"دِيني ودُنياي"... قصة غرام الخليفة الأمين بمعشوقه "كوثر"

الثلاثاء 28 يونيو 202210:04 ص

في أدبنا العربي وفي سير الخلفاء ما يُناقض الصورة التي يحاول رسمها بعض ذوي الخطاب المُنكّه بطعم النوستالجيا التوسعية. فمن بطون تراثنا تخرج العديد من القصص التي تخالف ما يسوّقه خطباء المنابر من صور مؤدلجة للخلفاء والحُكام منذ بداية الحكم الإسلامي، غايتها خدمة دعاوى سياسية. ومن بين هذه القصص واحدة شهيرة جمعت خليفة المسلمين العباسي محمد الأمين بفتاه المعشوق كوثر.

ولا يُعرف على وجه التحديد متى دخلت العلاقات الجنسية بين الرجال والغلمان إلى الحضارة العربية، ولكننا نجد نصوصاً دينية نستشف منها أنها كانت موجودة قبل الإسلام، ففي حديث عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله أن يحدّ الرجلُ النظر إلى الغلام الأمرد"، أي الذي لم تنبت لحيته.

الأمين في أعين الرواة

بعد وفاة هارون الرشيد، اجتمع المسلمون على بيعة ابنه محمد الأمين، عملاً بوصيته، وجمعت شخصية الحاكم الشاب ابن الـ28 عاماً بين صفات مُتناقضة. ففي كتابه "تاريخ الخلفاء" يذكر جلال الدين السيوطي أن الأمين "قتل مرة أسداً بيده"، ووصفه بأن "له فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة، لكن كان سيئ التدبير، كثير التبذير، ضعيف الرأي، أرعن لا يصلح للإمارة، فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة".

بجانب درايته بالشعر والأدب، كان الأمين عاشقاً للشطرنج. ففي خضم معركته مع أخيه المأمون، فوجئ أحد حُراسه بانشغاله في اللعب، فقال: "يا أمير المؤمنين أتوسل إليك أن تُسرع فليس هذا وقت اللعب"، فما كان جواب الأمين إلا: "صبراً، صبراً فإني أتوقع الفوز بعد بضع نقلات".

وتبرز في سيرة الأمين العلاقة التي جمعته بخادمه كوثر، وتبدأ منذ توليه الحُكم. فبعد أن أنجب ابنيه موسى وعبد الله، عزف عن النساء، وامتنع عن معاشرتهن. يقول ابن الأثير في "الكامل في التاريخ": "لما ملك الأمين وكاتبه المأمون، وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضاً سماهم الجرادية، وفرضاً من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رمى بهن".

ازداد شغف الأمين بالغلمان، حتى أن أمه، زبيدة الهاشمية، تحايلت عليه وأحضرت له جواري، وقصَّت شعرهن، وألبستهن جلابيبَ ليتشبهن بالغلمان، وعُرفن بالغلاميات. ويُروى أنه لما وقع نظر أبي نواس على إحداهن قال: "غُلامِيَّةٌ في زِيِّها بِرمَكِيَّةٌ / مُزَوَّقَةُ الأَصداغِ مَطمومَةُ الشَعرِ".

لكن الغلاميات لم يستهوين الأمين وظل مُقيداً بهوى فتاه كوثر، واتصل حبل الود بينهما إلى أبعد الحدود. فبينما كان طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون يُداهم العاصمة بغداد، كان الأمين وكوثر يصطادان السمك، فجاءه الخبر وهو بصحبة كوثر فقال للذي أخبره: "ويلك! دعني فإن كوثراً صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً"، حسبما روى الطبري في "تاريخ الأمم والملوك".

كان الأمين عازفاً عن الدنيا، ومشغولاً بحب كوثر، ونظم فيه الشعر. يذكر الأصفهاني في موسوعته "الأغاني" أنه في إحدى الليالي، كانا يتمددان على بساط نرجس، فطلع البدر عليهما، فما كان من الأمين إلا أن قال في غلامه:

"وَصَفَ البدرُ حُسنَ وَجهِكَ حتى/ خِلتُ أَنّي أّراهُ لَستُ أراكا

وإذا ما تَنَفَّسَ النرجسُ الغَـ/ ضُّ تَوَهَّمتُهُ نَسيمَ ثناكا

خُدَعٌ لِلمُنى تُعَلِّلني فيـ/ كَ بإِشراقِ ذا ونكهةِ ذاكا

لأُقيمنَّ ما حَييتُ على الشكـ/ رِ لهذا وذاك إذ حَكَياكَا".

ولما تسللت تلك الأخبار إلى العامة، انتابهم الغضب، فكيف لأميرهم يتسلى عنهم مع غلامه الأمرد، ولا يعنيه من أمر رعيته شيئاً، حتى قال أحد الشعراء:

"أَضاعَ الخِلافَةَ غِشُّ الوَزير/ وَفِسقُ الإِمامِ وَجَهلُ المُشير

لِواطُ الخَليفَةِ أَعجوبَةٌ/ وَأَعجَبُ مِنهُ فِعالُ الوَزير".

ولما وصلت تلك الأبيات إلى مسمع الأمين، ما كان منه إلا أن نظم شعراً يُبرر فيه تعلقه بكوثر، مُشبهاً إياه بالدين والدنيا، الداء والدواء، كأن هواه قدرٌ لا مفر منه:

"ما يُريدُ النّاسُ مِن صَبـ/ بٍ بمَن يهوى كَئِيبِ

كَوثرٌ دِيني ودُنيا/ يَ وسُقمِي وطَبيبي

أعجَزُ النّاسِ الذي يلـ/ حى مُحِبّاً في حبيبِ".

"لما ملك الخليفة الأمين... طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم، فصيرهم لخلوته ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه... ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رمى بهن"

وتُشير بعض المصادر إلى أن الأمين لم يكن قادراً على رد طلبٍ لكوثر. فهذا "علويه"، مغنٍ وشاعرٍ، من خاصة الأمين، قرّبه المأمون إليه فلما علم الأمين بذلك: "أمر به فضرب خمسين سوطاً وجر برجله وجفاه مدة حتى ألقى نفسه على كوثر فترضاه له ورُدّ إلى خدمته وأمر له بخمسة آلاف دينار"، حسبما روى الأصفهاني في "الأغاني". فلولا كوثر الذي توسط إلى الأمين، لكان "علويه" في عداد الموتى، ولما عاد إلى خدمة الخليفة مرة أُخرى.

حُبٌ حتى النهاية

لمّا شارفت النهاية، وصار جند المأمون قاب قوسين أو أدنى من دخول بغداد، خرج الأمين لمحاربة أخيه مصطحباً معه غلامه كوثر، ولمّا اشتعل فتيل المعركة، وحمي الوطيس، واشرأبت أعناق الناس تُشاهد على مَن ستكون الدائرة، خرج كوثر من خيمته - والتي كانت خلوة تجمع بينه وبين الأمين - لينظر إلى ما يجري، ويروي الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" أن رجمة أصابت كوثر في وجهه، فجلس يبكي، وجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه وهو يقول:

"ضَربوا قُرَّةَ عيني/ ومِنَ أجلي ضَرَبُوهُ

أَخَذَ الله لِقَلبي/ مِن أُناسٍ أَحرَقُوه".

ولم يؤته طبعه لزيادة، فأحضر الشاعر عبد الله بن أيوب التيمي، وقال له: زِد عليهما، فقال:

"ما لمن أهوى شبيه/ فبه الدنيا تتيه

وصله حلوٌ ولكن/ هجره مرٌّ كريه

من رأى الناس له/ فضلاً عليهم حسدوه

مثل ما حسد القا/ ئم بالملك أخوه".

فقال الأمين: أحسنت والله.

وحين قُتل الأمين، أمر طاهر بن الحسين بالتمثيل بجثته، ثم أمر بإلحاق كوثر به، فاتحد الخليفة الشاب وغلامه الحبيب بنهايتهما التراجيدية.

يهوى مَن يُغازله

للأمين عهدٌ مع المغازلات لا ينتهي. فقد اعتاد أن يُغازله الشعراء كما تُغازل الفتاة، حتى شاعت الأقوال عن علاقة جمعته مع أبي نواس. وذات مرة، أخذت بالأمين الحمية، وأراد ضرب عنق الشاعر، فما كان من الأخير إلا أن أنشد قائلاً: يا قاتل الرجل البريء وغاصباً عزّ الملوك/ كيف السبيل للثم سالفتيك أو تقبيل فيك/ الله يعلم أنني أهوى هواك، وأشتهيك/ وأصدّ عنك، حذار أن تقع الظنون عليَّ فيك".

ازداد شغف الخليفة الأمين بالغلمان، حتى أن أمه، زبيدة الهاشمية، تحايلت عليه وأحضرت له جواري، وقصَّت شعرهن، وألبستهن جلابيبَ ليتشبهن بالغلمان، وعُرفن بالغلاميات

والقصة الأخيرة وما شابهها يعدّها كثيرون من الافتراءات والمُكايدات في حق أبي نواس، ومنهم طه حسين في كتابه خصام ونقد. كما أن سيرة الأمين نفسها وكيفية تصويره وما رُوي عنه لا تخرج من أسر إشكالية الكتابة المسيّسة لتاريخ المهزومين.

احتوى تاريخنا على قصص متنوعة ومُختلِفة، وعُرضت للتصديق والتكذيب والتنقيح والشطب، وكتب التراث تحوي عدداً من تلك القصص التي تدور أُطرها داخل الرؤية الإيروسية الجنسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard