الموسيقى الخلفية لحياة الإنستغرام... كيف غدونا جميعا مُخرجي أفلام حياتنا؟

الأحد 17 يوليو 202212:10 م

كما تندلق المياه من الصنبور، تتدفّق بشكل يومي، على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما على موقع "إنستغرام" الشهير، العديد من المقاطع والصور الشخصية التي توثّق لأنشطة حياتية لمستعملي هذه المواقع، من مختلف الفئات العمرية، بدون استثناء، معدَّلة بشكل تقني يضمن مشاركتها في حلة إخراجية أشبه بتلك التي اعتدنا عليها في الأفلام والمسلسلات، والتي كانت حكراً على فنيّين وأكاديميين احترفوا هذه الموهبة في ما مضى.

أما اليوم، فقد قلّصت التحسينات الفنية والتطبيقات المستحدَثة الموضوعة رهن إشارة الجميع في الهواتف المحمولة وغيرها من الوسائط الرقمية، بإمكاناتها التقنية المتطورة، على صعيد جودة الصوت والصوت والإضاءة والتعديلات الصوتية والإخراجية، مسافة الوصول إلى "إنتاج" ما يمكن أن نطلق عليه شريطاً فنياً، فصرنا أمام "أفلام" قصيرة تحتفي باليومي الشخصي للنساء والرجال والأطفال، في قالب يستعمل مقاطع من أغان وموسيقى تنتمي إلى معاجم ذوقية مختلفة، خلفياتٍ لأنشطة تتنوع بين السفر أو التأمل، أو الحديث مع طرف آخر، أو ممارسة الرياضة، أو تناول الطعام، أو احتساء فنجان قهوة، أو استعراض لباس، أو تغيير في المظهر، أو فسخ خطوبة، أو تسلم نتيجة تحاليل طبية، أو فقدان الوزن بعد رحلة طويلة من التداريب والحِميات امتدت لأشهر، واختصرتها حِرفية خصائص "المونتاج"، في بضع دقائق أو ثوان...

من الحدث إلى المشهد

تتحول كثير من المشاغل اليومية والإنجازات المصنّفة بسيطةً وعادية، بل وتافهة أحياناً، أو المُلهِمة أو التي تُعدّ مصيرية وشاقة، كلها إلى شريط فيلم يُعرض على الصفحات الشخصية على مواقع التواصل للعموم، وإلى قصص تحتمل الفرجة والتحليل والتأمّل والإعجاب أو الذمّ والنقد اللاذع، مُؤَثّثة بتلك الخلفيات الموسيقية المختارة بعناية إجمالاً، لتلائم الرسائل المقصودة والحالات الوجدانية التي صاحبت المشهد أثناء تصويره أو بعد الفراغ من ذلك.

يتغيّر الكثير  وتغتال "براءة" اللحظة، أو تُنعَّم "وحشيتُها"، أي أنها تُسلَّم إلى احترافية "النظرة الإخراجية"، وتُحمَّل زيادة على عفوية مضمونها ورسالتها الأصلية، ما تحيل عليه الخلفيات الموسيقية المختارة لها، من رسائل أخرى، تستجدّ وتتكوّن وتُبنى انطلاقاً من النمط الموسيقي المختار ومن الكلمات المصاحبة له، بحيث ننطلق من حدث يومي روتيني إلى مشهد بكل ما تحمله الكلمة من ثقل سينمائي.

أليس رائعاً أن نتمكن أخيرا من أن نكون مُخرجي أفلام حياتنا بالموسيقى التصويرية التي تروقنا، في هذا العصر المحموم بالفرض والإملاءات وتحديد السرعة القصوى في كل طرقنا؟

خلفيات موسيقية لمقدمات شعورية متباينة

تستعمل هند، مراهقة مغربية في السادسة عشرة من عمرها، تطبيق الإنستغرام بشكل يومي، كغيرها ممن يشاركنها المرحلة العمرية وممن لا يفعلون أيضاً، وعلى رأس الاختيارات التي تفضلها خلفياتٍ موسيقية للمقاطع المصورة التي تنشرها على حسابها الخاص، تقول: "أميل إلى نمطين اثنين أكثر من غيرهما، الأول رومانسي شرقي في الحالات التي أشعر فيها بالارتياح والسعادة والثاني (راب) ينزع نحو التحدي ومهاجمة الحاقدين"، تسترسل وهي تدعم كلامها بحركات حادة من يديها: " أختار أغاني إيلي (إلهام العرباوي/ مغنية راب مغربية) في معظم مقاطعي، لأني أشعر بأن كلمات أغانيها تدافع عني، وتبلّغ بالنيابة عني بعض الكلمات القوية التي لا  أجرؤ على توجيهها لبعض معارفي ممن يتدخلون في شؤوني".

أما هيثم، وهو شاب في الثالثة والعشرين من عمره، طالب جامعي في سنته الثالثة في تخصص الأدب الإنجليزي، فيذهب إلى أنه غالباً ما يستخدم خلفيات موسيقية خالية من الكلمات، لتُفسح الألحانُ الصموتة مجالاً أوسع لبلاغة الأنشطة التي يشاركها، وفي حالات أخرى، فهو يستمتع بتنغيم مقاطعه المسجلة أو صوره بأغان من ريبرتوار الأغاني الناطقة بالإنجليزية، من قبيل: easy on me ، وoh my god للمغنية البريطانية أديل، و find you لنيك جوناس، وfirst class  لجاك آرلو... وطبعاً الكثير من العناوين الأخرى التي تتربع على عرش "الترند"، والتي يرى هيثم أنها الأقرب إلى تمثيل حالته الوجدانية المرافقة لتصوير مقاطعه اليومية أو صوره الملتقطة. وفي السياق ذاته، يُقرّ بأنه أحياناً لا يجهد تفكيره في اختيار الخلفية المناسبة البتّة، فينصرف إلى الانقياد العفوي إلى أول مقترحات التطبيق الأكثر استخداماً، مُستسلماً وغير ممانعٍ ذوقَ الخوارزميات.

يتغيّر الكثير  وتغتال "براءة" اللحظة، أو تُنعَّم "وحشيتُها"، أي أنها تُسلَّم إلى احترافية "النظرة الإخراجية"، وتُحمَّل زيادة على عفوية مضمونها ورسالتها الأصلية، ما تحيل عليه الخلفيات الموسيقية المختارة لها

"تشعرني خلفية موسيقية أو غنائية حماسية لصوري أو مقاطع الفيديو خاصتي على وسائل التواصل الاجتماعي بالمقدرة على التعامل مع مخاوفي بشجاعة أكبر، وإخفاء المشاعر السلبية التي غالباً ما تحيط بي. لا أعتبر ذلك تزويراً، بل طريقة ما لتحويل الضرّاء إلى سرّاء، فعندما ألتقط صورة مباشرة بعد خروجي من حصة علاجي من الدياليز ( تصفية الكلى) ودموعي لم تجفّ بعد، ثم أطعّمها بمقطع أغنية (ازأر) لكاتي بيري، أو بجزء من أغنية أصالة (شكراً)، يعتريني إحساس بالسلوى من كلمات الأغنية، والشعور نفسه يصل المعلّقين على صورتي في صفحتيّ على إنستغرام وفيسبوك".

وإذا كانت هذه الكلمات أعلاه تخص خديجة. م (39 سنة)، فإنها تتوافق وتوجّهات الكثيرين في انتقاءاتهم، وهكذا تغدو الخلفيات التي اختاروها غلافاً منيعاً لتشذيب أو تجميل أو تحوير مشاعرهم، من النقيض إلى النقيض، أفلام لصنع قاعدة من التآزر والدعم والتضامن، تضخّها الموسيقى الخلفية في شريان الأصبع، ليكتب كلمة إعجاب وانبهار بتلابيب يرتديها قلب هشّ.

إنها سينِمانا اليومية، حيث نكون البطل والمخرج وجزءاً من الجمهور أيضاً. إنها رؤية سردية "مع". "أليس رائعاً أن نتمكن أخيرا من أن نكون مُخرجي أفلام حياتنا بالموسيقى التصويرية التي تروقنا، في هذا العصر المحموم بالفرض والإملاءات وتحديد السرعة القصوى في كل طرقنا؟"، يقول لسان حال الكثيرين، بعدد كلمات منعدم، واستعارات أكثر للألحان والإيقاعات.

تجارب عفوية خاصّة أم موضة عمياء جديدة؟            

وقد يحدث أن تتشابه القصص و"الأفلام" بعد  أن تُطعَّم معظمُها بالموسيقى التصويرية ذاتها وإن اختلف مضمون القصص، بعد عدد هائل من المشاركات التي تبنّت نفس "الخطّ الإخراجي" إعجاباً وتأسّياً وتأثراً، وهو ما يضع خصوصية التجربة أمام حمى التأثّر وينذر بنمطية إبداعية، تماماً كتلك التي تحدث في مجتمع المخرجين الذين يُتهم أحدهم من حين لآخر بالتأثر أو تقليد وسرقة وتكرار الرؤية الفنية لزميل في المهنة. فيبرز سؤال مهم: ترى من يفرض نفسه على الآخر أكثر؟ القصة والحدث أم الموسيقى التعبيرية المستخدمة خلفية لهما؟ هل يحدث أن يفكّر المخرج/ة في موسيقاه الخلفية حتى قبل أن يولد الحدث والسيناريو؟ هل  يمكن أن تُبدَع المشهدية تأثراً بأغنية ترند علقت بالأذن والعين من كثرة تداولها؟

ألبوم ذكريات بموسيقى حيّة

على كل، فإن تلك الرغبة الدفينة في أن تُمتلكَ زمام الأمور تتحقق، فتوثَّق اللحظة في شكل فيلم، يخرجه صاحبه برؤيته الفنية الخاصة، بموسيقى تصويرية مصاحبة، ويطرحه للفرجة والتأويل والمشاهدة والتقييم، فيحذو المرءَ الإحساسُ نفسه الذي يتنازع مخرجَ الأفلام، مترقّباً تعليقات المشاهدين، على مضمون "فيلمه" القصير من جهة، ومدى براعة تنفيذه الإخراجي التقني من جهة أخرى. وهكذا، وبدل أن نعود إلى ألبومات الصور، بصورها المنفردة المتفرقة، وبدل أن نترك للعاطفة والذاكرة أن تطلق من تلقاء حساسيتها وتمثلها لتلك الذكريات في الصور، ما تشاء من موسيقى خلفية صامتة، أصبحنا نملك إمكانية تصفح محطات وذكريات مضت من حياتنا، كما نعود لمشاهدة فيلم شدّنا إليه الحنين، بموسيقاه التصويرية التي تمزج الأحداث بخيوط من الموسيقى الغلاّبة.

الخلف في المقدمة

من جهة أخرى، وكما يحدث أن يعبُر الفيلم ويُنسى ولا يكاد اسم مخرجه وممثليه يلفت انتباه أحد، فتتوهج -بالمقابل- أغانيه وموسيقاه التصويرية، فتثير الإعجاب والتساؤلات ويسيل لعاب المشاهدين لإعادة الاستماع إليها والتعرف عليها أكثر، يحدث أيضاً أن يمر مقطع فيديو أو صورة على منصات التواصل الاجتماعي خافتاً، فتكون البطولة في الاستحواذ على بقعة الضوء، وصعود البوديوم وشحذ التصفيق والاهتمام من نصيب الأغنية في الخلفية، فتنهال التعليقات مُتسائلة عنها وعن صاحبها وطريقة تحميلها. هنا، لا شكّ أن إحساس "المخرج" من خلف شاشة هاتفه و"الآكسيون" لن يكون لطيفاً، لأن ما كان يفترض أن يلعب دوراً "خلفياً"، تقدّم بخطوات نحو الأمام وسرق الضوء والمعنى.

مادة واحدة، انفعالات مضاعَفة

وسواء كان ما يُقدّم في هذه المقاطع القصيرة بتلك الخلفيات الموسيقية المختارة، وفيًّاً بالفعل لما يروج في حياة أصحابها من عدمه، فإن المؤكّد أنها تقدّم قواعد لمضاعفة الانفعال والتقييم، مرة على أساس مضمونها مباشرة ومرة ثانية بناء على ما تبثّه الموسيقى المصاحبة لها من تأثيرات وانفعالات ورسائل لدى المتلقين كل حسب تأويله وتاريخه الوجداني معها، زيادة على كونها تستجيب لحاجات نفسية صارخة، يغذّيها يُسر الولوج إلى استعمال التعديلات والتأثيرات الصوتية والإخراجية، لينتج عنها وثائق صورية تكشف الكثير عن شخصيات أصحابها، لاسيما في ما يتعلق بنوع تمثلهم لوجودهم وتقدير ذواتهم، والصورة التي يسعون إلى تمثيل أنفسهم بها أمام "جمهورهم"، الذي قد يصل إلى آلاف المتابعين أو يكتفي بعدد محدود من أفراد العائلة والأصدقاء والمعارف، أو أمام أنفسهم، في الحالات الكثيرة التي يكونون فيها الجمهور الوحيد لأنفسهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard