كيف نمرّر قيم الحرية لطفلة في مجتمع محافظ؟

ثمة سؤال جدلي حول كيفية تمرير قيم الحرية للطفلات في ظل عدم وجود حماية عائلية طوال الوقت؟ وفي مجتمعات لا تُدين التحرش بالمطلق كفعل جرمي وانتهاك، فهو فعل يراوح وصفه بين خفة الدم وقلة الأدب في أسوأ الحالات، كيف يمكن للأهل إشعار الطفلة بحريتها في ظل الخوف من أن ينتهك جسدها الصغير ولو بالنظرات، وأمام حقيقة عدم جاهزيتها لتحمّل مسؤولية حريتها أو الدفاع عنها، إذ لا يوجد طفل بوسعه أن يحمي نفسه حماية كاملة، بالإضافة لكون الطفولة المبكرة هي مرحلة اكتشاف للنفس وللعالم، ومن الصحي ألا تحمل الكثير من المحاذير والتنميط.

يمكن صياغة السؤال بطريقة أخرى:  هل ستسمحين لابنتك أن ترتدي الشورت وتخرج إلى الشارع، مع قناعتك الكاملة أن هذا أمر طبيعي وطفولي لكنه قد يحولها لفريسة من منظور ما؟  

التوازن الذي يمكن خلقه لتمرير قيم الحرية في مجتمعات التحرش، يكون تراكمياً بما يتناسب مع مرحلة الطفلة العمرية، ومدى استيعابها للمفاهيم التي تصلها من الأهل، وإدراك الأهل لطبيعة استجابة الطفلة لما تتعرض له من العالم الخارجي، بالتالي يكون هذا التراكم المعرفي لدى الطفلات والأهل واعياً ومرتاحاً، ويصلح لبناء علاقة أمتن تحمل مفاهيم أعمق حول الحرية، ومخاوف أقل من مجتمع فيه نسب مرعبة لحوادث التحرّش بالأطفال.

في الحقيقة إن التربية الجنسية للأطفال، ومحاولة حمايتهم من التحرّش الجنسي تحمل أسئلة لا نهائية، تختلط فيها المفاهيم بالهواجس، ويكون الحد الفاصل بين الحماية وتضييق حرية الطفل لا سيما الإناث دقيقاً لمرحلة تصعّب رؤيته.

الأرقام أصعب وقعاً من الكلمات

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2019 أن مليار طفل في المرحلة العمرية (2-17) عاماً تعرضوا لعنف جنسي أو بدني، أو وجداني، أو عانوا من الإهمال العام، لكن كثيراً من أصحاب الاختصاص ممن عملوا على هكذا تقارير وإحصائيات في العالم العربي يعتقدون أن النسب لدينا أعلى من المعلنة نتيجة حالة التكتم والخوف من الفضائح التي تحكمها ثقافتنا، وأيضاً بسبب أن معظم هذه الحالات يمكن تصنيفها تحت سفاح القربى، يكفي أن نعلم أن أكثر من 95% من الانتهاكات تكون من قبل أشخاص تربطهم معرفة مسبقة بالطفل.   

هل ستسمحين لابنتك أن ترتدي الشورت وتخرج إلى الشارع، مع قناعتك الكاملة أن هذا أمر طبيعي وطفولي لكنه قد يحولها لفريسة من منظور ما؟  

 إلا أنني كأم لطفلة أحاول تخطي البحث في هذه الأرقام المرعبة، والتوجه لتعلّم أساليب تربية بوسعها مساعدتي كامرأة حرة أحاول تربية فتاة قوية، وقادرة على رد الاعتداء الجنسي أولاً، ثم الإخبار عنه. 

 خلال بحثي عن الإحصاءات تعرّفت إلى الشبكة الوطنية للصدمات النفسية للأطفال في المملكة المتحدة، إذ تقول في واحد من إحصاءاتها: "على الرغم من أن العديد من الأطفال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي تظهر عليهم تغيرات سلوكية وعاطفية ، فإن العديد من الأطفال الآخرين لا يفعلون ذلك. لذلك من الضروري التركيز ليس فقط على الاكتشاف ، ولكن على الوقاية والتواصل - من خلال تعليم الأطفال سلامة الجسم وحدود الجسم الصحية ، وتشجيع التواصل المفتوح حول الأمور الجنسية"، وهذا ما عزز لدي أهمية أن أتعلم لغة ابنتي الجسدية، وأن أطور وسائل أتتبع فيها ردود أفعالها بأقل أسئلة ممكنة.

الدوائر الاجتماعية الآمنة

إن النقاش حول تربية الفتيات الصغيرات وحمايتهن من التحرّش الجنسي، يقابله نقاش آخر لا يقل أهمية يتمحور حول دوائر الأمان التي بوسع الأهل الارتياح لكونها تساند في حماية الطفلة من الاعتداء، لأن انعدام هذه الدوائر يعني أن تلغي الأسرة، وبالأخص الأم، حياتها في سبيل حماية الفتاة الصغيرة في سن ما قبل المدرسة، ثم الدخول في دوامة الشك والترقب اليومي عند عودتها إلى المنزل، وهذا بوسعه إنهاك أي امرأة، ويصعّب مهمة التربية والحماية، والأهم أنه يحيّد مفاهيم الحرية التي يمكن منحها للفتيات. 

الطفلة التي تعيش في مجتمع يؤمن كثير من أفراده بزواج القاصرات، قد تعاني بسبب نفي صفة الطفولة عنها في مرحلة مبكرة

 أمر أخير سيصعب التنويه به وهو علاقة الحريات الممنوحة للفتاة بالدوائر والطبقات الاجتماعية التي تتحرك فيها، فالفتاة التي تركب سيارة عائلتها لا تواجه ما تواجهه التي تركب المواصلات العامة، والفتاة التي ترتاد المدارس الخاصة التي تسمح بالاختلاط حيث هناك اتفاق على حد أدنى من الحريات لا تواجه ما تواجهه التي ترتاد المدارس الحكومية حيث قيم الأغلبية المحافظة هي الحاكمة، والفتاة التي سجلتها عائلتها في ناد رياضي تختلط فيه بين شبيهاتها غير تلك التي تضطر لقضاء أوقات فراغها في منازل العائلة وفي الحارة. 

ارتباط نوع وكم الحريات الممنوحة للفتيات بالمتاح ضمن الطبقة الاجتماعية قد يوصلنا لخلاصة صعبة، هي أنه ليس مسموحاً لك تربية فتاة علمانية إذا كنت فقيراً، فلسنوات طويلة عملت كثير من التيارات المحافظة وتيارات الإسلام السياسي على منهجية ثابتة تهدف إلى تعهير الحريات بين الفقراء. 

ربما يصبح خيار العائلة العلمانية العربية أن تناقض قيمها كي لا تنبذ فتاتها الصغيرة أو تتعرض للخطر

الفكرة السابقة نعيشها يومياً لدى رؤية فتيات كبيرات وصغيرات يرتدين الحجاب رغما عنهن ورغماً عن أهاليهن فقط للحماية في طريقهن إلى المدرسة أو الجامعة أو حتى العمل. 

 إن تجربتي القصيرة في موضوع التربية الجنسية وحماية طفلتي أوصلتني لأهمية اختيار دوائري الاجتماعية وبالتالي دوائر ابنتي حسب مرحلتها العمرية وذلك من خلال تتبع إشارات من طفلتي تفيد إن كانت مرتاحة أم لا، ثم تأتي معرفتي بالأشخاص المحيطين بي، تمهيداً لمرحلة تجعلني واثقة إلى حد ما بأنني قادرة على استشعار أي خطر يهدد ابنتي، ومن دون تجاهل فكرة أنني غير قادرة على فرض حماية كاملة لها طوال اليوم ومدى الحياة. 

لا أريد توريث ابنتي مخاوفي حول التحرش بالأطفال من خلال تربيتي لها، وعلى الرغم من أنني نشأت وأنجبت في مجتمع عربي أتعرض فيه حتى اللحظة للتحرش بصورة دورية ومنتظمة، لكنني أؤمن أن علي فصل تجاربي عن التجارب التي ستعيشها ابنتي لأن رحلتها في الحياة رحلة جديدة وليست امتداداً لرحلتي وبالتأكيد ليست امتداداً لمخاوفي.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard