كاسندرا أجمل بكثير... مقارنة لا بدّ منها بين الدبلجتين اللاتينية والتركية

الخميس 21 يوليو 202209:58 ص
ذاكرة جيل عربي كامل حول من هو الآخر المختلف جاءت من المسلسلات اللاتينية التي وصلت من أستوديوهات الدبلجة في بيروت وعمّان، هيئات وملامح لا تشبهنا لكننا تعاطفنا مع أصحابها، وقصص غريبة عن واقعنا لكننا انجرفنا معها إلى حد امتلاء جدران غرفنا بصور "كساندرا" و"فرناندو"، وحضر شَعر "مانويلا" الأشقر الطويل في أهازيجنا.

شعر كاسندرا الطويل... 1994 

بدأت هذه الموجة العاتية التي اجتاحت الشاشات مع نهاية القرن الماضي فعرضت القنوات مسلسلات مدبلجة إلى العربية الفصحى مثل:
ماريا ميرسيدس عام 1992 ومسلسل غوادالوبي عام 1994 وماريمار في نفس العام وكساندرا عام 1996 وإزميرالدا عام 1997 وغيرها وصولاً إلى أعمال شهيرة مثل روزاليندا الذي عرض عام 2002.
بنظرة سريعة إلى الماضي وقصص هذه المسلسلات نجد أنها تحكي عن الحب بالمطلق، قصة حب بين شاب غني في أغلب الأحيان وصبية فقيرة تبيع الورد أو حتى القمامة أو ترقص ليعترض محيط الرجل على هذا الحب وتبدأ أم أو جدة أو حبيبة سابقة أو حتى زوجة بوضع العصيّ في عجلة هذه العلاقة لتتأزم في كل مرة، فيعيش المشاهد هذه الأحداث بكل تفاصيلها وصولاً إلى الحلقة الأخيرة التي عادة ما يلتقي فيها الحبيبان وهما يرسمان صورة للمستقبل نكاد نلمسها بأيدينا من فرط مثاليتها.
المسلسلات اللاتينية كانت تأتي في حلقات طويلة تتجاوز المئة أحياناً، لا نملك إلا انتظار عرضها على التلفزيون لأن الهواتف الذكية  لم تكن بعد قد انتشلتنا من هذه العبودية التي كبّلتنا عُمراً، رغم فضلها في جلب العالم لنا في حينها.
لا مجال للتنكّر للتلفزيونات، فإن كان يوتيوب أحضر لنا "شاكيرا" فشاشة التلفزيون سبقته بزمن طويل وعرفتنا على ملكة البوب اللاتينية "تاليا" بطلة عدة مسلسلات شهيرة مثل ماريمار وماريا ابنة الحي وغنائها الاستعراضي الجميل لمقدمتهما، وهي صاحبة إحدى نجمات ممر المشاهير في هوليوود.
على ذكر موسيقى المقدمة يطفو على ماء الذاكرة مثل وردة صوت اللبنانية كارول صقر في غنائها العذب لمقدمات عدد من المسلسلات اللاتينية مثل كساندرا.
وبالعودة إلى قصص أغلب هذه المسلسلات نجدها في ذلك الزمن المحافظ نوعاً ما لم تخدش الطباع الشرقية لشعوب المنطقة بشكل عام.
هناك اختلافات جوهرية لكن وقعها بسيط بوجود مقص الرقيب وفي ظل البعد الجغرافي بيننا وبين تلك الشعوب التي صنعت الفن كما تراه دون محاولة غمسه في صحن السياسة أو تلطيخه بعفن الإيدولوجيا. هناك من لم يكن قد سمع بفنزويلا أصلاً قبل أن تأتينا منها كساندرا ذات العينين الزرقاوين والشعر الأسود لتشاركنا أمسياتنا ونشاركها قصصها في الرقص والحب والغناء.
كان ذلك هو الحضور الأول لرجال يحملون أسماء مثل فرناندو وكارلوس ونساء يحملن أسماء مثل باربارا وروزاليندا.

العثماني يعود من الحديقة الخلفية

ثم يأتي بعده حضور آخر لنجوم آخرين، من الشرق هذه المرة في ما قد نعتبره عودة أو استعماراً جديداً لأوغلو ورفاقه ورفيقاته.
انحسر في بداية الألفية الثالثة المد اللاتيني واجتاح العثمانيون العالم العربي من الحديقة الخلفية ودون حاجة لإراقة الدماء أو خوض المعارك الشرسة، فالاعتماد هذه المرة لم يكن على جنود وقادة حرب بل على وجوه حسناوات إسطنبول ووسامة فتيان أنقرة.
نعم اشتركت الدراما اللاتينية والتركية في الأسماء التي تشبه عناوين "روايات عبير" مثل:

العزيزة إيزابيل
مالٌ بلا مجد
من القلب إلى القلب
الحلم الضائع
الأرض الطيبة
دموع الورد

واشتركت أيضاً في معالجاتها للموضوع الرئيسي وهو العشق بكل درجاته ونتائجه، لكن البساطة التي ميزت قصص اللاتينيين اختفت لدى الأتراك. فمثلاً القصة الرئيسية لمسلسل "ماري تشوي" اختلفت كلياً عن قصة "العشق الممنوع"، في الأول كانت الحسناء المكسيكية مايتي بيروني فتاة هاربة من ميتم أنقذتها العجوز كانديلاريا وعاشت معها حتى ساقتها الأقدار إلى بيت خوان ميغيل الطبيب الغني الوسيم.
في حلقات المسلسل تطفو على السطح قصص خداع زوجته فيفيانا وعدد من الشخصيات السيئة، لكن قصة الحب بينهما تسير بسلاسة درامية لا تتعارض مع المجتمع العربي المليء بهذه النماذج، إضافة إلى الوسامة المفرطة للنجم كوبي الأصل ويليام ليفي الذي قد لا يترك شيئاً منها لبعض نجوم الصف الأول من الأتراك.
أما في الأخير _ العشق الممنوع_ فإن المعاول التي كانت تتحرك داخل الأحداث تحطم كل ما يقع تحتها من قيم كثيرة لأبعد حد، النجمة التركية بيرين سات لا تقل جمالاً عن المكسيكية بيروني، لكن الأخيرة حافظت على معايير الفتاة البسيطة التي ترتدي الجينز والقمصان الملونة وتقود دراجتها حافية لتقوم بمهام عملها دون أن تخدش المجتمع بينما كانت "سمر" المستغلة التي دمرت الجميع والانهزامية التي لم تصمد طويلاً في عتمة الشرنقة التي أدخلت نفسها فيها وماتت لأنها قررت ذلك ونفذته بيدها.

هل تعرفنا على الحرية مع الدبلجة؟

في المجتمعات العربية لا تغيب الظواهر المستهجنة سواء على الصعيد الديني أو على صعيد القيم والأخلاق ، لكن ما تسرّب إلينا من الشاشات الصغيرة يكفي ليغير "ما بقوم ويغير أيضاً ما بأنفسهم".
العلاقات الجنسية بين المحارم مثلاً كانت ضرباً من الغريب الذي قد لا يتوقع البعض وجوده أصلاً لكنه بقدرة قادر أصبح روتيناً يومياً في عشرات الحلقات التي يحرص الكثيرون على متابعتها والتعاطف مع أبطالها بانتباه شديد، ما جعلها تدخل بثقة حيز المألوف.
هذا طبعاً لا يمنع وجود شخصيات تشبه سمر في الأعمال اللاتينية مثل "روبي" وأخرى تشبه ماري تشوي في المسلسلات التركية مثل "فاطمة"، لكن أحداً لن ينكر تلاشي الصدمة في ذهن المشاهد العربي من تناول الدراما لهكذا موضوعات وقصص كانت دائماً طيّ الكتمان.

انحسر في بداية الألفية الثالثة المد اللاتيني واجتاح العثمانيون العالم العربي من الحديقة الخلفية ودون حاجة لإراقة الدماء أو خوض المعارك الشرسة، فالاعتماد هذه المرة لم يكن على جنود وقادة حرب بل على وجوه حسناوات إسطنبول ووسامة فتيان أنقرة
بالعودة إلى "روبي" الذي كانت بطلته الجميلة باربرا موري نلمس بدايات النَّسخ العربي لبعض الأعمال الدرامية ذات الشهرة العالمية، وهنا رأى البعض أن سيرين عبد النور روبي النسخة العربية لم تنجح في تقمص هذا الدور كما يجب رغم نسبة المشاهدة العالية التي حظي بها المسلسل في العالم العربي. لكن المقارنات لم تنفك تعقد بين روبي هيكتور وأليخاندرو وروبي عمر وتامر.

هل نجح التركي بإقناعنا أن الكردي إرهابي؟

بعيداً عن الدراما الرومانسية تطل أعمال تتسم بطابع الأكشن والمغامرات وأحياناً الدموية المفرطة مثل المسلسل التركي "الأرض الطيبة" الذي عالج الإرهاب بعينين تركيتين ليجعل المشاهد العربي يربط بين الإرهاب والأكراد ويصورهم لنا كعصابات تعيث فساداً في الداخل التركي دون أن يخبرنا من أين جاء هؤلاء، وما الذي حدث لهم، فحوّلهم إلى مسلحين يحاولون شيئاً قد لا نعرفه لكننا لن نعجز عن تخمينه.
كذلك "وادي الذئاب" الذي بني على القتل وإزهاق الأرواح بسبب أو بدونه لتتجاوز دمويته ما يحمله من إبداع درامي من أي نوع كان.
تقول جارتنا الأمية إن ما حدث في ليبيا من عنف بعد العام 2011 هو إعادة تمثيل لمشاهد المسلسلات التركية التي كانت تعرض قريباً من ذلك الوقت.
إلى الأعمال التاريخية التي أعادنا بعضها إلى أسوار الأستانة وجعلنا ننتظر مثل "حريم السلطان" كيف سيكون مستقبل أجيال تربّت على الدراما الممولة بمال مؤدلج، وكيف يعود إلى حياتنا ويعيش بيننا من كان يفرض علينا الضرائب ويغزو مدننا قبل عشرات السنين.
إن الأثر الكبير للدراما التركية الذي ظهر في مفرداتنا اليومية وفي أسماء أطفالنا ومطاعمنا وحتى في ما نلبسه وما نأكله لا يخفى على أحد، فكم من قريب أو صديق سمى ابنته لميس أو تولين أو بيسان وكم من جار أو زميل سمى ابنه آياز وإينال.
المسلسل التركي "الأرض الطيبة" عالج الإرهاب بعينين تركيتين ليجعل المشاهد العربي يربط بين الإرهاب والأكراد فصورهم لنا كعصابات تعيث فساداً في الداخل التركي
هي موجة من تأثيرات هذا التسونامي الذي تم إيقافه بقرار سياسي سعودي، لكن ارتداداته لا تزال تحدث بين الحين والآخر، هذا لم يحدث مع الدراما اللاتينية فرغم شهرة كساندرا مثلاً لم يجرِ الاسم على الألسن العربية كما جرت أسماء التركيات العابرة إلينا من نافذة الدراما.
لا ننسى طبعاً العربية الفصحى التي دبلجت الإسبانية في الدراما اللاتينية وكان أهمها من إنتاج أستديوهات المؤسسة اللبنانية للإرسال في بيروت وأستوديوهات الشرق الأدنى في عمان وبأصوات مميزة لممثلين بحجم علي الزين وبيار داغر وقمر الصفدي قبل أن تدبلج معظم المسلسلات التركية في دمشق وبلهجة أهل الشام حتى أنك اليوم لا تستغرب وجود مسلسل كوري بدبلجة خليجية وآخر تركي بدبلجة مغربية.
حتى مقدمات المسلسلات كانت متفاوتة الانتشار والجمال، بعضها جاء بلغة فصحى وموسيقى هادئة بنكهة رومانسية، وهنا تحضر كلمات مثل تتر مسلسل كساندرا بصوت كارول صقر وتوزيع هادي شرارة:

ربيع العمر أغناه هوانا
تهادى شوقا في العينين وأحيانا

نتذكر أيضاً الشهرة الواسعة التي حظيت بها موسيقى المسلسل التركي الشهير "سنوات الضياع" حد اقتباسها من قبل فنانين ركّبوا عليها كلمات بلغاتهم وقدموها للجمهور.
جمال مختلف في الوجوه والأزياء وحتى البيوت حملته هذه الدراما القادمة من بعيد شرقاً وغرباً غير أن تلك التي تذكرنا بسنوات من الاستعمار والعداوة القديمة ستظل مثيرة للأسئلة دائماً، فما وصلنا يوماً على ظهور الخيل وفوهات البنادق قد لا يختلف كثيراً عندما يصلنا في قصص وحكايات يجعلنا أبطالها نتغاضى عن الإرث الأسود ونتبنى معتقداتهم بشكل جزئي أو كلي.
المجتمعات العربية ليست بالقدسية التي تدّعيها فهي مكب عظيم لنفايات أخلاقية ليس لها حد، لكنها تظل مثار استنكار واستهجان والتعود على مشاهدتها ومتابعتها سيجعلها مقبولة بمرور الوقت. لهذا كله يعتبر البعض أن الدراما التركية لا تناسب المتلقي العربي بأي حال من الأحوال دون أن نغفل الرأي القائل برحابة أفق الإبداع وعدم خضوعه لأي قيود من أي نوع.
على كل حال يبقى المزاج السياسي الممسك بخيوط اللعبة وبقرار منه يغلق في وجوهنا شوارع مكسيكو وكاراكاس ويقذفنا على شواطئ إسطنبول، وبقرار آخر يجعل حتى هذه الأخيرة ضرباً من ترف نطارده خارج حدود سطوته.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard