"إن شاء الله بعمرك ما بتحتاج حدا يا ابني"... وغيرها من العبارات المؤذية للأبناء

السبت 2 يوليو 202203:16 م


نفتح صحيفة اليوم، ونقرأ في أحد أعمدتها مقالاً يخص إحدى الشخصيات المحترمة في المجتمع. وتهطل في مدحه كلماتٌ تبجل اعتماده على نفسه. لعلّ أبرزها كلمة "عصاميّ" - أي أنه قد بنى نفسه بنفسه دون أن يطلب المساعدة من أحد في حياته كلها!

طيف أمي يزورني في المنام وهي تقول جملتها المعتادة: "الله لا يحوجك إلا لوجهه الكريم".

هنا يقرأ الأب هذا العمود من الصحيفة ليتكلم عنه في المجالس العائلية التي يحضرها الجميع، من الرضيع حتى الشيخ الكبير "بعمرو ما احتاج حدا... بحياتو ما ذل حالو لمخلوق". تتوالى المواد الإعلامية المسموعة والمقروءة والمرئية التي تمجد العصاميين. وتسمع الناس تقول في جنازته: "انظر، لقد مات ولم يحتج أحداً في حياته كلها".

علّمنا آباؤنا هذه الثقافة التي رضعوها مع حليب الأم، وشربوها مع ماء النبع ووضعوها في أفواه الأطفال، كما يرشون الزيت والملح على الطعام، دون إخضاعها للتحليل والقياس والمحاكمة العقلية ودون تقييم نتائجها بعد تطبيقها. فالعادة تحكم سير العديد من المجتمعات العربية، وأي خروجٍ عن هذه العادة يثير قلقاً جمعياً ولو كانت هذه العادة طريقة لباس أو أسلوب سلام أو طريقة تربية.

"طول عمري بحل مشاكلي ومشاكل أصدقائي وجيراني"

بما أنّ الأم هي المربية في أغلب مجتمعاتنا العربية، فمن شبه المؤكد أننا سمعنا من أمهاتنا عبارات على شاكلة "ان شالله يا ابني بعمرك ما بتحتاج حدا"، و"الله لا يحوجك لحدا يا بنتي". هكذا تَبرمجنا وتربينا على أنّ الحاجة ضعف وأن في طلب المساعدة شيئاً من العار والمذلة. وكما تقول جداتنا: "الشكوى لغير الله مذلة".

بما أنّ الأم هي المربية في أغلب مجتمعاتنا العربية، فمن شبه المؤكد أننا سمعنا من أمهاتنا عبارات على شاكلة "ان شالله يا ابني بعمرك ما بتحتاج حدا"، و"الله لا يحوجك لحدا يا بنتي". هكذا تَبرمجنا وتربينا على أنّ الحاجة ضعف وأن في طلب المساعدة شيئاً من العار والمذلة 

لم تكن مجرد عبارات، بل أصبحت قوانين تحكم طريقتنا في التفكير وتعاملنا مع أنفسنا. في هذا السياق، يقول الاستشاري في الطب النفسي من فرنسا رفيف المهنا إنّه قبل مراجعة المرضى لعيادته، يمرون بمرحلة صعبة يؤجلون فيها طلب المساعدة من الطبيب النفسي. ويعزو ذلك لأسبابٍ متعددة سمعها منهم شخصياً. فمنهم من يقول: "طول عمري بحل مشاكلي ومشاكل أصدقائي وجيراني، معقول هلق ما عود قادر أحل هي المشكلة". وهذا الكلام نابع من العقلية التي زرعها الأهل في أطفالهم.

"بقيتُ أؤجل ذهابي إلى الطبيب النفسي وأصارع أعراض القلق والحزن والتوتر والإحباط وقلة الثقة. بقيتُ أرفض أن يحلّ مشكلتي أحدٌ آخر سواي"

شكواك للناس يا ابن الناس منقصةٌ

تقول "سارة" (اسم مستعار): بقيتُ أؤجل ذهابي إلى الطبيب النفسي وأصارع أعراض القلق والحزن والتوتر والإحباط وقلة الثقة. بقيتُ أرفض أن يحلّ مشكلتي أحدٌ آخر سواي، وظللتُ أردد في نفسي أبيات الشعر التي تقول:

(لا تشكو للناس جرحاً أنتَ صاحبه

لا يؤلم الجرح إلا من به ألمُ

شكواك للناس يا ابن الناس منقصةٌ

ومَن مِن الناس سليمٌ ما به سقمُ).

كان هذان البيتان من الشعر يوقفانني كلما أردتُ الدخول إلى عيادة الطبيب النفسيّ. فقد كنتُ أصمم على ذلك في المساء وأتراجع في الصباح، وطيف أمي يزورني في المنام وهي تقول جملتها المعتادة: "الله لا يحوجك إلا لوجهه الكريم".

عذراً أبي وأمي وجيراني... فقد تعبتُ

قد يقول البعض: "ولكنّ المريض قد راجع الطبيب في نهاية المطاف". وبحسب الدكتور رفيف المهنا، فإنّ هذه الفكرة ساهمت في تأخير زيارة الطبيب وطلب مساعدته، مما ساهم في تفاقم حالة المريض بشكل يصعب السيطرة عليه. مع تفاقم حالته يضطر المريض لأن يدق باب الطبيب النفسي وعلى وجهه علامات الاستسلام والإحباط، وهو يقول "أنا تعبت يا دكتور" ويبكي. وقتذاك، يضطر الطبيب إلى بذل المزيد من الجهد ووصف العديد من الأدوية التي كان بالإمكان الاستغناء عنها، فيما لو كان طلب المساعدة في ذلك الوقت.

الشكوى للطبيب ليست مذلةً يا جدتي

تكمل سارة قصتها: "بعد الكثير من التخبطات التي مررتُ بها، أدركتُ أنني لم أعد أستطيع القتال وحيدةً في هذه المعركة. لذا، قررتُ كتابة رسالة اعتذار: عذراً أمي وأبي، الفتاة التي لطالما ساعدَت، أصبحت بحاجةٍ إلى المساعدة. وكتبتُ لأبيات الشعر: أعتذر، فلم تعودي قصيدتي المفضلة، لأنّ شكواي ليست منقصةً، وأنا ابن الناس الذي سيلجأ إلى الناس ويشكو همومه. فالشكوى للطبيب ليست مذلةً يا جدتي".

الطريقة التي ننظر فيها إلى موضوع "طلب المساعدة" تزيد الطين بلة، وخصوصاً في البلدان العربية التي تعاني أصلاً من الفقر والجوع والحروب، والتي تزيد فيها الاضطرابات النفسية بشكل كبير

وتضيف: "صحيحٌ أنني شعرتُ وكأنّ قلبي يخرج من صدري، ومعدتي تأكل نفسها من الخوف والقلق وأنا أصعد الدرج إلى عيادة الطبيب النفسي. صحيحٌ أنني خجلتُ وارتبكتُ وأنا أُعطي اسمي للممرضة. صحيحٌ أنني كنت أرتدي الكمامة خوفاً من أن يحفظ وجهي أحد المراجعين وليس للوقاية من كورونا. ولكنني بعد بضعة أسابيع من العلاج أصبحتُ أفضل وأقوى. وبعد أشهرٍ، استعدتُ نفسي وذاتي وطاقتي، وكأنني وُلدتُ من جديد. وها أنا الآن أستقبل الحياة بذراعين مفتوحتين. وأتعامل مع المشاكل والمصاعب كجزءٍ لا يتجزأ من الحياة".

الطريقة التي ننظر فيها إلى موضوع "طلب المساعدة" تزيد الطين بلة، وخصوصاً في البلدان العربية التي تعاني أصلاً من الفقر والجوع والحروب، والتي تزيد فيها الاضطرابات النفسية بشكل كبير، والحاجة إلى طلب المساعدة النفسية، غير أنّ طيف أجدادنا يأتينا في المنام ليوقف الكثير منا عن اتخاذ الخطوة التي قد تغير حياته مرةً واحدةً وإلى الأبد. 


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard