رحلات ومدوّنة كبرى... كيف انتشرت المالكية في الغرب الإسلامي؟

الخميس 23 يونيو 202205:20 م

يقترن اسم أبي ميمونة دَرَّاسُ بن إسماعيل الفاسي، اليوم، بمركز تابع للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب، تم تأسيسه في أيار/ مايو 2010، لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك، ومن أهدافه "صياغة خطاب ديني جديد، في تمثّل يجمع بين فقه التديّن والانفتاح على قضايا العصر".

في مقاربة تاريخية تتزامن مع أول انتشار المذهب المالكي في بلاد المغرب، التي كانت تعيش حالة تجاذب فكري بين مذاهب عدة كالأوزاعية والحنفية، وفي ظل انتشار كبير لنحل وفرق باطنية كالصفرية، يحضر اسم درّاس كأحد من حسموا في انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي.

فما هي أهمية "مدوّنة سحنون" التي أدخلها؟ وما هي مكانته بين أعلام المالكية حتى أصبح يُنظر إليه اليوم كأحد أولياء فاس؟

انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي

انتشر المذهب المالكي في بلاد المغرب، وتوطدت أركانه، حتى غدا المذهب السائد في رقعة جغرافية كبيرة امتدت من مصر شرقاً، حتى جبال البرانس غرباً، إذا ما استثنينا المنافسة النسبية مع مذهب الأحناف في تونس. ولهذا الانتشار أسباب عديدة اختلف على أولويتها الباحثون، رغم أن تبني الأسر الحاكمة للمذهب المالكي منذ الدولة المرابطية يظل أبرزها.

من الأسباب الأخرى، يعود الفضل إلى شخصية صاحب المذهب نفسه (أنس بن مالك)، "لما عُرف عنه من تمسكه بالسنّة، ومحاربة البدعة، وتشبثه التام بآثار الصحابة والتابعين، واستجماعه أدوات الإمامة. وهذا ما دفع الناس إلى أن يقدّروا علمه، وينقادوا لفكره، ويقتنعوا أن مذهبه أولى بالاقتداء والاتباع"، كما يقول الدكتور عمر الجيدي، في دراسة منشورة في مجلة "دعوة الحق"، ع 223.

يضاف إلى ما سبق، يتابع الجيدي، أن اتّباعه الصارم لنصوص الكتاب والسنّة، واعتماده القياس الواضح، ما من مسألة عُرضت عليه إلا والتمس لها حلاً شرعياً، فإذا لم يجد اعتذر عن الإفتاء والحكم، واكتفى بجملته الأثيرة: "لا أدري".

يحضر اسم درّاس كأحد من حسموا في انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي. فما هي أهمية "مدوّنة سحنون" التي أدخلها؟ وما هي مكانته بين أعلام المالكية حتى أصبح يُنظر إليه اليوم كأحد أولياء فاس؟

وهناك من يردّ ذلك إلى ملائمة المذهب لطبيعة المغاربة، ذلك أنه عمليّ يعتدّ بالواقع، ويأخذ بأعراف الناس وعاداتهم، ففقهه عملي أكثر منه نظري، يتمشى مع طبيعة الفطرة في بساطتها ووضوحها، من دون تكلف أو تعقيد، وأهل المغرب يميلون إلى البساطة والوضوح، ومن أنصار هذا الرأي ابن خلدون في تاريخه الذي يزاوج بين بيئة المدينة وطبيعة أهل بلاد المغرب البدوية، ورحلة المغاربة إلى الحجاز غالباً لأداء مناسك الحج والعمرة والزيارة، وأيضاً دعم الحكام من الملوك والسلاطين للمذهب المالكي، وحمل الناس عليه، كما يذكر محمد بن حسن شرحبيلي، في كتابه "تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي".

لكن هناك أسباباً أقوى تعود إلى قوة رجال المذهب وجلالة المنتسبين إليه من فطاحلة الفقهاء؛ فبقدر ما يكون أتباع المذهب أقوياء متضلعين في العلوم، ولهم قدرة فائقة على استنباط العلوم بقدر ما شاع المذهب وساد وانتشر. ومناهضة هؤلاء لفقهاء الحنفية، لتساهلهم في إصدار الأحكام الشرعية، كالإفتاء بأن النبيذ حلال مسايرةً للترف الذي كان يعيشه الحكام الأغالبة، والقول بخلق القرآن الذي مال إليه أيضاً الأغالبة وتبعهم فيه بعض فقهاء الأحناف، وهي مسألة امتحن فيها سحنون من المالكية، مما شجع المغاربة وجعلهم يميلون إلى الفقه المالكي، كما يذكر شرحبيلي. كما مال أهل الغرب الإسلامي عن الشافعية؛ لأن الشافعي أخذ عن مالك وخالفه، وعزفوا عن المذهب الحنبلي؛ لأنه كان يأخذ بالخبر الضعيف، ويقدّمه على القياس، وفقاً لما يذكره الجيدي.

أثر الرحلات في انتشار المالكية

لعبت رحلات علماء جامعة القرويين التي تأسست سنة 245 للهجرة، دوراً مهماً في نشر المذهب المالكي وترسيخ وجوده في المغرب، وكذلك بثّه في بلاد إسلامية أخرى، كما شكلت بما حملته من تجارب ومعارف رصيداً معرفياً وتلاقحاً فكرياً رفع من المكانة العلمية للجامعة وفقهائها الرحالة.

 يذكر عبد الهادي التازي، في كتابه "جامع القرويين"، أنه "قد كان الرحالة المغاربة إلى المشرق أوفر عدداً من المشارقة الذين يؤمّون المغرب، للحج أولاً، ولبعد المغرب عن الصروف والظروف التي استهدف لها المشرق باستمرار".

ويتابع قائلاً في بواعث هذه الرحلات وأسبابها: "والرحلة إلى تلك البلاد كانت في البداية تأتي عفواً من جانب طائفة من الناس تاقت نفوسهم إلى العتبات المقدسة، ثم أمست منظمةً تتم في مواكب رسمية وبعثات دبلوماسية، تحمل معها عيون المخطوطات لتأتي بدلاً منها بنفائس الكتب. فلم تكن الرحلات مقتصرةً على الزيارة ولكنها تتعداها إلى الاحتكاك بمختلف الأفكار، مما يكون له الأثر الكبير على الجو الثقافي في البلاد".

ولعل الدافع الأقوى لتلك الرحلات عند علماء القرويين، بالإضافة إلى الحج، الرغبة في الرسوخ في العلم والتمكّن منه واتصال السند بالشيوخ، وإلى هذا أشار ابن خلدون في مقدمته حيث قال: "فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، وتصحح معارفه وتميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم، وهذا لمن يسّر الله عليه طرق العلم والهداية، فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال".

ولذلك تُعدّ الرحلات التي قام بها علماء القرويين أحد أهم الأسباب في نشر المذهب المالكي في الغرب الإسلامي وتعزيزه، وقد أكد ابن خلدون على هذا السبب إذ قال: "وأمّا مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في غيرهم إلاّ أنّهم لم يقلّدوا غيره إلا في القليل؛ لما أنّ رحلتهم كانت غالباً إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك بن أنس، وشيوخه من قبله، وتلاميذه من بعده، فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلّدوه دون غيرهم ممن لم تصل إليهم طريقته".

"رحلة (الحج)  كانت في البداية تأتي عفواً من جانب طائفة من الناس تاقت نفوسهم إلى العتبات المقدسة، ثم أمست منظمةً تتم في مواكب رسمية وبعثات دبلوماسية، تحمل معها عيون المخطوطات لتأتي بدلاً منها بنفائس الكتب"

وأما عن الدور الذي لعبه هؤلاء الرحالة من القرويين في نشر المالكية في أرجاء المغرب، فيذكر ابن فرحون في كتابه "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب"، "الذين رحلوا إلى الأندلس والقيروان والحجاز والعراق ومصر قصد أخذ العلم والتعمق فيه، والانفتاح على أساليب ومناهج متنوعة للتأليف والتدريس، ولما عادوا إلى المغرب بدأوا في نشر المذهب المالكي وتثبيته والحكم به في الفتوى والقضاء، وعملوا على تأسيس مدارس علمية تعنى بدارسة الفقه المالكي وتعليمه وشرح مؤلفاته وتفسير متونه، ومن هؤلاء أمثال: درّاس بن إسماعيل (357هـ) الذي يعود الفضل إليه في إدخال المدوّنة إلى المغرب وفي تأسيس مدرسة ‘فاس’ في أوائل القرن الرابع الهجري. وكانت تشد إليه الرحلة في وقته، سمع من شيوخ الأندلس، والقيروان والإسكندرية".

مدوّنة سحنون الكبرى... عماد المالكية المغاربية

تنسب المدوّنة الشهيرة إلى الإمام سحنون، وهو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي الحمصي الأصل، القيرواني، المالكي، قاضي القيروان، الملقب بسحنون المولود سنة (160هـ/ 854م).

تلقى أول علومه في الكتاتيب في القيروان على يد شيوخها، ولما كبر واشتد ساعده، درس على أبيه وكبار مشايخ إفريقيا ومنهم علي بن زياد الذي عني به ودرس له موطأ الإمام مالك بن أنس، ثم نصحه بالهجرة إلى المشرق على عادة أهل المغرب لاكتساب العلوم الشرعية، كما يرد في "ترتيب المدارك" للقاضي ابن عياض.

رحل إلى المشرق طالباً للعلم سنة 188 هجرية، فزار مصر والشام والحجاز ثم عاد إلى القيروان سنة 191، وعمل على نشر المذهب المالكي ليصبح بذلك المذهب الأكثر انتشاراً في إفريقيا والأندلس. تولى القضاء سنة 234 هـ/ 848م حتى وفاته في رجب سنة 240هـ، ودُفن في القيروان.

المدوّنة هي إحدى "أمهات الكتب" في المالكية، وثانيها بالأهمية بعد الموطأ، ثم تأتي الواضحة والعتبية وأخيراً الموازية لأبي المواز

تُعدّ المدوّنة من أشهر مؤلفاته والتي جمع فيها مسائل الفقه على مذهب مالك بن أنس، وأصل "المدوّنة" أسئلة، سألها أسد بن الفرات لابن القاسم، فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيراً، وأسقط ثم رتّبها سحنون وبوّبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته.

المدوّنة هي إحدى "أمهات الكتب" في المالكية، وثانيها بالأهمية بعد الموطأ، ثم تأتي الواضحة والعتبية وأخيراً الموازية لأبي المواز. و"تميزت المدوّنة الكبرى بسهولة الأسلوب، وحسن تنسيق الألفاظ ورصانة العبارات حيث رتبت ترتيباً، وصنفت إلى أبواب وفصول، فأصبحت المرجع الأساسي للمذهب المالكي مثلها مثل الموطأ"، كما يؤكد الباحث علي العايدي في أحد مقالاته.

وفي ذلك يقول سحنون: "عليكم بالمدوّنة فإنها كلام رجل صالح وروايته". وكان يقول: "إن المدوّنة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن تجزي في الصلاة من غيرها ولا تجزي غيرها عنها"، كما يورد القاضي ابن عياض في المصدر السابق.

وقال عنها الوليد بن رشد: "أصل علم المالكيين، وهي مقدمة على غيرها بعد موطأ مالك رحمه الله". ويقول عنها القاضي ابن عبد الرفيع التونسي: "المدونة آجل كتب المذهب من إملاء ابن القاسم آجل تلامذة الإمام مالك"، كما يورد عزب.

لقيت مدوّنة سحنون انتشاراً واسعاً، ما أدى إلى تأليف شروحات وكتب تختصر مضامينها، ومما يدل على مكانتها الكبيرة، كما يورد العايدي، ما جاء على لسان المقري في "نفح الطيب"، بقوله: "ولقد كان الولاة يشترطون لتولية القاضي أن يكون مستظهراً للمدوّنة، كما لا يسمح للفقيه بلبس القلنسوة وصعود المنبر إذا لم يكن يحفظ المدونة".

أبو ميمونة المحدّث

مما لا شك فيه أن أبا ميمونة درّاس بن إسماعيل المتوفى سنة 357 للهجرة، يكتسب مكانةً كبيرةً في التاريخ الفكري للمغرب المبكر. وتعود هذه المكانة لكونه أحد أهم الدارسين والفقهاء الذين ارتحلوا صوب المشرق، واكتسبوا علومه، وممن ساهموا بشكل كبير في نشر المذهب المالكي في بلاد المغرب في القرن الرابع الهجري.

بحسب الباحث المغربي إبراهيم بن الصديقي، فإنه يقال عن أبي ميمونة درَّاس بن إسماعيل الجراوي، لشدة ولعه بالدرس والحفظ، و"هو من أهل فاس، كما اتفق على ذلك جميع مترجميه، ولكنهم لم يذكروا سنة ولادته. سمع من شيوخ بلده، ودخل الأندلس فسمع من شيوخها، وتردد وجوده فيها طالباً ومجاهداً". كما يذكر ابن الفرضي في كتابه "تاريخ علماء الأندلس"، قائلاً: "فكان متردداً في الثغر".

ويقول ابن الفرضي أيضاً: "كان فقيهاً حافظاً للرأي على مذهب أبي مالك" و"كان من حفّاظ المغرب من أهل الفضل والدين ممن له الإمامة بمذهب مالك وأصحابه". ويعدّ عدد من العلماء أنه أول من أدخل مذهب مالك إلى المغرب بعد أن كان أهله على مذهب الكوفيين والزيدية. وقال الشيخ الإمام مخلوف في "شجرة النور الزكية": "وهو أول من أدخل مدوّنة سحنون مدينة فاس، وبه اشتهر مذهب مالك هناك".

كانت لدرّاس صولات وجولات في القيروان ومناظرات مع علمائها وصلت في بعض الأحيان إلى المواجهة

يظهر أنه نال من هذا التردد بين فاس والأندلس علماً كثيراً وحصل على مسموعات ورايات متقنة لكتب العلم، فيذكر عبد الله كنون في مؤلفه "النبوغ المغربي"، قائلاً: "رحل إلى الحج فدخل القيروان ونزل على الإمام أبي محمد بن أبي زيد، وسمع من علمائها كأبي بكر بن اللباد وغيره، ثم دخل مصر وسمع من قاضي الإسكندرية على ابن أبي مطر، كتاب الإمام المالكي: محمد ابن ألمواز". ويتابع كنون: "وبعد قفوله من الحج دخل القيروان مرةً أخرى حيث مكث بها مدةً روى فيها مسموعاته في المشرق، ثم عاد إلى فاس فبقي متردداً بينها وبين الأندلس التي حدَّث فيها أيضاً وسمع منه بعض علمائه كعبدوس بن محمد الثغري أبي الفرج، وخلف ابن أبي جعفر وغيرهما".

قال القاضي عياض: "وأراه رحل لبلدنا (أي سبتة) فقد حدّث عنه أقوام من كبارهم، كأبي عبد الله بن محمد بن علي بن الشيخ، وأخيه حسن بن علي وعمر بن ميمون بن بكر القيسي وحمود بن غالب الهمذاني وغيرهم". وقد أثنى عليه عدد من العلماء، فنقل القاضي عياض عن أبي بكر المالكي قوله: "كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين". وعن أبي الوليد الباجي قوله: "كان شيخاً صالحاً"، وعن أبي عبد الله بن عتاب قوله: "كان يعرف بأبي ميمونة المحدّث"، وفقاً لما يورده مخلوف في شجرة النور.

تقدم أن درّاس دخل مدينة القيروان مرتين، عند ذهابه إلى الحج وعند رجوعه منه، وكان ينزل ضيفاً على الإمام ابن أبي زيد الذي توثقت علاقته به إلى حد كبير، حتى أن محمداً بن جعفر بن إدريس الكتاني صاحب "سلوة الأنفاس"، ذكر حكايةً ضعيفةً لا يعلم مدى حقيقتها، لكنها تدلّ على مدى ما كان راسخاً في أذهان الناس من صلات وثيقة بين الرجلين، فقد قال "يُحكى أن بن أبي زيد القيرواني قدم فاساً لزيارته فوجده قد توفّي في ذلك اليوم، فحضر جنازته وأقام بقبره ثلاثة أيام، وكان ذلك سبب زيارة القبور في فاس، ولما أراد الرحيل إلى بلده أنشد:

قف بالمقابر للتـوديع يا حادي

فإن في جوفها قلبي وأكبادي

وقد كانت لدرّاس صولات وجولات في القيروان ومناظرات مع علمائها وصلت في بعض الأحيان إلى المواجهة، وقد نقل القاضي عياض عن أبي بكر المالكي قوله عن درّاس: "ولما طرأ إلى القيروان أطلع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى كان يقال: ليس في وقته أحفظ منه. وظهر تقصيره بعلماء القيروان وشفوفه على كثير منهم. وكان من أحفظ أهل زمانه بمذهب مالك".

ويروي القاضي ابن عياض في المصدر السابق عن بعض أصحاب أبي بكر بن اللباد، قوله: "كنت يوماً جالساً في مجلس أبي بكر بن اللباد، وأبو ميمونة يقرأ عليه الموطأ، فتواقعا في الحديث، فخافه فيه شيخنا، وقال أبو ميمونة: كتابي هذا قرأته بفاس والأندلس، فأمر أبو بكر بإخراج موطأ ابن وهب وكتب كثيرة حتى تقرر عندهم حقيقة الحرف الذي اختلفوا فيه، فلما نظر أبو بكر إلى الكتب والرزم قد حلت، ضاق وقال لأبي ميمونة: يا هذا فيك استقصاء".

تطورت المواجهة بينهما إلى أن قال أبو بكر: "قم عنا ولا تغش لي مجلساً"، ودام التنافر بينهما مدة ثم سمح له أبو بكر بالجلوس في حلقته نتيجة وساطة، ولكنه بقي -مع ذلك- غير منبسط إليه مما جعل درّاساً يشكو إلى بعض أصحابه، وقد بقي التنافر موجوداً بين الرجلين حتى خففه عامل الزمن الذي أصلح بينهما، وكما جاء في ترتيب المدارك للقاضي ابن عياض نقلاً عن أبي بكر اللباد، قوله: "فما طالت مدة حتى كان إذا دخل أبو ميمونة إلى أبي بكر يقول له: يا أبا ميمونة اشكرنا في صالح دعائك".

وكما يظهر في "السّلوة" أنه مكث في القيروان في دخلته الثانية مدةً أسمع فيها ما حمله في رحلته من كتب وروايات ومنها كتاب ابن المواز. ومما يدل على مكانته العلمية ودقته في المسائل أنه حين بنى مسجده في فاس التي توفي فيها، حيث لا زال ينسب إليه إلى الآن والذي يُعد أقوم مساجد فاس القديمة قبلةً.

وأما قبره فيقع في باب الجيزيين المعروف بباب الحمراء، فقد قام بتجديده السلطان المتوكل أبو عنان المريني، وجعل عليه رخامةً منقوشةً باسمه وتاريخ موته، وهو يُعدّ اليوم من أولياء المدينة وغدت قبّته مزاراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard