شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
مبارزات تكسير العظم... خلفاء في حلقات تنافس موسيقي طاحن

مبارزات تكسير العظم... خلفاء في حلقات تنافس موسيقي طاحن

ثقافة

الجمعة 20 يناير 202311:25 ص

في ليلة من ليالي عام 1781، في قصر الإمبراطور الروماني جوزيف الثاني، حضر الموسيقار النمساوي الشهير موزارت، ليواجه الموسيقار الإيطالي الشهير أيضاً ماتزيو كليمنتي، حيث جلس كل منهما على الهاربسكورد (الآلة التي تطور عنها البيانو)، ليعزفا أمام الإمبراطور.

وبعد الاستماع إليهما مال الإمبراطور على الموسيقي كارل دترز فون دترزدورف وقال له: هل استمعت إلى عزف موزارت؟

فرد: ثلاث مرات حتى الآن. فقال الإمبراطور: كيف تراه؟ فرد: كما ينبغي أن يعجب به أي خبير في الموسيقى. فقال الإمبراطور: وهل استمعت إلى كليمنتي؟ فرد: نعم. فقال الإمبراطور: بعض الناس يفضله على موزارت، فما رأيك؟ كن صادقاً.

فرد: إن طريقة عزف كليمنتي فن فقط، أما عند موزارت فهي فن وذوق. فقال الإمبراطور: ذاك هو بالضبط ما قلته.

وبهذا الحوار وهذه النتيجة اعتبر موزارت هو الفائز في هذا النزال الموسيقي، وفرح الموسيقار النمساوي بالنتيجة، حسبما ذكر الباحث والأديب العراقي الشهير علي الشوك في كتابه أسرار الموسيقى (2003).

هذه واحدة من حكايات جمعها الشوك في أحد فصول كتابه خصصه للحديث عن تقليد موسيقي أوروبي، وهو "النزالات الموسيقية"، وضمنها النزال الذي جرى بين بيتهوفن وبين دانيال شتايبلت في فيينا على البيانو، برعاية الأميران لوبكوفتس ولشنوفسكي، وانتصر بيتهوفن.

كانت تلك المبارزات مخيفة لدرجة أن فريدريك هاندل رغم عظمته كان يخاف من لقاء الكبير يوهان سباستيان باخ خوفاً من الهزيمة.

شاعت تلك النزالات في عصور نهضة الموسيقى الأوروبية، في قصور النبلاء والحكام، بدءاً من عصر الباروك وحتى العصر الرومانسي، مروراً بالعصر الكلاسيكي، أي في الفترة من نهاية القرن السابع عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ما جعلني ألتفت للتاريخ العربي والبحث في قصصه.

المتأمل يجد أن تاريخ الموسيقى العربية قبل ذلك بقرون، شهد مبارزات هي الأخرى كانت شديدة وحيّة، أخصّ بها في هذا المقال العصر العباسي الأول، معتمداً على مصادرة أولية، منها الأغاني (1905) للأصفهاني، وتاريخ بغداد (1949) لابن طيفور، ومروج الذهب (1866) للمسعودي، ونهاية الإرب في فنون الأدب (1423هـ) للنويري.

مبارزات فنية طاحنة، ونزالات لحنية وطربية شديدة، وإغداق للعطايا على المُجيدين، وعتق رقاب... خلفاء عباسيون  شجعوا الفن والتلحين، ومنهم من دخل حلبة النزال الموسيقي بنفسه

مقدمة من العصر الأموي... قد ينتهي الطرب بشتائم أو نفور

من المبارزات الشهيرة المبكرة ما جرى بين عبيد الله بن القاسم الملقب بـ"الأبجر"، وبين منافسه ابن عائشة، وكان الأول هو مطرب مكة الأول، والثاني هو مطرب المدينة المنورة المفضل، إلا أنه كان قد استقر في الشام قبل الأبجر.

ويحكي عمرو بن حفص بن أم كلاب أن الأبجر كان إذا قدم من مكة نزل علينا، فقال لنا يوماً: أسمعونا غناء ابن عائشتكم هذا؛ فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت ابن هبار، فغنى ابن عائشة، وانتظر الأبجر حتى انتهى ثم راهن متحدياً إياه قائلاً: "كل مملوك له حر إن غنيت معك إلا بنصف صوتي!"، ثم أدخل الأبجر إصبعه في فمه وغنى، ومن قوة صوته سمعه من في السوق وأقبلوا، وتسبب ذلك في مشاحنة بين المطربَيْن ولم يفترقا حتى تشاتما.

وكان ابن عائشة والأبجر من مطربي بلاط الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

وفي قصر الخليفة كانت تقام نزالات من هذا النوع، وقد ينتهي الأمر إلى عدم تفضيل مطرب على الآخر ورفض الاثنين، كما حدث حين حضر الخليفة المطربين، ابن عائشة ومعبد بن وهب (أبو عباد)، حيث نفر منهما، وقال لمعبد: قد آذتني وَلْوَلَتُك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا.

في العصر العباسي نزالات شرسة شجعها الخلفاء وتورطوا فيها

في العصر العباسي كان الأداء والفكر الموسيقي قد تقدم كثيراً، حتى أن زرياب الذي هرب من بغداد إلى الأندلس وينسب إليه فضلاً كبيراً على الموسيقى الأوروبية، كان تلميذاً لإسحاق الموصلي، أشهر ملحن ومطرب في العصر العباسي الأول.

وفي هذا العصر ازدهرت النزالات اللحنية والطربية وكان الخلفاء يشجعون على ذلك ويغدقون العطايا على المُجيد، بل إن من الخلفاء من احترف التلحين والغناء ودخل حلبة النزال بنفسه، كما سنبين.

مُخارق الشاب يسقط ابن جامع المخضرم أمام الرشيد

في عهد هارون الرشيد، كان المغني ابن جامع من أكبر المطربين والملحنين، وله حظوة كبيرة عند الخليفة، وكان مُخَارِق مطرباً صغيراً، يعرفه هارون بالكاد، وفي يوم اجتمع مُخارق وابن جامع، في حضور المغني والملحن الكبير إبراهيم بن المهدي (الأخ غير الشقيق للخليفة الرشيد).

غنى ابن جامع أغنية تبدأ بـ:

كأن نيراننا في جنب قلعتهم مُصبِّغات على أرْسانِ قَصّار

هوت هرقلة لما أن رأت عجباً جواثما ترتمي بالنفط والنار

أبهر المطرب الصغير مُخارق هارون الرشيد، ولشدة انبهاره أعتقه من العبودية، وأعطاه منزلاً وضيعة وثلاثة آلاف دينار وصار من أهم مطربي البلاط العباسي في عهود عدد من خلفاء بني العباس

فطرب الرشيد واستعاد الأغنية مراراً، لأن كلمات الأغنية قيلت في مدح الرشيد حين فتح هِرَقلة، وهنا غمز مُخارق إبراهيم بن المهدي بعينه وسبقه إلى الخلاء وتبعه إبراهيم، فقال له مُخارق: ما لي أراك منكسراً؟ فرد إبراهيم: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت (اللحن).

فقال مُخارق: قد والله أخذته (أي حفظ اللحن)، فرد إبراهيم: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت!

طمأن مُخارق إبراهيم بأنه حفظ اللحن جيداً ويستطيع الانتصار على ابن عائشة، فعادا إلى مجلس هارون، وطلب إبراهيم منه أن يستمع إلى نفس اللحن من مُخارق، واعدا إياه بأنه سيؤديه أفضل من ابن عائشة.

غنى مُخارق وأتى بتصاريف لحنية جديدة على لحنه الأساسي، وطرب الرشيد حتى كاد يطير، لدرجة أنه شك أن يكون اللحن لمخارق من الأساس لشدة إعجابه به، وحلف ابن جامع بالطلاق أن اللحن يخّصه ولم يسمعه من أحد قبل أن يغنيه.

فسأل الرشيد إبراهيم: فقال إن مُخارق قد حفظ اللحن وأتقنه لمجرد سماعه، إضافة إلى ما طوره في الأداء. وبالفعل أدى مُخارق الأغنية وأتى بتصرفات جديدة على اللحن الأساسي بشكل أبهر هارون، ولشدة انبهاره أعتق مُخارق من العبودية، وأعطاه منزلاً وضيعة وثلاثة آلاف دينار، وأصبح مُخارق منذ هذا اليوم من أهم مطربي البلاط العباسي في عهود عدد من خلفاء بني العباس.

إسحاق وإبراهيم ومبارزات تكسير العظام

أشهر منافسة في التلحين والغناء في هذا العصر كانت بين إبراهيم بن المهدي، وبين إسحاق الموصلي، وهما قطبا الغناء والموسيقى في هذا العصر.

والأول هو ابن الخليفة المهدي، وأخو هارون الرشيد غير الشقيق كما ذكرنا، وعم الخلفاء: الأمين والمأمون والمعتصم. والثاني هو ابن الفنان الشهير إبراهيم الموصلي، وورث منه إسحاق هذا الفن وتفوق.

كانت المبارزات بين إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي مباشرة وغير مباشرة، فالمباشرة كانت تقوم على فنهما الذي يؤديانه بشكل مباشر، وغير المباشرة تلك التي كانت تقوم على من فيهما يفهم أكثر في الثقافة الموسيقية ويستطيع تقييم الغناء واللحن والعزف.

ونذكر هنا نزالين شهيرين بينهما، أحدهما كان في مجلس الخليفة المأمون، والثاني كان في مجلس الخليفة المعتصم بالله.

المنافسة الموسيقية في بلاد الخلفاء كانت ملئية بالمفاجآت، قد ينتصر شاب على موسيقي مخضرم، قد يَهزم الخليفة خصومه أو يُهزم، وقد يكسب الفائز حريته 

المأمون يحرج عمه إبراهيم وينتصر لإسحاق

جلس المأمون وعن يمينه عشر جواري وعن يساره مثلهن – وقال ابن طيفور إنهن كن 9 عن اليمين و9 عن اليسار- ومع كل واحدة عود، وكن يعزفن بشكل جماعي، فلاحظ إسحاق خطأً في العزف من الناحية اليسرى، وفي المقابل أنكر إبراهيم ابن المهدي وجود أي خطأ.

وأخذ المأمون يناقش إبراهيم وإسحاق، ويركزوا في العزف الصادر عن الجواري، حتى أوضح له إسحاق الخطأ، وكان قد خرج من الجارية رقم 8 من الناحية اليسرى، التي كانت تخالف اللحن في موضع به سكتة، وبالفعل وبعد التدقيق فهم الخليفة ولم يستطع إبراهيم أن ينكر، فقال المأمون: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلاً فهم الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً، لجدير ألا تماريه!

إسحاق يكسر إبراهيم مرة أخرى أمام المعتصم

ومن المواقف التي جرت بينهما في عهد الخليفة المعتصم بالله، أن الخليفة قال لإسحاق: إن إبراهيم يثلبك ويغض منك، ويقول إنك تقول: إن مخارقاً (المطرب الشهير) لا يحسن شيئاً، ويتضاحك منك (أي أن إبراهيم يضحك على إسحاق ويهزأ به).

فرد إسحاق بما يفند رأيه في مُخارق، ثم أراد أن يثأر من إبراهيم بن المهدي، فأخذ عوداً وشَوّش أوتاره، وطلب من إبراهيم أن يعزف ويغني عليه، وهو غير منضبط الأوتار.

فقال المعتصم: يا إبراهيم قد سمعت، فما عندك؟

قال: ليفعله هو إن كان صادقاً.

فطلب منه إسحاق أن يكتفي بالغناء فقط وأنه سيعزف على العود المشوش، فرفض إبراهيم أيضاً، فأحضر إسحاق المغنى زرزور (مطرب مشهور وقتها) وطلب منه أن يغني بينما هو يعزف على العود المشوش، فغنى زرزور وعزف إسحاق ولم يتأثر صوت العود وبدا وكأنه سليم ليس به عيب.

وزيادة في التحدي أحضر إسحاق عوداً آخر فشوش أوتاره، وفي هذه المرة غنى وعزف عليه، وطلب من زرزور أن ينظر إلى يده ويقلده في طريقة عزفه، وأن يصاحبه في العزف خلال الغناء، ففعل زرزور ولم يُلاحَظ أي عيب في الأداء.

وبعد أن فرغ إسحاق، طلب من إبراهيم أن يأخذ أي العودين المشوشين، وأن يعزف ويغني مثلما فعل، فلم يستطع، وانكسر انكساراً شديداً أمام الخليفة المعتصم.

إسحاق ينهزم أمام مخارق وعلوية

وكان الانطباع الواضح أن إسحاق لا يُهزم في أي نزال، إلا أن هذا الانطباع لم يكن بالضرورة دائماً، فقد يحدث العكس وينتصر الخليفة لفنان منافس له، ولو كان أصغر في المقام منه. ففي أحد مجالس المأمون، حضر إبراهيم ابن إسحاق وعُلْويّة (مغنّ شهير) ومخارق، وعمرو بن بانة (مغن شهير أيضاً)، فغنى مُخَارِق على مقام موسيقي كان يسمى "الثقيل الأول" أغنية تبدأ بـ:

أعاذل! لا آلوكِ إلا خليقتي،

فلا تجعلي فوقي لسانك مِبرداً

ذريني أكُن للمال ربّاً،

ولا يكن لي المال ربّاً

تحمدي غِبَّه غدا

فقال المأمون: لمن هذا اللحن؟ فقال إنه لإسحاق الموصلي، فطلب المأمون من مخارق إعادة الأغنية، فأعادها، وأثناء الغناء شرب المأمون رطلاً من النبيذ إعجابا بالأداء، ثم التفت لإسحاق وطلب منه أن يغني نفس اللحن، فغنى، فلم يستحسنه المأمون منه كما استحسنه من مخارق، رغم أنه صانع اللحن والمغني الأصلي له.

ثم طلب المأمون من عُلويّة أن يغني فأنشد أغنية أخرى تبدأ بـ:

أُريتُ اليوم نارَكِ لم أغمّض بواقِصةٍ، ومَشربُنا بَرود

فلم أر مثل موقِدِها، ولكن لأية نظرة زَهَرَ الوفود

فسأل المأمون عن ملحن الأغنية، فرد علوية أيضاً بأنه إسحاق، فأمر علوية بإعادة ما غنى، فأعاد، فشرب المأمون وانتشى من الأداء، وطلب من إسحاق أن يغني نفس الأغنية، فغناها فلم تعجب المأمون، وبهت إسحاق للمرة الثانية في نفس المجلس.

ثم تكرر نفس الأمر مع أغنية ثالثة غناها علوية أيضاً، وحين رددها إسحاق لم تعجب الخليفة كما أعجبته من علوية، وانتهى المجلس بمكافأة علوية ومخارق وهزيمة إسحاق.

الواثق يدخل النزال وينهزم

كان الخليفة الواثق مغرماً بالموسيقى والغناء، وفي مرة دخل مبارزة مع إسحاق، فصنع لحناً لأغنية تبدأ بـ:

أيا منشر الموتى أقدني من التي

بها نهلت نفسي سقاماً وعلَّتِ

وبعد أن أعجب الواثق بنفسه، طلب من إسحاق أن يعيد تلحين الكلمات وأن يغنها بأسلوب آخر، ففعل ذلك وأطرب كل الحضور، وأعجب الواثق بلحن إسحاق، وندم أنه دخل هذا التحدي، وقال:

ما كان أغنانا أن نأمر إسحاق بالصنعة في هذا الشعر، لأنه قد أفسد علينا لحنَنَا!

Website by WhiteBeard