بعد أن أصبحت في الأربعين... فتحوا عليّ باب السجن الكبير

الاثنين 25 يوليو 202203:44 م

لم تكن فكرة السفر قد نضجت في داخلي بعد، حينما زرت مدينة الخليل في الحادية عشرة من عمري. نعم أقول سفر، على الرغم من أن الخليل مدينة فلسطينية، لكن القيود الجغرافية التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي جعل من زيارة أي مدينة فلسطينية في الضفة الغربية، أو زيارة مدينة القدس، أو الداخل الفلسطيني، بمثابة حلم في جسد.

هنا في غزة، وبحجج واهية، منها الانقسام السياسي الفلسطيني، مُنع الفلسطيني من السفر للخارج، كنوع من العقاب والتنغيص والتقييد، وذلك لأكثر من 16 عاماً، إذ أصبح السفر "مادة ممنوعة" عن أهل غزة، وبحكم مهنتي التأملية عبر الكتابة، يخيّل لي حدسي، بأن السفر وقود لا بد منه للاستمرار في هذا العالم. سنوات مرّ خلالها الزمن حاملاً جسدي بعنفوانه وشغفه بالتفاصيل، إلى مرحلة التعايش مع السجن الجماعي، وفقدان الميل للتجريب في الخارج، لكن تجربة السجن الإجباري هذه، يمكن وصف حالها عبر أجساد كثيرة تمر بين جدران لا تتوقف عن التقارب مع خط سير الزمن، وكأن مساحة غزة تتناقص تدريجياً على الأجساد داخلها.

مرات كثيرة حاولت فيها السفر، ليس بنيّة مغادرة غزة للأبد، فهذه الأرض بتفاصيلها أرتبط بها مثل نهر وحافته، فقد كنت أرغب في نيل مساحة جديدة للذاكرة والمتعة، وكذلك لدعم مشروعي في الكتابة، لكن في كل مرة يكون الاحتلال الإسرائيلي، أو أسباب أخرى كثيرة، حواجز تحول دون إتمام السفر.

كلانا سجين

في عام 2019، تلقيت دعوة رسمية من وزارة الثقافة الفلسطينية، أنا ومجموعة من الكُتّاب في غزة، من أجل تمثيل فلسطين في معرض عمّان الدولي للكتاب، لقد كان إحساسي شديد الغرابة، وبدأت أدوّر خيالي مثل أرجوحة لا تتوقّف، ومن هُنا بدأت بالتقاط مشاهد متخيلة، مشاهد خروجي من "حاجز إيرز"، شمال قطاع غزة، متجهاً للضفة، التي لن أستطيع دخولها، وسيكون لي فقط فرصة النظر إليها من خلف زجاج الحافلة، واستنشاق بعض هوائها، فممنوع لنا في هذه الحالة أن ندخل أراضي الضفة لاعتماد الجيش الإسرائيلي أسلوب الترحيل في مثل هذه الحالات.

كنت أرغب في نيل مساحة جديدة للذاكرة والمتعة، وكذلك لدعم مشروعي في الكتابة، لكن في كل مرة يكون الاحتلال الإسرائيلي، أو أسباب أخرى كثيرة، حواجز تحول دون إتمام السفر.

هذا المشهد آلمني في لحظتها، وخُيّل لي أن أحدنا سجين، إما أنا، وإما الضفة الغربية، نتبادل النظر من خلف قضبان، وفي الواقع، لو أزحت هذا الخيال قليلاً، سوف أتأكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ، بأن كلينا سجين. تخطيت لحظة الألم تلك بصعوبة، وشعرت بأن جسدي يلهث ونبضي يتزايد، كأنما كهرباء ضربت خلاياي. كنت أجلس على كرسي منزوٍ في غرفتي، لا أعرف لماذا تخيلته في لحظة ما، كرسي تحقيق، ويقف بجانبي جندي إسرائيلي، ينظر إليّ بغطرسة، ويحقق معي حول سبب السفر، مع أنه - للسخرية - يعلم كلّ شيء!

عمّان القديمة

وانفتحت فجأة نافذة أخرى في خيالي، هذه المرة تعرض مدينة عمّان العاصمة الأردنية، فلا أعرف الأردن إلا عبر التلفزيون الأردني الأرضي، القناة الأولى، حينما كنت أرى نشرة الأخبار مع والدي في الثمانينيات والتسعينيات، وعرفت حواريها وشوارعها الريفية جيداً، من خلال مسلسل "عليوة والأيام" وتذكرت كيف كنت أتعاطف مع حال الفقراء هناك. في ذلك الوقت، لم نكن نعرف الفقر في غزة. كنت دوماً أشعر بالشغف بأرض الأردن، بجبالها وطبيعتها، وكنت أسمع عن نهر الأردن، في الصفوف الدراسية، فكان دوماً مرتبطاً بـ"معركة الكرامة" التي هزم فيها الجيش الأردني والفدائيّون الفلسطينيّون الجيش الإسرائيلي. وجلست أرتب جدول مواعيدي مع الأصدقاء في الأردن، ولربما أعد موضوعات للنقاش، خلال اللقاءات، نبض قلبي كثيراً، وامتلأت بالشغف لتلك الزيارة وهذا التمثيل المأمول لبلدي فلسطين.

مرت الأسابيع، ولم نتلق أي تجديد للإجراءات سوى طلب صورة الهوية، لإتمام الحصول على تصريح زيارة من قبل الاحتلال، يتبعه الحصول على ورقة عدم ممانعة من الجانب الأردني، وفي كل مرة كنت أستفسر عن الجديد، يجيبني مدير مكتب الوزير بأن الأمور تسير بشكل طبيعي، ولا داعي للقلق.

"الفار بيلعب بعبي"

ليلة السفر، سألت صديقي الكاتب محمود جودة، وقد كان مرافقاً لي في تلك الرحلة، سألته عن أي أخبار جديدة بخصوص السفر، فأجابني: "الفار بيلعب بعبّي". فأجبته: "تف من تمك يا شيخ"، وبدأنا بالفعل توقع الجانب السيئ، فلا يعقل أن تتمّ الزيارة دون أن تقدّم لنا الوزارة أيّ تلميحات إيجابيّة حول الأمر.

ومع ذلك، استيقظت في يوم السفر مبكراً، وكنت أعددت حقيبتي الصغيرة السوداء وملأتها باحتياجاتي اليومية، وحاولت الاتصال بوكيل وزارة الثقافة يومها وهو مقيم في غزة، وكان من المفترض أن يكون مرافقاً لنا، لكن لم يرد على مكالمتي، وكانت المعلومة القاطعة من صديقي محمود بعدها بدقائق، بأن السفر لن يتم لعدم حصولنا على تصريح زيارة من قبل الاحتلال.

لقد كان الخبر أثقل من أن يحمله غشاء جورب ممزق، هكذا كان جسدي وقتها، معتماً مهترئاً ضعيفاً مطاطاً، وفي كل مرة كنت أستطيع مداراة الثقوب الغائرة فيه، لكن هذه المرة، وددت لو مزقت كل هذا العناء بلا رجعة.

أريد أن أغتسل

عام 2020، خلال حديثي مع وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف، وقد كان يهنئني بصدور روايتي "إزميل رام" أخبرني بأنه سيتم دعوتي من خلاله، لحقل توقيع كتابي في رام الله، هذه المرة شعرت بأن الأمنية ستتحقق، لا أعرف لماذا، لكني كنت مطمئناً بأن عقدة الحبل ستنفك أخيراً، وبالفعل تم التواصل معي من مدير مكتبه، وطلب مني صورة الهوية، هذه المرة كنت أكثر واقعية لربما، ولم أقم بتدوير خيالي، كنت أتعامل مع الأمر بحيادية أكثر، وحين أخبرت صديقي المقرب مساءً، حول الأمر، سألني: "ماذا تعني لك هذه الزيارة؟، أجبته:"ثلث جسدي هناك، وثلثه الثاني في البلاد أرض الـ48… أريد أن أغتسل كاملاً، ولو لمرة واحدة".

لم تمر سوى أيام حتى أعلنت وزارة الصحة العالمية عن الوباء العالمي كورونا، وتم إعلان حالة الطوارئ في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني، وبالتالي، كان من البديهي أن أعرف بأن الدعوة تم إلغاؤها. هذه المرة كانت الغصة بطعم مغاير، حتى شكل جسدي كان بهيكل آخر، وتذكرت وقتها الكرسي الخشبي الذي كان يجلس عليه أبي، لقد كان لون الخشب رمادياً بالياً من كثرة ما صعقته ضربات الشمس، لقد كان السفر قرص شمس كبيراً، وكنت أنا الكرسي الرمادي البالي.

صوتي يتحرر من الخيوط

في عام 2021، وصلتني دعوة عبر الإيميل من إدارة مهرجان أوسلو الدولي للشعر، لقد أخبروني بأنني مدعو للمشاركة في نسخة هذا العام، لكن هذه المرة عبر الإنترنت، بسبب وباء كورونا. حينما رأيت الدعوة، لم أكن أريد أن أعير الإحباط قيمة، ولم أكن أريد تكرار الغصّة نفسها، لكني شعرت بأنني باب دوار فاخر، يمر من خلالي السفر، يضحك في وجهي، ويخرج لي لسانه، ويكمل الدوران حولي. وبينما كنت أقرأ الشعر عبر الإنترنت للجمهور في أوسلو، أخبرتهم عن حلم السفر، فقلتُ بصوت مختنق:

"تلك الخيوط التي

لا تتوقف عن تثقيب القماش،

لتصنع الحدود،

فيصير الخيط سلكاً شائكاً.

بنفس الأسلوب يمنع الخيط الشائك رفاقه الخيوط في الداخل، تمنع الأرض طيني من السفر،

قد تنمحي الحرية بأن يكون الثوب على مقاس الجسد تماماً.

الإبرة في الخيال أكثر وخزاً،

ويا له من قديس ذلك المشهد في الخارج.

تلك الخيوط

ممددة على حواف القميص

مثل حواجز رتيبة،

وأنا الزر المتحرك بثقوبه، في الداخل".

حينما رأيت الدعوة، لم أكن أريد أن أعير الإحباط قيمة، ولم أكن أريد تكرار الغصّة نفسها، لكني شعرت بأنني باب دوار فاخر، يمر من خلالي السفر، يضحك في وجهي، ويخرج لي لسانه، ويكمل الدوران حولي

وبعد فراغي من القراءة، شعرت بأن التصفيق لم يكن اعتيادياً، لربما كانت أيديهم أكثر حرية من الأيدي التي أعرفها، فكان التصفيق حراً للحد الذي هزني ودمعت عيناي. قالت مديرة المهرجان:" هذا الصوت الشعري، وصلنا الآن طازجاً من فلسطين يحدثنا عن ألم الحبس والحصار، بفعل الاحتلال الإسرائيلي أولاً، وبفعل الجائحة ثانياً". شعرت للمرة الأولى بأن صوتي، وهو جزء ديناميكي من جسدي، قد تحرر من الخيوط، من الأسلاك الشائكة، ومنذ ذلك الوقت، رميت فكرة السفر في سلة المهملات، وأطلقت جسدي عبر الصوت، الممتد من غزة لأوسلو.

الآن، وبعد تخطي سن الأربعين، صار بإمكاني أن أسافر عبر معبر رفح، فلا قيود على الأربعيني، فمن يحاصر غزة يعرف أن الجسد يبلى بعد الأربعين، ويفقد الشغف بمشاهد السفر المغرية.

أصبحت في الأربعين، وصار بإمكاني السفر. لكن ببساطة، فقدت الرغبة في فكّ خيوطي والانطلاق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard