شهد قصة حبّ انتهت بجريمة قتل... قصر "عائشة فهمي" في القاهرة

الأربعاء 20 يوليو 202203:14 م

قبل أكثر من قرن مضى كان هذا القصر الأثري المُبهر مسرحاً لحكاية عشق انتهت على نحو مأساوي، بعدما أصابته في النهاية لعنة الدم، وليصبح شاهداً على عدة زيجات وقلوب محطمة، ويصير مركزاً لصراعات ونزاعات انتهت بتحوله لمزار سياحي وقِبلة للعشاق بعدما ظل صامداً كتحفة معمارية في وجه عوامل الزمن؛ إنه قصر "عائشة فهمي" الأثري المطل على النيل، والواقع بحي الزمالك في قلب القاهرة.

وتعود أحداث حكايتنا تلك إلى نحو 115 عاماً، حين وقع علي باشا فهمي، ابن كبير باوران الملك فؤاد، الثري الذي يمتلك 5 آلاف فدان، في غرام ابنة سائقه الفرنسي، مارجريت ميلر، التي سرقت قلبه وجعلته يضرب بالتقاليد العريقة عرض الحائط ليتزوجها ويشيد لأجلها قصراً رائعاً على طراز فرساي، القصر الملكي الفرنسي في غرب باريس، عام 1907 ليعيشا به، صممه المهندس الإيطالي أنطونيو لاشاك، والذي يُعد من أنجح المعماريين الإيطاليين في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى ثلاثينيات القرن العشرين.

قصة حبٍّ انتهت بالقتل

لكن العروس الفرنسية صممت على العودة لبلادها، فهرول الباشا خلفها إلى باريس ليعيش معها، إلاّ أنه لم يتحمل أسلوب حياتها الغربي المنفتح، فنشبت الخلافات واندلعت المشاجرات بين الزوجين، حتى وصلت لاتهام الباشا لها بالخيانة الزوجية حين كانا نزيلين في فندق سافوي بالعاصمة البريطانية لندن، وحينها فقدت الزوجة الفرنسية صوابها، وأردت زوجها قتيلاً بعدما أطلقت عليه ثلاث رصاصات من مسدسها، لتتحوّل قصة حبهما التي انتهت بجريمة قتل مروّعة إلى قضية رأي عام.

ترافع عن الجانية المحامي الإنكليزي السير مارشال مول، والذي كان أشهر المحامين في العالم، وبدأت جلسات محاكمة مارجريت بمحكمة أولد بيلي في قلب لندن، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 1923، وأخذ المحامي الشهير يستدر عطف المحكمة مدللاً على فظاظة الزوج القتيل وتخلفه الشرقي، زاعماً أن موكلته قتلته دفاعاً عن نفسها، حتى حصلت على البراءة سريعاً.

نشبت الخلافات بين الزوجين، حتى وصلت لاتهام الباشا لزوجته الفرنسية بالخيانة الزوجية، وفقدت الزوجة صوابها، وأردت زوجها قتيلاً بعدما أطلقت عليه ثلاث رصاصات من مسدسها

غير أن مارجريت لم تكتفِ بقتل الباشا، بل سافرت إلى مصر مطالبة بنصيبها في تركته، زاعمة أنها حامل منه، لتستحوذ على الإرث كاملاً، ووصل بها الأمر لمحاولة الحصول على شهادة ميلاد مزوّرة للطفل المزعوم، وحين فشلت في ذلك ادّعت أن الطفل مات بعد أسابيع من ولادته، غير أن مكائدها انكشفت وقضت محكمة الاستئناف المختلطة بعـدم أحقيتها في التركة، ولا حتى في مؤخر الصداق، لأن القاتل ليس له حق في إرث المقتول.

وعادت الزوجة القاتلة لبلادها تلملم أذيال الخيبة، وآلت ملكية قصر علي باشا فهمي لأشقائه، وقامت شقيقته عائشة فهمي بشراء نصيب إخوتها عام 1924، ولا يزال يُعرف القصر باسمها حتى الآن.

وبقيت حكاية الباشا العاشق الذي انتهى زوجاً مغدوراً على يد زوجته الفرنسية لسنواتٍ ملهمةً للكُتّاب وصناع السينما، فجسدت قصتهما أفلاماً منها: "أنشودة الفؤاد"، "أولاد الذوات"، و"وخز الضمير".

زيجات فاشلة وحرمان من الإنجاب

وكأن التعاسة قدر من يعيش في ذلك القصر الأجمل والأفخم في مصر، فبدورها لم تجد المالكة الجديدة للقصر فيه سعادة واستقراراً، حيث تزوجت الهانم الثرية سليلة الباشوات، ثلاث مرات، وكانت دوماً تفشل زيجاتها، حيث كان زواجها الأول من الدكتور أحمد سعيد، طبيب أمراض النساء والتوليد، ولم ترزق منه بأطفال، وبعد طلاقهما تزوجت من الفنان والمخرج يوسف بك وهبي، عميد المسرح العربي، غير أن قيامه باستلهام قصة فيلمه السينمائي “أولاد الذوات” عام 1932، من حادثة نسيبه القتيل، أثار غضب السيدة عائشة فهمي وأدى إلى طلاقهما، رغم النجاح الهائل الذي حققه الفيلم. بعد ذلك تزوجت عائشة للمرة الثالثة من البرلماني أحمد فتحي، ولم تنجب منه أيضاً.

توفيت عائشة فهمي عام 1962، وبعدها آلت ملكية القصر إلى شقيقتيها فاطمة وعزيزة لتبدأ النزاعات بين الورثة والحكومة المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والتي أصدرت عام 1964 قراراً بنزع ملكية القصر وتحويله إلى فندق يتبع المؤسسة المصرية العامة للفنادق (إيجوث).

بقيت حكاية الباشا العاشق الذي انتهى زوجاً مغدوراً على يد زوجته الفرنسية ملهمةً للكُتّاب وصناع السينما، فجسدت قصتهما أفلاماً منها: "أنشودة الفؤاد"، "أولاد الذوات"، و"وخز الضمير"

وفي عام 1974، صدر القرار الجمهوري رقم 164 بشأن نزع ملكية القصر وتحويله إلى متحف لعرض مجوهرات أسرة محمد علي عام 1978، لكن الرئيس محمد أنور السادات منحه للروائي ثروت أباظة لجعله مقرّاً لرابطة الأدباء، وتم إلغاء قرار تحويل القصر لمتحف للمجوهرات بقرار جمهوري آخر في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عام 1986، حيث خصصت الحكومة المصرية وقتها قصر فاطمة حيدر بمحافظة الإسكندرية ليكون متحفاً للمجوهرات.

ولأن القرارات السابقة بحق القصر لم تُنفذ، أقام ورثة القصر البالغ عددهم 49 شخصاً دعوى قضائية لاسترداده لأن الدولة لم تستخدمه للأغراض التي نص عليها قرار نزع الملكية، لكن المحكمة لم تعيده لهم، وبقي القصر تحت حيازة وزارة الثقافة المصرية التي اشترت قصر عائشة فهمي في عام 1958، لتقوم بجعله مكتباً للدكتور ثروت عكاشة، أول وزير ثقافة مصري، لكنه في ما بعد انتهى به الحال كمخزن لوزارة الإعلام المصرية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، إلى أن أصدر الأديب يوسف السباعي، وزير الثقافة حينها، قرارَه بضمِّ القصر إلى هيئة الفنون والآداب، والذي أصبح اسمه قطاع الفنون التشكيلية، ومؤخراً تحول القصر إلى مجمع للفنون استقبل الكثير من المعارض الدولية الكبرى والمحلية من مختلف الاتجاهات الفنية والثقافية.

غُرف أثرية ولوحات فنية

قُبالة نهر النيل، وتحديداً في منطقة الزمالك، يقع قصر عائشة فهمي على مساحة تبلغ 2700 متر مربع، ويتألف من طابقين وبهوين و"بِدروم" وسطح. يحتوي الطابق الأول على حوالى ست غرف، وبه ردهة شاسعة يقع في منتصفها تمثال "المُفكِر"، وقد صُممت الغرف الثلاث اليمنى لتكون غرفاً صيفية، حيث تتميز بإطلالة نوافذها على نهر النيل، وتحتوي تلك الغرف على مجموعة متميزة من اللوحات الفنية العالمية، بينما تم تصميم الغرف الثلاث اليسرى لتكون شتوية، ومن بينها غرفة البلياردو ذات الطابع الأثري، والتي تحتوي على مدفئات تراثية، وتزين سقفها النقوش، وتزين الزخارفُ أرضيتَها المصنوعة من الباركيه.

يُعدّ القصر مزاراً مناسباً للعائلات والأصدقاء للالتقاط الصور التذكارية المميزة، كما يقصده العديد من طلاب الفنون، لمشاهدة اللوحات الفنية المميزة التي يعود بعضها للقرنين الـ18 والـ19 الميلادي، وتتضمن أعمالاً لكلود مونيه وأوغست رينوار والعديد من الفنانين الآخرين

أما الطابق الثاني من القصر فيحتوي على غرفة ذات طابع أثري، والغرفة اليابانية التي أهداها السفير الياباني لعائشة فهمي عندما زارها في القصر، وتم تصميمها من أجلها، وإذا قمتم بزيارة القصر وصعدتم إلى الطابق الأعلى ستجدونها على يساركم، وقد نُقشت على جدران تلك الغرفة مجموعة من الكلمات والصور اليابانية، وبها أيضاً مصابيح يابانية تقليدية وتمثالان مصنوعان ذهبيان يقعان في جانبي الغرفة، وتوجد كذلك بالطابق الثاني غرفة الملابس الخاصة بالمالكة السابقة للقصر، وغرفة الحمامات المزودة بسخان للمياه.

وتُزين جدران غرف قصر عائشة فهمي مجموعة مميزة للغاية من اللوحات الفنية المصنوعة من الحرير والكتان يعود تاريخ أقدمها إلى مئة عام، وتزخرف جوانب الحوائط زخارف أوروبية فائقة الجمال، وبشكل عام يتميز القصر بالديكورات الأنيقة والأثاث الكلاسيكي الفخم، بجانب الإطلالة الرائعة على نهر النيل والحديقة الجميلة والمناظر الخلابة.

القصر بعد التطوير

على مدار 17 عاماً استمرت عمليات إعادة ترميم قصر عائشة فهمي بالزمالك، تحت إشراف قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، وقطاع صندوق التنمية الثقافية، إضافة إلى قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، والتي بدأت منذ العام 2005 وتعطلت إبان أحداث ثورة يناير 2011 وأحداث 30 يونيو 2013، ليتم استئنافها قبل أن يتم افتتاح القصر في آذار/مارس من العام الجاري، ليستقبل زيارات الجمهور.

وعقب التطوير تم تحويل بدروم القصر إلى قاعة عرض للفنون التشكيلية مقامة على مساحة تبلغ 1000 متر مربع، كما شملت أعمال الترميم التي خضع لها القصر، كلاً من تطوير وتدعيم الأدوار وحقن الحوائط وأساسات القصر، بجانب ترميم الزخارف والتجاليد الخشبية والنسيج والمفارش واللوحات الزيتية والجداريات وغرف الملابس والبلياردو، إلخ، وأصبح القصر مزوداً بأحدث الأنظمة الأمنية لحماية المتاحف والحيلولة دون وقوع السرقات والحماية من الحرائق وإنشاء نظام لفصل المتاحف.

ويُعدّ القصر مزاراً مناسباً للعائلات والأصدقاء للالتقاط الصور التذكارية المميزة، كما يقصده العديد من طلاب الفنون، لمشاهدة اللوحات الفنية المميزة التي يعود بعضها للقرنين الـ18 والـ19 الميلادي، وتتضمن أعمالاً لكلود مونيه وأوغست رينوار والعديد من الفنانين الآخرين، بجانب المنحوتات والتماثيل، على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الراقية.

وتجدر الإشارة إلى أن الدخول إلى قصر عائشة فهمي متاح بالمجان للمصريين دون دفع تذاكر للدخول، فيكفي إظهار البطاقة الشخصية لأمن القصر حتى يسمحوا لكم بالدخول. ويفتح القصر أبوابه على مدار أيام الأسبوع من الساعة التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً، ما عدا يوم الجمعة. وننصحكم بزيارته في الصباح الباكر لتجنب الازدحام، ولتتمكنوا من القيام بجولة سياحية بِحٌرية أكبر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard