الذكرى الـ61 لمعركة بنزرت... هزيمة عسكرية وانتصار دبلوماسي وجلاء فرنسي

الثلاثاء 19 يوليو 202203:40 م

عندما وقّعت تونس وفرنسا وثيقة الاستقلال في 20 آذار/ مارس 1956، كان من ضمن بنود الوثيقة محافظة فرنسا على خمس قواعد عسكرية لأربع سنوات، منها قاعدة "سيدي أحمد" في محافظة بنزرت الواقعة في أقصى شمال البلاد، التي تُعدّ موقعاً إستراتيجياً بالنسبة إلى فرنسا التي كانت تخوض آنذاك حرباً مستعرةً ضدّ الثوار الجزائريين.

لكن تطبيق بنود الاتفاقية بين البلدين لم يسرِ بشكل جيّد، خاصةً مع دعم التونسيين لثورة التحرير الجزائرية، كما عرفت البلاد مناوشات بين الجيش التونسي والجيش الفرنسي الذي كان يتنقّل بحرية على التراب التونسي من دون العودة إلى الحكومة التونسية، ما عجّل في مواجهات مسلّحة عديدة بين الطرفين بلغت أوجها في معركة بنزرت في صيف 1961.

مناوشات متكررة

بالرغم من استقلال تونس في عام 1956، إلا أنّ السيادة الوطنية لم تكتمل في ظلّ وجود الجيش الفرنسي على أرضها واستخدامه الأراضي التونسية منطلقاً لتضييق الخناق عن الثوار الجزائريين، فحدثت مواجهات عدة بين التونسيين والفرنسيين مثل أحداث 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، في جهات عدة منها بوعرقوب وحمام الأنف وقابس وسوق الأربعاء وسيدي بوعلي.

بلغت المناوشات بين التونسيين والفرنسيين، في 8 شباط/ فبراير 1958، ذروتها عندما قصفت الطائرات الفرنسية سوقاً في قرية ساقية سيدي يوسف في محافظة الكاف المتاخمة للجزائر، عندما لجأ إليه ثوار جزائريون وهو ما أسفر عنه استشهاد نحو 100 مدني غالبيتهم من الجزائريين والتونسيين.

استندت القوات الجوية الفرنسية في قصف السوق آنذاك إلى "حق المطاردة" خارج حدود الجزائر، بينما قدمت تونس شكوى إلى مجلس الأمن حظيت فيها بتأييد واشنطن ودول عدّة أخرى.

في هذا الشأن، قال مدير وحدة البحوث والدراسات التاريخية في المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، عميرة عليّة الصغير، في تصريح لرصيف22، إن اتفاقية استقلال تونس عن فرنسا في 20 آذار/ مارس 1956، تُعطي الأحقية لفرنسا للحفاظ على وجودها العسكري على التراب التونسي مشيراً إلى أنّ الاستقلال تم تحت بند التكافل بالرغم من محاولة الدولة التونسية تكريس السيادة الفعلية على كلّ أراضيها.

وأضاف عليّة الصغير، أن الدولة التونسية قامت بخطوات عدة لتحقيق هذه السيادة من خلال "تونسة" الإدارة وإصلاح التعليم وبعث أمن وجيش تونسيين، لكن الجيش الفرنسي كان موجوداً من شمال البلاد إلى جنوبها، مبيّناً أن فرنسا كانت مُصرّةً على هذا الوجود في ظل حرب التحرير الجزائرية مع الدعم التونسي الرسمي والشعبي للمقاومة الجزائرية.

بورقيبة وقيادة الحزب والجيش التونسي لم يكونوا ينتظرون ردّة فعل الجيش الفرنسي للتدخّل الفظيع والشنيع ضد المدنيين واستعمال السلاح المحرّم لحسم معركة بنزرت، التي أدت إلى جلاء الفرنسيين الكلي من تونس

وأشار الباحث إلى أنّ 20 في المئة من السلاح الذي حصلت عليه حركة التحرير الجزائرية مرّ عبر الجيش التونسي أو الحرس الوطني أو عبر طرق تونسية أخرى.

كما أفاد المؤرخ التونسي بأنّ مناوشات عدة حدثت بين الجيش التونسي والجيش الفرنسي على جبهات عدة، لأنّ الجيش الفرنسي كان يتحرّك بحرية داخل التراب التونسي بينما كان أعضاء منظمة التحرير الجزائرية موجودين على الحدود بين البلدين.

وأضاف عليّه الصغير، أن تونس حاولت استغلال الظرفية الخارجية المتمثلة في حرب التحرير الجزائرية والحرب الباردة لإحكام سيطرتها على كل التراب التونسي خاصةً بعد أحداث ساقية سيدي يوسف في شباط/ فبراير 1958، وأن تضمن جلاء الجيش الفرنسي عن كل الأراضي التونسية وتجميع الجيش الفرنسي في قاعدة سيدي أحمد التي تُعدّ ركيزةً جويةً وبحريةً وجويةً مهمةً للجيش الفرنسي.

فرنسا تتمسك بقاعدة بنزرت

تواصلت المناوشات بين التونسيين والفرنسيين في معركة رمادة في أدنى الجنوب التونسي في أيار/ مايو 1958، والتي أسفرت عن استشهاد 20 تونسياً، بينما خاضت تونس حرباً دبلوماسيةً ضدّ فرنسا في الأمم المتحدة وأجبرتها في 17 حزيران/ يونيو 1958، على إخلاء كل قواعدها العسكرية في تونس باستثناء قاعدتها في بنزرت التي كان يعدّها الرئيس الفرنسي شارل ديغول، إستراتيجيةً في الانتصار على الثوار الجزائريين.

في بداية الستينيات، كان الوضع في تونس يزداد صعوبةً مع بروز مشكلات اجتماعية واقتصادية عدة وفشل بورقيبة وحكومته في تحقيق وعود التنمية الذين قطعوها أمام تراجع شعبية الزعيم الحبيب بورقيبة، في ظلّ الاتهامات والضغوط التي يمثّلها الزعيم صالح بن يوسف الذي يقيم في مصر ويعارض سياسة بورقيبة.

بلغت المناوشات بين التونسيين والفرنسيين، في 8 شباط/ فبراير 1958، ذروتها عندما قصفت الطائرات الفرنسية سوقاً في قرية ساقية سيدي يوسف في محافظة الكاف المتاخمة للجزائر، عندما لجأ إليه ثوار جزائريون وهو ما أسفر عنه استشهاد نحو 100 مدني

في هذا السياق، قال المؤرّخ عميرة عليّة الصغير، إن تراجع شعبية بورقيبة في تلك الفترة في ظل الحرب الإعلامية التي يقوم بها صالح بن يوسف وأتباعه من القاهرة عبر إذاعة "صوت العرب"، بنشر مغالطات بأنّ الدولة التونسية خائنة للقضية الجزائرية، وأنها تحصلت على الاستقلال من دون اعتبار للقضية الجزائرية، شجّع الرئيس بورقيبة على خوض الحرب لاستعادة شعبيته.

وأضاف أن الوضعية الاقتصادية في البلاد كانت صعبةً جداً في ظل ارتفاع معدلات البطالة وغلاء المعيشة والتراجع الكبير للدولة، والتي كانت من أسباب محاولة الانقلاب عليه في عام 1962، مبيّناً أن بورقيبة حاول تحريك قضية بنزرت لتحسين صورته وشعبيته ظناً منه أن الأمور لن تتطوّر إلى حرب فعلية وإنّما ستحصل مناوشات ويسقط بعض الشهداء ثم تُقدّم تونس شكوى لمجلس الأمن الدولي.

توتّر تونسي فرنسي

في عام 1960، انتهت مهلة استغلال فرنسا لقاعدة بنزرت، لكن الرئيس الفرنسي شارل ديغول، رفض التحاور حول جلاء جيشه عن قاعدة "سيدي أحمد" مع بروز تيارات في فرنسا تدعو للتراجع عن استقلال تونس.

كما "حاولت تونس حل الإشكال عبر الطرق الدبلوماسية حتى أن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة التقى شارل ديغول في 27 شباط/ فبراير 1961، وطالب خلال اللقاء بالجلاء الكامل. لكن موقف فرنسا كان متردداً وكان رد فرنسا بضرورة تأجيل حل هذا الأمر"، حسب ما قال المؤرّخ عميرة عليّة الصغير لرصيف22.

وأضاف أن ما أحرج الموقف التونسي هو إعلان الولايات المتحدة أنها ستخلي قواعدها في المغرب، والتي كانت موجودةً فيه منذ الحرب العالمية الثانية، في نهاية عام 1963.

من جهته، رأى رئيس الحزب القومي التونسي سفيان بن الصغير، في تصريح لرصيف22، أنّ تونس كانت مجبرةً على خوض معركة بنزرت، لأن الرئيس الفرنسي شارل ديغول، كان يملك عقليةً استعماريةً، فلم يكن ليذعن لطلب تونس بالانسحاب من بنزرت من دون خوض المعركة.
وأفاد بن الصغير، بأنّ المعركة كانت ضروريةً حتى إن كانت تونس غير مستعدّة لذلك، مشيراً إلى أن قراءة القيادة السياسية والعسكرية في تونس كانت خطأً لأن الرئيس بورقيبة تعوّد على المناورة مع السياسيين الفرنسيين السابقين لكن ديغول كان مختلفاً تماماً.
وبيّن رئيس الحزب القومي التونسي، أن الجنرال ديغول عسكري حازم وصلب وحكومته قوية وثابتة وله فكر استعماري لذلك فإنّ القيادة السياسية والعسكرية في تونس لم تعطِ لهذه الجوانب القيمة الكافية.

حرب غير متكافئة

بلغ التوتّر أوجه بين تونس وفرنسا عندما بدأ الجيش الفرنسي في توسيع قاعدة بنزرت في بداية صيف 1961، فتدخّل الحرس التونسي لمنع عملية التوسيع وأرسل الرئيس الحبيب بورقيبة مبعوثين إلى الرئيس الفرنسي برسالة صريحة بهذا الشأن، لكن ديغول طردهما غير مبالٍ بالمطالب التونسية، فردّ بورقيبة على الفور بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا وأمهلها حتى منتصف ليل 19 تموز/ يوليو 1961 للانسحاب من بنزرت.

قررت تونس خوض معركة الجلاء ضدّ فرنسا وبدأ الحزب الحرّ الدستوري بالتعبئة ضد الفرنسيين.

وفي هذا الخصوص، قال المؤرّخ عميرة علية الصغير، إنّ آلاف المتطوعين هبّوا من مختلف جهات البلاد لنداء الواجب وكانوا حفاةً عراةً ليست لديهم أي خبرة قتالية ثمّ توجهوا نحو القاعدة العسكرية وبدأوا بحفر الخنادق ووضعوا الحواجز لمنع تنقّل الجيش الفرنسي.

وأشار عميرة إلى أنّ معركة بنزرت بدأت فعلياً في 19 تموز/ يوليو 1961، عندما أعطى ديغول أوامره بالضرب بسرعة

وبقوّة في كلمته الشهيرة: Frapper vite et fort (الضرب بقوة وبسرعة)، فتدخّل الجيش الفرنسي بكل قوته.

حاول بورقيبة تحريك قضية بنزرت لتحسين صورته وشعبيته ظناً منه أن الأمور لن تتطوّر إلى حرب فعلية وإنّما ستحصل مناوشات ويسقط بعض الشهداء ثم تُقدّم تونس شكوى لمجلس الأمن الدولي

تابع علية الصغير، أن المعركة استمرت حتى يوم 23 تموز/ يوليو 1961، وانتهت بعد تدخّل مجلس الأمن الدولي إثر شكوى قدّمتها تونس.
كما أبرز علية الصغير، أنّ القدرات العسكرية كانت متباينةً لذلك فإنّ الخسائر كانت وخيمةً في الجانب التونسي الذي ضمّ في صفوفه الجيش التونسي والحرس الوطني وآلاف الشباب المتطوعين.

وقال عميرة، إن الجيش التونسي خاض المعركة تحت قيادة الملازم نور الدين بوجلابية والضابط القائد محمد البجاوي مشيراً إلى الأرقام الرسمية التي تحدثت عن سقوط 670 شهيداً و1،555 جريحاً، بينما سقط 29 فرنسياً و100 جريح.

وأفاد المؤرخ التونسي بأن هنالك مصادر تحدّثت عن آلاف الضحايا مرجّحاً أن يكون عدد الشهداء في معركة بنزرت يتجاوز الألف بقليل تم دفنهم في قبور جماعية في مقبرة الشهداء خوفاً من تعفّن الجثث في ظل طقس حار جدّاً.

حرب تونس أم معركة بورقيبة؟

كانت نتائج المعركة وخيمةً على تونس فقد شهدت مدينة بنزرت قصفاً قوياً استمرّ لخمسة أيّام وأسفر عن مئات القتلى الذين ظلّت أشلاؤهم ملقاةً في الشوارع والأحياء لأيّام عدة ودُفن أغلبهم في قبور جماعية.

حَمَّلَ معارضو بورقيبة المسؤولية الكاملة للحكومة في دخول حرب خاسرة غير متكافئة، وقالت سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، إن "بورقيبة يتحمل المسؤولية الأخلاقية لتعريضه حياة الناس للخطر بشكل غير مسؤول والتضحية بالأرواح من أجل مصلحة سياسية".

وحددت هيئة الحقيقة والكرامة عدد ضحايا معركة بنزرت بنحو خمسة آلاف ضحية، مطالبةً فرنسا بتعويض أهالي الضحايا.

من جانبه، استبعد رئيس الحزب القومي سفيان بن الصغير، أن "تكون معركة بنزرت حرب بورقيبة، بل معركة البلاد بأسرها وكان يجب خوضها من أجل إخراج المحتلّ من الأراضي التونسية"، عادّاً الذين يسوّقون أنّها حرب بورقيبة، مجرّد خونة وعملاء لقوى أجنبية معادية لتونس ولهم عقائد فكرية رافضة للأمة التونسية، حسب تعبيره.

الانتصار الدبلوماسي وتحقيق الجلاء

عدّ المؤرّخ عميرة علية الصغير، في حديثه إلى رصيف22، أنّ بورقيبة وقيادة الحزب والجيش التونسي لم يكونوا ينتظرون ردّة فعل الجيش الفرنسي للتدخّل الفظيع والشنيع ضد المدنيين واستعمال السلاح المحرّم لحسم المعركة، مبيّناً أنّ الجانب التونسي لم يكن يتوقّع أن ينتصر في المعركة لكنّه لم ينتظر أيضاً أن تكون ردّة الفعل الفرنسية عنيفةً بذلك الشكل.

وأفاد بأنّ المعركة لم تكن هزيمةً لتونس، بل ساهمت في إجلاء آخر جندي فرنسي عن قاعدة بنزرت في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1963، عندما انسحبت فرنسا بالكامل من التراب التونسي، وفرضت الدولة التونسية سيادتها على كامل ترابها.

في السياق ذاته، رأى سُفيان بن الصغيّر، أن الانتصار الدبلوماسي التونسي بعد معركة بنزرت لم يحسم الأمر، إنّما قناعة فرنسا بأن المقاومة التونسية مستمرّة من أجل استرجاع بنزرت، وهو ما يُكلّف فرنسا مالياً وعسكرياً، ما رجّح الجلاء العسكري لاحقاً.

غادر آخر جندي فرنسي تونس في 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر، وتحقق الجلاء العسكري الذي انتظره التونسيون بينما برر ديغول الانسحاب من بنزرت بامتلاك بلاده القنبلة النووية حسب ما جاء في كتاب "كان هذا ديغول"، للوزير والكاتب الفرنسي آلان بيرفيت: "سنغادر بنزرت لأنّها لن تكون مفيدةً لنا بمجرد أن تكون لدينا قوة نووية. حين يتحقق هذا، سنقوم بالإجلاء (…) بدأنا في الحصول على أجهزة نووية، سنكون قادرين على نسف بنزرت وموسكو في الوقت نفسه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard