تعاطي "حشيش" الفكاهة

الخميس 21 يوليو 202211:15 ص

عندما يتحول الضحك إلى مجرد "عادة" وسلوك اجتماعي عام أصيب به الجميع عن طريق العدوى. وأسلوب حياة نتبعه لنخفي جاهدين هذا الصندوق الأسود من الأحزان والمآسي التي مرت، وتمر علينا. ولم نعد نمتلك دموعاً لنبكيها، أو مفردات في قاموس اللغة لتعبر عنها، فنضحك من فرط العار.

عندما تصبح عبارات مثل "كيفك، أخبارك، شلونك؟" كفيلة برد فعل واحد وهو الضحك!

عندما تصير الابتسامة جهداً تبالغ في إظهاره حتى أمام مرآتك كل صباح، وتقول في نفسك: "إنه يوم جديد نعيشه في هذا الجحيم الأرضي". عندما تصبح واجباً يضاف إلى قائمة لا تنتهي من الواجبات التي تمارسها على مضض، دون أن تتلعثم بأي شكوى، وأنت تتبادل أطراف الحديث مع أحدهم لئلا يرد عليك بالإجابة الجاهزة سلفاً، "لا تشكيلي ببكيلك".

عندما تصبح عبارات مثل "كيفك، أخبارك، شلونك؟" كفيلة برد فعل واحد وهو الضحك! فهل هناك أحد بخير هنا؟ أو كما يقول زياد الرحباني: "كلما تسألني كيفك؟ بتذكر إني مش منيح". وعندما تصبح التحيات المتبادلة مع الآخرين التي ترتبط بفكرة الخير وحضوره، أو تمنيه حتى، عبارات برجوازية يتبادلها أناس طبيعيون في بلاد طبيعية وليس في سوريا، حيث تجلب على قائلها الإحساس بغرابة الأطوار، والاستهزاء، والتنمر أيضاً.

فلا وجود هنا سوى لبقايا بشر جعلوا من التشاؤم المشوب بالابتسام ذخيرة يقاومون بها عقم الحياة وانسداد الآفاق أمامهم، ومن السخرية المتقنة بين أهل الشام منهاج حياة للاستمرار والبقاء قدر المستطاع على قيد الوجود.

لا وجود هنا سوى لبقايا بشر جعلوا من التشاؤم المشوب بالابتسام ذخيرة يقاومون بها عقم الحياة وانسداد الآفاق أمامهم، ومن السخرية المتقنة بين أهل الشام منهاج حياة للاستمرار والبقاء قدر المستطاع على قيد الوجود

في الآونة الأخيرة، انتشر على فيسبوك مقطع فيديو تظهر فيه سيدة في قلب شارع الحضارة في مدينة حمص السورية، وهي تطلب من صديقتها ميساء العودة السريعة إلى أرض الوطن أو حضنه لا فرق، وأن المدينة استعادت عافيتها كسائر البلد، مستعرضة من خلال المقطع القصير أجواء البهجة المحيطة بها. الطريف في الأمر، أن أحد الشبان ممن كانوا قريبين من تلك السيدة، صرخ ساخراً: "ميساء لا ترجعي... مافي كهربا". لترتفع أصوات الضحكات الهيستيرية في المقطع الهزلي.

على شاكلة هذا الفيديو الذي يبدو مضحكاً لدرجة البؤس، تناول السوريون على مدار سنوات الحرب واقعهم المأساوي، تنكيتاً وتهكماً. وبمثل هذه الطرق الفكاهية الساخرة، تعوّدوا اللجوء إلى الهزل، لمقاومة واقع الفجيعة اليومي، وتعاطي حشيش الفكاهة. وذلك لمواجهة إرهاق الحياة المستمر على كل صعيد معيشي، وتحويله لمجرد "نكتة" ودعابة تستخدم أسلوب المحاكاة التهكمية، لتخفيف عبء الألم دون تجاوز عتبته، ولمعايشة الموت المجازي والواقعي بكل أشكاله، دون المبالغة في تحليله وانتقاد أسبابه.

في الفيديو تطلب من صديقتها "ميساء" العودة السريعة إلى أرض الوطن،مستعرضة من خلال المقطع القصير أجواء البهجة المحيطة بها. الطريف في الأمر، أن أحد الشبان ممن كانوا قريبين من تلك السيدة، صرخ ساخراً: "ميساء لا ترجعي... مافي كهربا"

ولكنها بالمقابل، تجعلهم محصنين تماماً ضد أي وعي. ليكونوا أصحاب النكتة وأبطالها والضاحكين عليها في وقت واحد. ولتصبح عبارات كـ "إننا في الربع الساعة الأخيرة"، ونظرية "المربعات" غير المفهومة في حسابات السياسات الدولية نكات سمجة، ودعابات تسبب التقيؤ وارتفاع الضغط والجلطات بكل أنواعها. فيهربون إلى سواها من الفكاهة حول استعصاء شؤون حيواتهم البسيطة. مما يجعل ثقل العيش الذي يحملونه كصخرة أقل وزناً، وشبح البلاء المقيم أخف ظلاً.

ولأن "ما لجرح بميت إيلام"، ومع كل نكبة معيشية تصيبنا بالدغدغة الشبيهة بالعقاب والمثيرة للضحك، وأشبه بمرضى الزهايمر الذين أصابهم داء النسيان وأصبحت ردود أفعالهم متعاكسة، فلا ينبثق عن مثل هذا "التفكه المتذاكي" غير سلسلة من القهقهات المذعورة، والذي نمارسه - أفراداً وجماعات- والتي قد تطفر من عين ضاحكها دمعة حبيسة بحجم وطن منتهك. إنه كما يصف المتنبي في أحد قصائده "ضحك كالبكاء".

ضحك نلبسه كقناع، ضحك على ذقوننا، يدل على اليأس أكثر مما يدل على البهجة.

ضحك نلبسه كقناع، ضحك على ذقوننا، يدل على اليأس أكثر مما يدل على البهجة. يذكر الجميع من جمهور الضاحكين -المضحوك عليهم بعمق التراجيديا التي يعيشونها والهوة البهيمية التي يقبعون فيها، والتي يغلفونها قسراً ورعباً، بقشرة هشة من الابتسامات المبتذلة على شفاههم المتيبسة الجافة. حياة لا تشبه شكل الحياة.

ضحك يكسوه الأسى ولا يبعث على السعادة. فهو وليد الخوف والعوز لا وليد الانشراح والراحة. يرسم بشكل سيء على وجه متعب مجعد أنهكته عشر سنوات ونيف من الفظاعة المستمرة. يبدو لصيقاً بالعجز والمهانة، وهو يتعاطى كغيره من أبناء الطبقة المسحوقة جرعة الذل اليومية، عندما يقف ساعات طوال في طوابير الحاجات الأساسية لينال حصته من الخبز أو أي سلعة أخرى.

أو يقوم بفعل "التدفيش والتطحيش" والمدافعة ليركب في وسيلة نقل عامة ليصل إلى عمله أو ليعود إلى منزله. وهو يقفز فرحاً عندما تلمع لمبة البيت بنور غريب ليذكره باختراع اسمه الكهرباء. هذا الحدث الذي قد يكلفه إطلاق بعض العيارات النارية ابتهاجاً وسروراً، أو ينتظر ساعات أمام الصراف الآلي ليقبض راتبه الذي لا يكفيه مؤونة ثلاثة أيام من الشبع، ليكتشف أن الصراف يشير إليه مستهزئاً بأصبعه الأوسط: "مافي مصاري". أو يجر قنينة الغاز الفارغة، ويحمل "بيدون" المازوت بحثاً عمن يملؤهما بسعر السوق السوداء بإكسير الصمود ضد الإمبريالية العالمية، ريثما تصل البشارة في رسالة على هاتفه المحمول.

ضحك يكسوه الأسى ولا يبعث على السعادة. فهو وليد الخوف والعوز لا وليد الانشراح والراحة. يرسم بشكل سيء على وجه متعب مجعد أنهكته عشر سنوات ونيف من الفظاعة المستمرة

ضحك يطيل عمر الكارثة ويقصر أعمارنا، نعمد إليه بدلاً عن الشتيمة أو التجديف، تعبيراً عن مناعة مكتسبة، وكدواء رخيص-حسب وصف الأطباء- يقي صاحبه شبهة الاستياء أو الاعتراض. ضحكة تتناقض مع كل ما ابتدعه فلاسفة الضحك، وتفسد نظرياتهم المحكمة. نستخدمه كسلاح بوجه الحياة العبوسة. ينم عن مقاومة مريعة لجحودها القاسي. نشد من خلالها عضد أعصابنا التالفة، وأجسادها المتهالكة. ونحن نطارد رغيف الكفاف المتسارع. كعدائيين هزيلين بائسين ولا نصل إلى خط النهاية إلا وقد ارتسمت على ابتسامة الموت، واختفت تماماً صدى ضحكات مزاحنا المر، وتهريجنا الكاذب. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard