بدوي الجبل وأم كلثوم: "يا فرحة ما تمّت"

الأربعاء 20 يوليو 202211:14 ص

بعضنا لم يكن ليسمع بعمر الخيام، لو لم تصدح أم كلثوم بكلماته التي ترجمها أحمد رامي ولحنها رياض السنباطي:

"أفِق خفيف الظل هذا السحر

نادى دّعِ النوم وناغِ الوتر".

فكوكب الشرق، اللقب الذي نالته أم كلثوم، لم يأتِ من فراغ، فهي أصابت من الشهرة والصيت والسطوة ما جعلها تعلي نجم أي شاعرٍ بمجرد أن تمنحه شرف الغناء من كلماته. كذلك ملحنو عصرها، إذ لم يكن الملحن يرى نفسه قد وصل إلى الكمال والمجد إلا إذا غنّت "الست" من ألحانه، والملحن الذي ستغضب عليه سوف تغيب عنه أنوار الشهرة، ولن يبقى له سوى كرسي فارغ في فرقتها الموسيقية احتراماً "للعشرة".

وأحمد رامي مثال عن الشعراء الذين شهرتهم أم كلثوم. صحيح أنه شاعر باللهجة المصرية المحكية، لكنه في بداياته كتب الشعر باللغة الفصحى، وغنّت له أم كلثوم في بداياتها "الصب تفضحه عيونه". بعدها، ومع صعود نجم أم كلثوم، أصبح رامي الشاعر العاشق الذي لا يكلّ ولا يملّ من إهداء أجمل قصائده إلى معشوقته الأبدية التي لم ينَل منها الوصل، لكنه حاز على المجد والشهرة والاسم المعروف الذي يحفظه الناس جميعاً حتى هذا الوقت.


وكذلك أمير الشعراء أحمد شوقي، فهو كتب قصيدةً مخصصةً للآنسة أم كلثوم، وذلك إثر لقاءٍ تمّ بينهما في حفلة معيّنة، فقد قام وقتها بإهدائها كأساً من الخمر، فلم ترفض مجاملةً له، إنما لم تشرب، فقد رفعت الكأس إلى شفتيها كأنها تشرب ولم تفعل، فأُعجب أمير الشعراء بهذه اللباقة، وكتب لها "سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها... واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها"، وغنّتها لاحقاً بألحان السنباطي المحظوظ جدّاً.

غنت أم كلثوم لأبي فراس الحمداني، ومعظمنا عندما نُسأل عن البيت الذي يقول "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر"، نقول فوراً: "إيه... هي أغنية لأم كلتوم".

غنت أم كلثوم لأبي فراس الحمداني، ومعظمنا عندما نُسأل عن البيت الذي يقول "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر"، نقول فوراً: "إيه... هي أغنية لأم كلتوم".

إذاً، استطاعت أم كلثوم بعظمتها وصيتها أن تصبح منصة الشهرة الخاصة بإطلاق الشعراء والملحنين في منتصف القرن العشرين، فلولاها لم نسمع بجورج جرداق، ولا بإبراهيم ناجي.

أما نزار قباني، وبالرغم من شهرته الواسعة، فلم تكن له الحظوة في أن تغنّي له أم كلثوم سوى قصيدة وطنية "أصبح عندي الآن بندقية"، بالرغم من أنه شاعر الغزل والنساء الأول في ذاك الوقت، وبالرغم من أن جميع المطربات والمطربين آنذاك كانوا ينتظرون كثيراً حتى يغنّوا إحدى قصائده.

بدوي الجبل يقول "لا" لكوكب الشرق

بدوي الجبل، شاعرٌ شديد الاعتداد بشعره، فهو القائل :"إني أكرم شعري في متارفه... كما تكرم عند المؤمن السّور".

وبلغ من شدة حبه لشعره، أن رفض وسام استحقاق من دولة العراق، لأنه لم يكن من الدرجة الأولى، وأرسل برقية تقريع للرئاسة العراقية، فاعتذرت الأخيرة عن خطئها وأرسلت له وسام الاستحقاق مع الامتياز.

كانت لأم كلثوم عادة معروفة عنها، فهي قلما غنّت قصيدةً من دون أن تضع لمستها عليها، فكانت أحياناً تغيّر المطلع وأحياناً تغيّر الكلمات بأخرى تناسب هواها، وأحياناً كانت تغيّر ترتيب الأبيات والأشطر، ووصل بها الأمر إلى دمج قصيدتين في أغنية واحدة كما حدث في "الأطلال"

في المقلب الآخر، كانت لأم كلثوم عادة معروفة عنها، فهي قلما غنّت قصيدةً من دون أن تضع لمستها عليها، فكانت أحياناً تغيّر المطلع وأحياناً تغيّر الكلمات بأخرى تناسب هواها، وأحياناً كانت تغيّر ترتيب الأبيات والأشطر، ووصل بها الأمر إلى دمج قصيدتين في أغنية واحدة كما حدث في "الأطلال".

وحدث أن قرأت قصيدة بدوي الجبل التي كان عنوانها "شقراء"، وقد ارتشفت أم كلثوم بذوقها الأدبي العالي معاني القصيدة المتفردة المتجددة، وأحست إن هي غنّت هذه القصيدة فسوف تكون تحفة العصر، لأن بدوي الجبل سكب كل إبداعه الشعري والغزلي فيها، وقال على لسان الشقراء ما لم تقله أنثى في التاريخ عن نفسها:

تأنّق الله دهراً يعيد فيّا ويبدي

حتى جلاني شعراً يا حسرة الشعر بعدي

فغارت الحور منّي وكلّ زهو ومجد

وهبّ في روض عدن عليّ عاصف حقد

فكان لله حكم لشقوتي بل لسعدي

واختار بُعدي عنه وراح يبكي لبُعدي.

وطلبت أم كلثوم من محمد سليمان الأحمد، وهو الاسم الرسمي لبدوي الجبل، القصيدة كي تغنّيها، وقد ردّ الشاعر بالموافقة طبعاً، فهو أيضاً كان يدرك مدى الشهرة والعظمة اللتين سينالهما فوق مكانته إن غنّت له "الستّ"، وسارت الأمور على ما يرام حتى قررت أم كلثوم الوفاء لعادتها، فطلبت منه تغيير كلمة واحدة فقط في القصيدة كلها.

طلبت أم كلثوم من بدوي الجبل، القصيدة كي تغنّيها، وقد ردّ الشاعر بالموافقة طبعاً، فهو أيضاً كان يدرك مدى الشهرة والعظمة اللتين سينالهما فوق مكانته إن غنّت له "الستّ"، وسارت الأمور على ما يرام حتى قررت أم كلثوم الوفاء لعادتها، فطلبت منه تغيير كلمة واحدة فقط في القصيدة كلها

وكانت هذه الكلمة هي "شقراء"، وطلبت استبدالها بكلمة سمراء، لأنها تناسب الذوق العربي والشرقي أكثر، فكان جواب بدوي الجبل: لا!

قال الشاعر للمقربين إليه، القصيدة كتبتها في فتاة سويسرية شقراء ولن أغيّرها ابداً، فكلمة سمراء سوف تقضي على روح القصيدة. والمطلعون على خوافي الأمور يزعمون بأنه كتبها في شاعرة سورية شقراء كان بدوي الجبل يهواها لذلك رفض هذا الرفض القاطع.

حالة الدهشة والصدمة كانت من المقربين إلى البدوي، ومن أم كلثوم على حد سواء، إذ كيف لهذا الشاعر أن يرفض مجد أم كلثوم كرمى لعيني كلمة ٍ واحدة؟

ويُقال إن أم كلثوم حاولت إقناعه مجدداً، فرفض أيضاً، فخرجت من صالونه الأدبي في دمشق غاضبةً، وأقسمت ألا تغنّي من أشعاره أبداً.

وكي يزداد الأمر طرافةً، فقد نسج بدوي الجبل هذه القصيدة على طريقة الحوار بين الشاعر والشقراء، وكأن القصيدة عبارة عن تحدٍّ بينهما، فهي قدّمت جمالها وفتنتها وهو قدّم شعره وكلماته، إذ قالت له:

كلّ المحبّين ملكي وأنت وحدك ندّي

وكبرياء جمالي تريد منك التحدّي

وقد كانت نهاية القصيدة هي هذان البيتان:

الحبّ لا حكم شورى لكنّه حكم فرد

فهيّئي فتنة الحسن كلّها واستعدّي

وكأن البدوي كان يقرأ المستقبل، ويعرف ما الذي سوف يدور بينه وبين أم كلثوم.

من غنّى قصائد لبدوي الجبل؟

بالرغم من عذوبة وسلاسة ديباجة بدوي الجبل الشعرية، إلا أنه لم يصِب حظّاً كبيراً من المطربين والمطربات، وهذا في رأيي تقصيرٌ منهم لا منه، فقصائده تحمل من الغزل والعذوبة ما يذري بالكثير من القصائد المغناة لشعراء غيره.

لكن ومع أن كوكب الشرق لم تغنّي له، فقد غنّت له كوكب الشرق والغرب وجميع الجهات السيدة فيروز. غنت له أبياتاً من قصيدة "خالقة"، من ألحان عاصي الرحباني، وكان من المعروف عن الأخوين رحباني شدة تعلقهم بالشعر الجميل وبراعة عاصي في تلحينه، فخرجت أغنية خالدة وبديعة لكنها للأسف لم تنَل حقها من الشهرة.

بالرغم من عذوبة وسلاسة ديباجة بدوي الجبل الشعرية، إلا أنه لم يصِب حظّاً كبيراً من المطربين والمطربات، وهذا في رأيي تقصيرٌ منهم لا منه، فقصائده تحمل من الغزل والعذوبة ما يذري بالكثير من القصائد المغناة لشعراء غيره

وكذلك غنّت له المطربة فاتن حناوي من ألحان رياض البندك "يا من سقانا كؤوس الهجر مترعة".

وغنّت له أيضاً سعاد محمد قصيدة "جلونا الفاتحين". وغنّى له سيد مكاوي مقطعاً من قصيدة حنين الغريب والتي تبدأ بـ"سقى الله عند اللاذقية شاطئاً".

قيل قديماً عن لقاء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب بعد وساطة عبد الناصر، إنه "لقاء السحاب".

وأنا أسمّي اللقاء الذي لم يتمّ بين بدوي الجبل والست: "يا فرحة ما تمّت".


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard