من "الجرائم النازية" إلى رواندا... عن أي عدالة نبحث في سوريا؟

الاثنين 25 يوليو 202204:20 م

يكثر الحديث اليوم، داخل سوريا وخارجها، عن مستقبل البلاد، والخط الذي ستنتهجه في المرحلة المقبلة: هل نحن أمام عدالة انتقالية تحاكم كل مرتكبي الانتهاكات من دون استثناء؟ أم أننا ذاهبون في اتجاه عدالة تصالحية وعفّى الله عمّا مضى؟

بدايةً، من الجيد التأكيد على أن العدالة التصالحية بصيغتها الـ"أوشوية"، الأكثر مغالاةً إن صح التعبير، مرفوضة تماماً. أقصد بذلك غض الطرف عن كل المجرمين بحجة عدم القدرة على محاسبة الجميع، وأقول إن هذه الطريقة لم تكن يوماً حلاً في أي بلد عاش حالةً مشابهةً للّتي عشناها، ولكن على الطرف المقابل: هل تطبيق العدالة التامة في حق الجميع أمر ممكن؟ وإن أمكن، هل يمكن عدّه حلاً؟

يقول ابن خلدون: "لو وقفت على ظروف معظم البشر لعذرت الجميع"؛ هذه العبارة، إلى جانب كونها متعاطفةً مع المخطئين عموماً، تشي من خلال صياغتها باستحالة تطبيق العدالة، فـ"لو" هنا، أداة امتناع للامتناع، ولكن لنضرب كشحاً عما قاله الرجل، فهو في نهاية المطاف بشر قد يصيب وقد يخطئ، ولنفترض أن العدالة بهذا المعنى ممكنة: هل يمكن عدّها حلاً؟

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، اجتمع الحلفاء لتقرير مصير عدد هائل من الضباط النازيين الذين وقعوا في الأسر، فاقترح الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، أن يعدم منهم على الأقل 50 ألفاً، ورد عليه الرئيس الأمريكي روزفلت، ساخراً: ألا يكفي 49 ألفاً؟ وانتهى الأمر بتنفيذ حكم الإعدام في حق ستة ضباط فقط.

راح ملايين الضحايا نتيجة جرائم النازيين، وإن تطلب الأمر محاكمة كل مرتكبي الانتهاكات من الجهاز النازي، كم شخصاً كان سيرسل إلى المقصلة؟ عشرات الألوف ربما

بمعنى أوضح، راح ملايين الضحايا نتيجة جرائم النازيين، وإن تطلب الأمر محاكمة كل مرتكبي الانتهاكات من الجهاز النازي، كم شخصاً كان سيرسل إلى المقصلة؟ عشرات الألوف ربما. لكن، وإثر هذه المحاكمة الشحيحة المتوانية التي نفذها الحلفاء واليهود في حق النازيين، ما الذي بقي من الفكر النازي اليوم؟ لا شيء تقريباً. إذاً، يمكن الحديث عن طي صفحة من التاريخ، وبدء صفحة جديدة من دون الخوض في سلسلة محاكمات قد لا تنتهي في حق جميع مرتكبي الانتهاكات في الفترة السابقة.

لكن قد يرى البعض أن القياس، نسبةً إلى النموذج النازي، غير وارد، فألمانيا لم تنقلب على حكومتها، بل سقطت في يد الحلفاء، وما حدث كان مجحفاً في حق كثير من الشعوب الأوروبية التي عانت من سطوة النظام النازي، وخاصةً اليهود. وهنا أود أن أشير إلى كتاب "آيخمان في القدس"، الذي ألّفته الباحثة والمفكرة اليهودية الألمانية حنا آرنت، والذي يعرض في تقرير مفصل أحداث محاكمة "أدولف أيخمان"، أحد كبار المسؤولين في النظام النازي، والذي تعود إليه مسؤولية ترتيب المستلزمات اللوجستية المتعلقة بالمحرقة.

أرادت آرنت، من خلال هذا الكتاب، أن تتعرض بالنقد لتلك الطريقة في معالجة القضية التي صبّت جل اهتمامها على ما فعله آيخمان وغيره، وأغفلت النقطة الأهم وهي اختفاء الطابع الشخصي للشرّ مع ظهور النازية، وتحوله إلى شر هيكلي بحيث فقد المجرم تعاطيه المباشر مع ضحيته، وبات كل ما يشترط فيه أن يعمل بمهنية ضمن المنظومة الإجرامية فحسب، ناظراً إلى نفسه على أنه عبد مأمور، لذا أرادت آرنت أن نوجّه حربنا في اتجاه الأفكار والأطر التفكيرية المستحدثة، لا في اتجاه الأشخاص.

قد يعلّق البعض بأن المسألة لدينا مختلفة عما عانته ألمانيا في العهد النازي، فالانتهاكات التي وقعت لم تنحصر في الشر الهيكلي الذي مارسته السلطة، بل تعدى الأمر ذلك وأصبح الإجرام يمارَس على نطاق أوسع ودخلنا في حرب أهلية طاحنة. هنا نشير إلى تجربة مشابهة عاشتها رواندا، قبل ما لا يزيد عن ثلث قرن، وراح ضحيتها زهاء مليون قتيل في أقل من مئة يوم. في التجربة الرواندية، لم تكن الحكومة هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الجرائم، وإنما شارك شعب الهوتو في عمليات القتل ضد التوتسي، والمتعاطفين معهم، بتحريض من الحكومة.

العدالة التصالحية بطريقة العفو عن كل المجرمين لم تكن حلاً في يوم من الأيام، وما من أمة يُنتظر منها أن تنهض ما لم ينهض فيها حس العدالة، فيما تبقى العدالة الانتقالية حلاً طالما لن تؤدي إلى إذكاء الفتنة وإغراق البلد في الفوضى 

هذا المثال قد يكون مفيداً لنا، فهو يعرض إستراتيجيتَين في الحل جرى اتّباعهما؛ العدالة الانتقالية: عندما سجنت الحكومة 120 ألفاً من مرتكبي الإبادة ونزح مليونا شخص من الهوتو تقريباً إلى زائير هرباً من شبح الانتقام، والنتيجة: البلاد غارقة في الفوضى والحكومة تفشل في إيجاد حل، لذا استقال الرئيس وتولّى نائبه بول كاغامي رئاسة الجمهورية. وهنا انتهج الرئيس الجديد سياسة العدالة التصالحية، فرفع شعار المصالحة الوطنية وقلّص المحاكمات لتشمل عدداً محدوداً من كبار المجرمين الذين جرى تقديمهم إلى محاكم دولية، في حين أقيمت محاكم عرفية محلية داخل القرى والبلدات في حق عشرات الآلاف من المشاركين في المذبحة الذين تم إعادة تأهيلهم لاحقاً لدمجهم في المجتمع بعد قضائهم فترة عقوبة مناسبة.

اكتفت الحكومة بذلك مع إحياء ذكرى سنوية تخلّد آثار المذبحة وتثقيف الشباب وإقامة معسكرات تخصهم لمناقشة أسباب الإبادة، في حين ركزت جهودها على تحقيق نهضة اقتصادية وانتشال البلاد من الفقر، والنتيجة: أصبحت رواندا من أسرع اقتصادات إفريقيا نمواً، وعبر أكثر من مليوني رواندي حاجز الفقر.

مثل هذا الكلام قد يبدو كافياً لو أننا نتناول المسألة من زاوية عقلية فحسب، من دون إدخال عواطفنا وانفعالاتنا الخاصة، لكن يبدو الأمر محالاً على هذا النحو، فلا يمكن إغفال التأثير النفسي الذي خلّفته الحرب علينا، لذا سأعرض للمسألة ذاتها لكن هذه المرة من زاوية نفسية:

قد ينكر البعض أن مثل هؤلاء المتورطين في الجريمة يمكن أن تنفع معهم أي سياسة لإعادة التأهيل والدمج، وحتى إن نجح ذلك فسيكون نجاحاً ظرفياً لا ينفك يختفي لتظهر مكانه النزعة الإجرامية من جديد، لذا لا مفرّ من معاقبتهم، وهنا تأتي عبارة دوستويفسكي لترد على هؤلاء: "من السهل أن تنكر على فاعل الشر، لكن أصعب شيء هو أن تفهمه". ولو ذهبت تسأل أحدهم: هل يمكن لك أو لفرد من جماعتك، أصدقاءً كانوا أم أقارب، أن تقدم/ يقدم على ارتكاب مثل هذه الجريمة لو واتت الظروف؟ حتماً كان سيقطع لك باستحالة ذلك. كذلك كانت نظرة الأمريكيين تجاه الهولوكوست، فقد ظنوا أنه يخص ألمانيا وحدها ولا يمكن أن يطال بلد الحريات أمريكا، فجاءت تجربة ستانلي ملغرام، عالم النفس الأمريكي من أصل يهودي، لتحمل نتائج صادمةً.

أتى ملغرام بمجموعة من المتطوعين قسّمهم إلى مجموعات لاختبار متغيّر تجريبي خاص بكل عيّنة، وشرح لهم أن التجربة ذات أغراض علمية، وأن هناك مريضاً في الغرفة المجاورة يعاني من فقدان الذاكرة وعليهم تعريضه لصعقات كهربائية خفيفة (15 فولتاً)، بالضغط على زر في اللوحة أمامهم لدى تلقيهم الأمر من المختبر مع زيادة الشحنة بالمقدار نفسه في كل مرة.

وبالفعل شرع المتطوعون في تنفيذ التجربة رافعين الشحنة مع كل ضغطة (15-30-45... إلخ)، وعند نقطة معيّنة بدأوا يسمعون تأوهات المريض من الغرفة المجاورة، فسألوا: من المسؤول في حال حدوث مكروه؟ وبمجرد أن طمأنهم الطبيب بتحمّله كامل المسؤولية حتى واصلوا الضغط على الزر إلى أن وصلت الأمور إلى النقطة الحرجة: المريض يطلق صرخةً مدويةً، ثم يُسمع صوت ارتطام ويعمّ السكون. يطلب الطبيب مواصلة الضغط، وهنا اختلفت النتائج باختلاف المتغير التجريبي.

تجارب ودراسات كثيرة أجريت، أظهرت ازدياد الوحشية في الحضارات التي كان مقاتلوها يعمدون إلى تغطية وجوههم، أو في الثقافات التي كانت تنزع عن المقاتلين أسماءهم 

في العينة التي كان متغيّرها يتضمن وجود شخص آخر يستجيب لأمر الطبيب، ويواصل الضغط، أظهرت النتائج أن 90% من المختبرين حذوا حذوه، وترجمة هذا أنه بمجرد إخلاء المسؤولية عن شخص، ثم رؤيته آخر يُقتل أمامه، فإن 9 من كل 10 أشخاص يتحولون في هذه الحالة إلى قتلى. هذه النتيجة كانت صادمةً للعلماء أنفسهم الذين تنبأوا قبل التجربة بأن عدد المستجيبين لن يتجاوز 1%، وهذه النسبة تخص الأشخاص السايكوباتيين والذين لديهم مشاكل نفسية، لكن تحقق استجابة بنسبة 90%، يعني أن هذه الاستجابة شملت أشخاصاً أسوياء نفسياً، أو بعبارة علمية دقيقة: أشخاصاً لا تنطوي استجابتهم العادية على ارتكاب جريمة قتل. وبمجرد وضعهم في هكذا ظرف، تحدث لهم حالة انفصال أخلاقي ويجنحون في اتجاه الجريمة.

تجارب ودراسات كثيرة أجريت في هذا الصدد، وخرجت بنتائج مشابهة، بعضها يتعلق بازدياد الوحشية في الحضارات التي كان مقاتلوها يعمدون إلى تغطية وجوههم، أو في الثقافات التي كانت تنزع عن المقاتلين أسماءهم وتخصص لكل واحد رقماً أو رمزاً ينادى به (الأمر الذي يشيع بكثرة لدى مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية في كل مكان)، وبعبارة أخرى يمكن القول إن الوحشية تزداد بمجرد نزع صفة الفردانية عن الشخص، أضف إلى ذلك تأثير الكلمات السلبية التي تطال بعض الأشخاص في الدفع بالآخرين للإجرام بحقهم، ففي سيناريو مشابه لتجربة ملغرام، أجري على طلاب جامعيين بإزاء طلاب آخرين من جامعة أخرى، ولوحظ ازدياد الدوافع الإجرامية عند هؤلاء المتطوعين لدى سماعهم عبارات تبخيسيةً تطال الفريق الآخر.

ربما يقودنا طرح هذه المواضيع للنظر في المسألة الأخلاقية، وهل يمكن تشييدها على أسس قانونية أم أنها في الأصل ذات طبيعة ميتافيزيقية؟ ولن نكون في نقاشنا لهذه المسألة بعيدين أبداً عن جوهر المشكلة، بل نخوض في عمقها.

أخيراً، وعوداً على بدء، العدالة التصالحية بطريقة العفو عن كل المجرمين لم تكن حلاً في يوم من الأيام، وما من أمة يُنتظر منها أن تنهض ما لم ينهض فيها حس العدالة، فيما تبقى العدالة الانتقالية حلاً طالما لن تؤدي إلى إذكاء الفتنة وإغراق البلد في الفوضى وعرقلة النهضة الاقتصادية كما حصل في رواندا.

من هنا أعتقد أن معالجتنا لهذه المسألة يجب ألا تكون بطريقة تجعلنا نغرق في التفاصيل، ونغفل عن الهدف الأسمى الذي يصبو إليه كل سوري. ولو ذهبت تستقرئ آراء السوريين اليوم، لوجدت الغالبية الساحقة يتمنون أن تنتهي هذه الحرب الدموية ونعيش في دولة قانون ومواطنة تضمن السلم والأمان لمواطنيها وتوفر لهم متطلبات الحياة الأساسية، لذا فإن أي مقاربة للمسألة، هذه غايتها، ستقودنا بالقطع إلى نتائج مرضية وستدفع بنا لانتهاج السبل المناسبة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard