ليل الأردن يحاصر خيوله... صناعة موروثة تلاحقها العقبات

الأربعاء 20 يوليو 202206:12 م

تحتل تربية وتدريب الخيول في المملكة الأردنية الهاشمية مكانة مهمة، ويساهم القصر الملكي بنصيب كبير في دعم تلك الصناعة التي باتت تمثل جزءاً أصيلاً من ثقافة الأردنيين، وعلى الرغم من الدعم الذي يتلقاه ملاك اسطبلات الخيول والهواة وأصحاب مزارع تربية وتدريب الخيل، هناك بعض العقبات التي تعرقل سير خطط الاستثمار في تلك الصناعة بشكل يضمن ازدهارها.

سباقات بلا دعم

تعدّ المسابقات الشعبية والرسمية التي يتنافس فيها مربّو الخيول الساحة التي تبرز فيها نتائج تلك الصناعة، وفرصاً حقيقية للتسويق والحصول على عوائد تكفل استمرار الاسطبلات والمزارع المتخصصة، لكن هذه المسابقات تشهد تراجعاً، يتحدث عنه خالد العازمي، صاحب اسطبل "الأجاويد" لرصيف22: "السباق الوحيد الذي ينظمه الاتحاد الملكي للفروسية هو سباق القدرة والتحمل، بينما باقي السباقات تنظم من قبل الأهالي وملاك الخيل من دون تدخل الحكومة"، ما يجعلها عرضة للتوقف أحياناً، إلى جانب تواضع العوائد المتحققة منها.

ويذكر مُربو الخيول على سبيل المثال سباقات السرعة التي تقام الجمعة من كل أسبوع، ويمنح الفائز فيها جائزة رمزية كالميداليات والكؤوس فقط، ما يجعلها غير مجزية عند المقارنة بما يتحمله مربو الخيول من تكاليف.

تحتل تربية وتدريب الخيول في المملكة الأردنية الهاشمية مكانة مهمة، ويساهم القصر الملكي بنصيب كبير في دعم تلك الصناعة التي باتت تمثل جزءاً أصيلاً من ثقافة الأردنيين، لكن هناك عقبات بيروقراطية تعرقل سير خطط الاستثمار في تلك الصناعة بشكل يضمن ازدهارها

 وبحسب العازمي، فإن الأردن يقيم مسابقات تصفيات المؤهلة لسباق القدرة والتحمل بمنطقة "العلا" بالمملكة العربية السعودية في نهاية العام، وتكون المسافة التي يقطعها الخيل 160 كيلومتراً، ويشرف على ذلك السباق العديد من المتخصصين والأطباء ولجان فحص دولية، لكن "ليس عندنا أي مقومات ولا حتى أي دعم أو تنظيم أو متابعة من أي جهة حكومية باستثناء سباق القدرة والتحمل لأنه دولي يشرف عليه ويحدد أوقاته اتحاد الفروسية" وفق العازمي.

وبحسب تصريحات أحمد صقر، مدير إسطبلات محمد الدعجة بالأردن، لرصيف22، فإن هناك عدة مسابقات في مجال الخيول، منها مسابقات الجمال، والبطولة الوطنية الأردنية، وهي مسابقات مغلقة لا يشارك فيها مربون من خارج المملكة، وكذلك بطولة الإنتاج المحلي، إضافة إلى بطولة الشرق الأوسط التي يسمح فيها بمشاركة الدول الواقعة في منطقة الشرق الأوسط فقط. ولا يقيم الأردن أية مسابقات إقليمية أو دولية، وتواضع مشاركتها فيما تقيمه الدول الأخرى من مسابقات.

انتقل العازمي، في حديثه ليتكلم عن مشكلة مختلفة تتمحور حول تناقص مستلزمات الخيل التي يتم وضعها عليه مثل اللجام والسرج، وغيرها "كثير نعاني من عدم تواجد العدة وكل العدة المتوفرة بمحلات شعبية وقديمة".

عقبات في الاستيراد

بحسب العازمي، يواجه مربو الخيول الأردنيون صعوبات في استيراد الخيول من مصر، باعتبار أن الخيول المصرية أفضل الخيول العربية بمنطقة الشرق الأوسط، على حد تعبيره، إضافة إلى الضرائب والرسوم المالية التي تضعها الحكومة لاستيراد الخيول من الخارج، في الوقت الذي يتمكن فيه من استيراد خيول من السعودية وقطر بتكلفة أقل. لكن صعوبات الاستيراد من داخل منطقة الخليج نفسها تقل مقارنة بالاستيراد من مصر أو الدول الأوروبية. كما يطلب اتحاد الفروسية في الأردن المزيد من الإجراءات والرسوم إلى جانب ما تطلبه أجهزة الدولة، ما يجعل من عملية الاستيراد لتحسين السلالات والتنافس في المسابقات عملية معقدة ومسببة للخسائر. يقول العازمي: "اتحاد الفروسية لا يساعدنا بأي شيء بخصوص استيراد الخيل من أي بلد، بل يطلب من المستورد كثير موافقات وكثير أوراق وحجر صحي وهذا كله تكاليف كثيرة علينا".

يواجه مربو الخيول الأردنيون صعوبات في استيراد الخيول من مصر، باعتبار أن الخيول المصرية أفضل الخيول العربية بمنطقة الشرق الأوسط

شروط تصدير الخيل من مصر للأردن

في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018، سمحت مصر بتصدير الخيول العربية إلى الأردن بعد انقطاع ثماني سنوات. وتضع الحكومة المصرية العديد من الشروط الواجب توافرها لتصدير الخيل، والتي تتمثل في خلو الخيول المراد تصديرها من أي أمراض بإقرار من صاحب المزرعة التي يتم التصدير منها إلى الأردن، إضافة إلى الالتزام بإجراء الفحوص الطبية المطلوبة مع استصدار شهادة صحية للخيل. فيما يتولى معهد بحوث صحة الحيوان بمصر متابعة صحة الخيول المجهزة للتصدير. وبعد إصدار الطبيب الرسمي شهادة صحية نهائية للخيل في اليوم المحدد لسفر الخيول، ترفق مع الخيل بوليصة التأمين على الفرس والشهادة الصحية الخاصة به، وجواز سفره. ويُنقل الخيل في عربة خاصة إلى مطار القاهرة ثم إلى الأردن.

الخيول والعمال

نقص المستلزمات أنتج مشكلات صحية تضر بالعاملين وبالخيول نفسها، كما يقول تامر الحلو، الشريك المؤسس في اسطبلات الحلو للخيول: "شعور صعب إنك تمشي جنب اسطبل وتشمي رائحة غير مقبولة خارجة منه، ودا بسبب الاعتكاد على عمالة بلا خبرات، أو أن صاحب الإسطبل نفسه غير مهتم بالنظافة".

 أسس تامر الحلو وشقيقه محمد اسطبلات الحلو للخيول، ونجحا في عمل خط إنتاج مصري من الخيول العربية، إلى جانب الخيل البلجيكي، لكن القيود الحكومية على "استيراد" العمالة الماهرة ذات الخبرة، أضافت إلى المشكلات التي تحاصر عمل مربي الخيول في الأردن. يقول الحلو: "نحتاج إلى خبرات العمالة الهندية ذات الكفاءة في التعامل مع الخيول خاصة فيما يتعلق بالنظافة، وبسبب تلك القيود لجأنا إلى استقدام عمالة مصرية لا تملك ذات الخبرة أو الكفاءة".

يقول كريم عبدالناصر، وهو عامل مصري في أحد إسطبلات الخيول الأردنية لرصيف22: "الخيل حساس جداً، وعنده عزة نفس وكرامة، ميحبش أبداً حد يزعله أو يضربه. لما بتصعب عليه نفسه بيعيط، بيخليك تتعامل معاه بحذر وتخاف على مشاعره كأنه طفل صغير".

يعد عمل كريم في اسطبلات محمد الدعجة بالأردن هو تجربته الأولى في التعامل مع الخيل، ما يعزز من تعليق تامر الحلو حول الاعتماد على عمالة مصرية لا تمتلك الخبرات الكافية، إلا أن حُب كريم للخيل يعوض النقص في الخبرة: "بدأت اشتغل مع الخيل من سنة واحدة، لكن بقت بينا صداقة عمر".

يستيقظ كريم، في السادسة صباحاً تكون مهمته الأولى تقديم الطعام والشراب للخيل في الوقت المحدد له، وأخذه لممارسة التدريبات المختلفة كالقفز، كما يقوم بخدمات النظافة داخل الإسطبل.

قلة النوادي الآمنة بالأردن

يتحدث سامر صبرة، صاحب مزرعة صبرة لتربية وتدريب الخيل، عن رياضات القفز والسباقات للخيول العربية، وأشار إلى قلة النوادي الآمنة والمضامير التي تتوفر فيها معايير السلامة للخيول وأصحابها. ويرى أن الخيول العربية هي أصل جميع أنواع الخيول التي انتشرت في كل أنحاء الأرض واختلف شكلها وسلوكها باختلاف البيئة المحيطة بها وطرق التعامل معها. وبالرغم من حبه الشديد لعالم الخيول إلا إنه لا يفضل المشاركة في مسابقات الخيل للجمال التي يقيمها الأردن، فهو يتبنى شعار "الخيول خلقت للركوب وليست للعروض"، ويرى أن من تكريم الخيل الركوب عليه واستخدامه، وليس للنظر إليه وحبسه في غرف مغلقة للعرض، بحسب تعبيره. 

عام 2011 صدر كتاب بعنوان " تاريخ الخيول / قصة الخيول العربية الأصيلة في الأردن" من تأليف الأميرة عالية بنت الحسين، وهي الابنة الكبرى للملك الحسين بن طلال، ملك الأردن الثالث، وتشغل منصب رئيس اتحاد الفروسية الملكي الأردني، وكذلك تترأس المنظمة العربية للجواد العربي، تحكي خلاله عن تعلقها وتعلق عائلتها بالخيول العربية والفروسية ومدى ارتباط بني هاشم بالخيل، ويضم الكتاب توثيقاً بالصور يوضح العلاقة القوية التي جمعت بين أهل المملكة الأردنية والخيول، كما يعرض الكتاب حياة الخيل داخل الإسطبلات الملكية، وعلاقة ملوك وقادة العرب بالخيل، ثم يتطرق إلى شرح عملية توريث حب الخيول من جيل إلى جيل داخل الأردن. لكن استمرار نجاح هذه الصناعة والاستثمار فيها في المملكة الأردنية، مرهون بالقضاء على العقبات التي تواجهها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard