غرائب عيد الأضحى في الجزائر... جلد الخروف لعلاج البتور واللسان للتخلص من التأتأة

الخميس 7 يوليو 202204:00 م

"لا زلت أتذكر ذلك الخوف الذي هزّ قاع قلبي حينما نادتني جدتي الصارمة ووالدتي، وبدأتا بمسح وجهي بالهيدورة (جلد الأضحية) مباشرة بعد الانتهاء من سلخها، بعيداً عن أنظار جدي ووالدي وأشقائي الأربعة"، هكذا استرجعت أحلام حنين ذكريات لا زالت محفورة داخل أعماقها عن عادات وتقاليد عائلتها في الاحتفال بعيد الأضحى المبارك.

علاج للبثور

في حديثها مع رصيف22، قالت أحلام (35 عاماً): "عندما كنت في الرابعة عشر من عمري كان حب الشباب (البثور) الكيسي يغطي كامل وجهي، وحتى أنحاء متفرقة من جسدي، كان يشكل مصدر إحراج وإزعاج لي، خاصة وأن الأدوية التي استخدمتها في العلاج لم تثبت فعاليتها".

وأضافت أحلام التي تعمل كموظفة: "لم تجد يومها والدتي من وسيلة أمامها سوى جلد الأضحية، ففي ذلك اليوم، ومباشرة بعدما انتهى والدي من عملية السلخ، نادتني والدتي بصوت خافت حتى لا تثير انتباه من كانوا يتوسطون حوش الدار (فناء) إلى غرفة جدتي التي كانت تجلس في غرفتها تنظر لكلتينا بحزم".

وتابعت بالقول: "حملت والدتي الهيدورة التي لازالت تحتفظ بحرارة الذبيحة، وأعطتها لجدتي التي طلبت مني الاقتراب منها والجلوس أمام ساقيها، فقامت بمسح وجهي الأبيض المحبب بباطنها سبع مرات متعاقبة، دون انقطاع وفي صمت تام".

وأشارت إلى أن السر يكمن في أن جلد الخروف يكون في ذلك الوقت ساخناً ويساعد على تنظيف بشرة الوجه، والتخلص نهائياً من مشكلة حب الشباب (البثور). سألت أمي عما فعلته جدتي بوجهي، فقالت إنها من بين العادات والتقاليد المتوارثة من جيل إلى جيل، فالأسطورة المتداولة تقول إنه إذا كنت تملكين سبع "هيادر" (جلود) يتم مسح الوجه بكل واحدة على حدة، وإذا توفرت واحدة فقط فيتم تكرار عملية المسح سبع مرات كاملة متتابعة، حتى يصبح الوجه أملس وأبيض وناعماً كباطن الهيدورة".

"حملت والدتي الهيدورة التي لازالت تحتفظ بحرارة الذبيحة، وأعطتها لجدتي التي طلبت مني الاقتراب منها والجلوس أمام ساقيها، فقامت بمسح وجهي الأبيض المحبب بباطنها سبع مرات متعاقبة، دون انقطاع وفي صمت تام"

سألنا أحلام عن مصير جلد الأضحية بعد قياهم بهذه العملية، فقالت: "قامت والدتي بتمليح جلد الخروف وتعريضها لأشعة الشمس الحارقة لفترة طويلة، ثم نظفتها واحتفظت بها للاستعمال اليومي، فتارة تفرشها في أرضية الصالون، وتارة أخرى تعلقها على الجدران كديكور خاص، وهناك من النسوة من تجمع هاته الجلود، حتى تجزّ صوفها وتستعمله في نسج العباءات الشتوية التقليدية، وهذه العادة منتشرة بكثرة في المحافظات الداخلية، كالبيض والأغواط وغرداية والجلفة".

اللسان لعلاج التأتأة

تنقلنا إيمان (36 عاماً) أم لأربعة أطفال، إلى عادة أخرى كانت تصنفها الجدات في الزمن القديم في خانة العادات الطبية، وتتمثل في تخصيص لسان الأضحية للأطفال الصغار الذين يعانون من تأتأة الأطفال، أو الذين يواجهون صعوبات في نطق الحروف، أو حتى تأخر النطق: "طلبت مني والدتي يوم العيد جمع سبعة ألسنة من سبع أضاحٍ مختلفة، لشقيقتي الصغيرة التي تعاني من التريزوميا أو متلازمة داون، حتى تقوم بطهيها لها وتأكل منها جميعها على مراحل متقطعة حتى تستعيد نطقها بشكل طبيعي".

"قامت والدتي بتمليح جلد الخروف وتعريضها لأشعة الشمس الحارقة لفترة طويلة، ثم نظفتها واحتفظت بها للاستعمال اليومي، فتارة تفرشها في أرضية الصالون، وتارة أخرى تعلقها على الجدران كديكور خاص"

وأضافت: "هي عادة قديمة جداً متوارثة عبر أجيال متلاحقة، ففي القديم نادراً ما كان أجدادنا يقصدون المشافي للعلاج، حتى أن الطب لم يكن متطوراً كثيراً، ولذلك كان هذا التقليد شائعاً بشكل كبير، وقد أثبت نجاعته عند كل من جربه".

أوضحت إيمان أنه "بعد الانتهاء من تحضير طبق البوزلوف (رأس الخروف) وهو عبارة عن أكلة جزائرية قديمة تختلف تسميتها بين منطقة وأخرى، قصدت زوجات أشقاء زوجي بحكم عددهنّ لطلب 7 ألسنة، هناك من تجاوبت مع الطلب وهناك من رفضت بحكم عدم تقبلها الفكرة، فطريقة التجاوب بين أفراد المجتمع الجزائري تختلف بين الفرد والآخر".

وأردفت بالقول: "شقيق زوجي مثلاً أبلغني أن قطاعاً عريضاً من العادات والتقاليد تخالف مقاصد الشريعة العامة، وقد تؤدي إلى مخالفة، ولذلك رفض الفكرة".

بدورها، شاركت روزة حكايات من زمن جميل انقضى ولا زالت راسخة في ذهنها رغم الأيام والسنين وحتى القرون التي مرت على طفولتها: "كل قطعة من الأضحية كان لها شأن عظيم عند أمي رحمها الله، ومن أبرز القطع التي كانت تحتفظ بها والدتي، فكّ الكبش السفلي، حيث كانت تستعمله لعلاج الأطفال الصغار الذين يصابون بالتهاب اللوزتين، وهي العادة التي حافظنا عليها في عائلتنا منذ سنوات طوال".

روت روزة، صاحبة الوجه الطلق والسماحة والسعادة، طريقة استعمال هذه الفك في العلاج قائلة: "بعد الانتهاء من سلخ الفك كلياً من اللحم الذي يغطيه والشحم، تقوم والدتي بوضعه فوق سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة من أجل تجفيفه، تفادياً للتعفن وانبعاث الروائح الكريهة".

عن طريقة العلاج بهذه القطعة، قالت روزة: "كانت أمي تقوم بوضع الفك فوق النار حتى تدفئه، ثم تقوم بعد ذلك بكيّ الطفل المريض على مستوى الرقبة، وبالتحديد في مكان تواجد اللوزتين"، وحسبما روته والدتي فقد أثبتت هذه الطرق نجاعتها وفائدتها.

عادات وضعية

تعليقاً عن العادات والتقاليد المتبعة، قال أحمد زغب، أستاذ الثقافة الشعبية في جامعة الشهيد "حمة لخضر" في محافظة الوادي، له العديد من الأعمال الأدبية، لرصيف 22: "هذه العادات تندرج في خانة العادات الاجتماعية الحية الوضعية، أي التي تخضع للتجربة، لأن العادات أنواع أما التقاليد فشي آخر، فالتقليد هو عادة ميتة".

وأضاف: "يمكن معالجة هذا الموضوع من عدة جوانب، يرتبط الجانب الأول بتراكم الخبرة الشعبية، فالجلد النظيف إذا وضع مباشرة على الوجه يمتص البثور شريطة أن يكون معقماً، أي لم يتعرض للهواء بحيث تصيبه البكتيريا، وهناك الجانب الديني وهو أن الأضحية تذهب مباشرة إلى الجنة لتلقى الذي قدمها، لذلك فهي تأخذ معها الذنوب المادية والمعنوية، فيعالج الجلد بالجلد والأرجل بالأرجل والرأس بالرأس، فهو معتقد شعبي أقرب إلى السحر لكنه مستند إلى الدين، فالأضحية ذبيحة الله فهي مقدسة".

"طلبت مني والدتي يوم العيد جمع سبعة ألسنة من سبع أضاحٍ مختلفة، لشقيقتي الصغيرة التي تعاني من التريزوميا أو متلازمة داون، حتى تقوم بطهيها لها وتأكل منها جميعها على مراحل متقطعة حتى تستعيد نطقها بشكل طبيعي"

وأوضح أن الجانب الأخير الذي يمكن من خلال معالجة هذا الموضوع فهو السحري المحض، وهناك نوعان: السحر الاتصالي والسحر التشابهي، فالأول قطعة الجلد تتصل بالمريض حتى يشفى لأنها ظاهرة تؤثر عن طريق الاتصال، أما الثاني، وعندما نضع الملح الخشن على الجلد يذوب، فتذوب البثور التي على البشري فيما يعتقد أن الشبيه يؤثر في شبيهه".

وفي الختام، أكد أستاذ الثقافة الشعبية أحمد زغب أن هذه العادات تتفاوت وتختلف من مجتمع إلى آخر، وتكثر في البوادي والأرياف وتقل في القرى والمدن، لأنها ترتبط أكثر بالمجتمعات التقليدية: "مع أن الاختلاف قائم من منطقة إلى أخرى، فنتوقع أن مجتمع الجلفة يختلف في هذه الممارسات عن مجتمع والد سوف، لذلك يمكن التأكيد على أن هذه العادات تخضع للعادات والمدونة التي جمعت منها".  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard