ألكسندر دوما... كاتب الروائع الأدبية في خدمة الاستعمار الفرنسي في تونس

الخميس 23 يونيو 202203:44 م

في فيلم Django Unchained للمخرج الأمريكي كوينتين تارانتينو، يقف الطبيب الجرماني شولتز أمام المكتبة الفاخرة في قصر بائع العبيد المُقاتلين، كالفين كاندي، الذي اختار اسم أحد أفضل مقاتليه من بين شخصيات "الفرسان الثلاثة"، لألكسندر دوما.

وقبل ذلك، على طاولة العشاء، كان كاندي قد قدّم تشريحاً لجمجمة "عبدٍ" أسود، يحتفظ بها في صندوق خاص. كان خطاباً شديد العُنصريّة، ومكثفاً بكل التيمات التي يحاول أن يصوّرها الفيلم عن العنصريّة وجذورها التاريخيّة والفكريّة.

في تلك اللقطة، وأمام المكتبة الجميلة والضخمة، وقف طبيب الأسنان وصياد الجوائز الأنيق والمثقّف، وفي لحظة متوترة من أحداث الفيلم، ليصدمَ كاندي العنصري الذي يحتقر السود، ولكنه، في الوقت نفسه، يحب ألكسندر دوما، قائلاً:  "ألكسندر دوما أسود".

كانت اللقطة، بالنسبة إلي، هي الأكثر إبهاراً في الفيلم المشحون بكل ما هو مبهر وصادم. أبدع تارنتينو في نحتها في سياق البناء الكلّي للأحداث والحوارات.  

صغيراً، في طفولتي، كنت محظوظاً بقراءة أعمال ألكسندر دوما، وأعتقد أنّ قصّة "الفرسان الثلاثة" (Les trois mousquetaires)، تبدو كجزء بديهي من طفولة التلامذة التونسيين في تسعينيات القرن الماضي. قليل من الحظ وكثير من البداهة جعلاها في طريقي. كما قرأتُ أيضاً عمله الشهير عن "الكونت مونتي كريستو"، وكم أحببته. غير أنّي لم أكن أفهم حينها عمق القصّة الفعلي وذاتيّتها وعلاقتها بما قيل لاحقاً بأنّها تترجم جزءاً من تاريخه العائلي وثأره -عبرها- لأبيه الجنرال البونابارتي الأسود البشرة.

حين تقرأ لألكسندر دوما، ذلك الروائي الغزير الإنتاج، بلغته البسيطة ومخياله الواسع وأسلوبه الممتع والساحر واللذيذ، لا يُمكنك إلا أن تُحبّه وتحبّ عوالمه الروائية. وحين تتعمّق أكثر في سيرته وشخصيته، تزداد انبهاراً، بشخصيّة مركبة ومعقّدة واستثنائيّة. رجلٌ من خميرة خاصة، ومن مصعد اجتماعي فرنسي استثنائي، محبٌّ لكل ما هو ممتع في الحياة، متذوّق باهر للمتعة. نرجسيٌّ وطريف ومغامر وطفوليٌّ ومتعالٍ وشره للحياة. ولكنه يشتغلُ ويكتب كطاحونة لا تتوقّف. دوما هو بكل بساطة واحدٌ من أشهر الأدباء الفرنسيين عبر التاريخ، ومن أكثرهم إنتاجاً.

قبل سنوات، عثرتُ في كتاب "إيالة تونس في عهد المشير أحمد باشا باي"، على إحالاتٍ مهمّة إلى كتاب دوّن فيه ألكسندر دُوما مذكّرات رحلةٍ قام بها إلى تونس في منتصف القرن التاسع عشر. كانت الإحالات مهمةً جداً لما تعكسه من قوّة رصد عند هذا الأخير لتفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد في تلك الفترة.

ذلك الكتاب الممتع، الذي حصلتُ عليه بعد ذلك، والمعنون  بـ"Le véloce" أي "السَّريع: طنجة والجزائر وتونس"، يحمل مادةً ثريّةً جداً بالقصص والحكايات والتوثيق لمشاهد الحياة في تلك الفترة. وهو من الأعمال المغمورة وغير المعروفة من بين أعمال ألكسندر دوما الغزيرة جداً، لأنّه ليس عملاً أدبياً بقدر ما هو مذكّرات عن رحلة، أو حكاية سفر. مُتعة الكتاب، وأهميّته أيضاً، تتلخّص في تلك القصص البسيطة والغنيّة بالتفاصيل التي تصوّر حياة التونسيين في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتنقل مشاهد استثنائيّةً من أروقة الحكم وإدارة البلاد، وصوراً عن الحياة السياسية والعسكريّة والاجتماعية آنذاك. خاصةً أنّ فصوله صيغت في الأصل كرسائل إلى صديقة باريسية، بكل ما في خطاب الرسائل من أسلوب قصصي ممتع وحميمي وتفصيلي.


كتاب "السريع"، أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية

رحلة وكتاب... ودور استعماري لدوما

في عام 1846، كان باي تونس أحمد باشا باي، يقوم بزيارته التاريخيّة إلى فرنسا. تلك الرّحلة رافقه فيها المُصلح والوزير أحمد بن أبي الضّياف، وذكر بعض تفاصيلها في كتابه الشهير "إتحاف أهل الزّمان"، وفي الوقت نفسه كانت ترسو على سواحل تونس الباخرة الفرنسيّة "فيلوس" (السّريع)، تُقلّ فوقها ألكسندر دوما (الأب) وابنه واثنين من أصدقائه الرسّامين.

كان دوما قادماً من الجزائر، حيث كان من المفترض أن يبقى فيها مدّةً طويلةً، لكن بسبب انشغال حاكم الجزائر الفرنسي بجولة في الجنوب الصحراوي، قرّر دوما تقصير مدّة إقامته والتوجّه إلى تونس، لزيارة آثار قرطاج وخاصةً ضريح لويس التاسع الذي توفّي في تلك الهضبة المُطلّة على المتوسّط متأثراً بوباء الطاعون سنة 1270 ميلادية.

في عام 1830، احتلّت فرنسا الجزائر. وطوال عقود بعد ذلك، ظلّت تبحث عن ترسيخ حضورها في ذلك البلد الشمال إفريقي، أولاً، ثمّ العمل، ثانياً، على التوسّع في الأقطار المجاورة، في إطار المشروع الأوروبي الشامل لتقاسم رقعة نفوذ "الرّجل المريض" (الإمبراطورية العثمانيّة). وضمن هذا السياق بالذّات، جاءت رحلة ألكسندر دوما إلى الجزائر ثمّ إلى تونس.

كانت رحلة ألكسندر دوما تلك، بتكليف رسمي من الحكومة الفرنسيّة، وبتكلفة ماديّة باهظة جداً خلّفت نقاشات واسعة وجدلاً في البرلمان الفرنسي. فقد وضعت وزارة التربية الفرنسيّة تلك الباخرة "فيلوس" على ذمّة دوما من أجل السّفر إلى الجزائر، والكتابة عن ذلك البلد بهدف تشجيع الفرنسيين على السّفر والاستيطان هناك.

يقول المؤرّخ والدبلوماسي التونسي الأسبق، محمد فريد الشريف، في مقدّمة كتابه "رحلة ألكسندر دوما في تونس 1846"، الذي خصّصه لترجمة الجزء المتعلّق بتونس من كتاب دوما المذكور: "الرّحلة البحريّة للجزائر المحتلّة سنة 1830 ومنها إلى تونس التي قام بها ألكسندر دوما على متن باخرة عسكريّة بتكاليف باهظة والتي كانت مثيرةً للجدل حتى داخل البرلمان الفرنسي، تثير الشبهات حيث أنها تمّت أكثر من ثلاثين سنةً قبل الحماية الفرنسيّة لتونس 1818، وكأنها بعثة -مخابراتيّة- تدرسُ عن كثبٍ 'أحوال الرعيّة' وقابليّتها للاحتلال الفرنسي" (ص8).

في الحقيقة، لا تبدو الرّحلة "وكأنّها بعثة مخابرتية"، بل هي فعلياً كذلك. فـ"دُوق مونبوبيسيي" الذي كان أحد الفاعلين وإخوته في استعمار الجزائر، والذي موّل جزءاً من تكاليف رحلة ألكسندر دوما هذه، كانت أهدافه واضحةً وصريحةً، حين قال: "السيّد دوما يكتب مجلّدين أو ثلاثة، حول هذا البلد الرّائع. ومن بين ثلاثة ملايين قارئ، يمكنه أن يمنح لخمسين أو ستّين ألفاً، نكهة الجزائر".

وهكذا يتجلّى واضحاً أنّ رحلة ألكسندر دوما عبر باخرة "فيلوس" الحكومية، ليست أكثر من مهمّة رسميّة استعماريّة، وظّف فيها قلمه وكتاباته لخدمة مشروع ترسيخ الاستيطان الفرنسي في الجزائر، والتمهيد لفتح المجال أمام الاستعمار الفرنسي نحو تونس.

مشاهد تونسية من القرن التاسع عشر

أهميّة هذا الكتاب، وبغضِّ النّظر عن دوافعه الفعليّة، هو أنّه يقدّم لنا مشاهد متنوّعةً وثريّةً جداً من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في تونس في منتصف القرن التاسع عشر. تلك الفترة من تاريخ تونس الحديث شديدة الأهميّة، إذ شهدت بداية حركة الإصلاح والتحديث مع عهد المشير أحمد باشا باي الذي قام بإلغاء العبوديّة وتعصير كبير للجيش وتَوْنسة نسبيّة لبيروقراطية الدّولة التي كانت حكرًا على المماليك، ورسّخ بشكل كبير استقلالية تونس عن "الباب العالي" التركي.

وعلى خلاف ما يكرّسه التاريخي الرسمي عن التعصير الذي قاده المشير أحمد باي على صعيد الجيش، فإن ألكسندر دوما، ينقل لنا مشاهد أخرى كاريكاتوريّة عن هيئة الجنود التونسيين، يعلّق بعدها قائلاً: "وقد أدهشنا كثيراً منظر الجنود التونسيون لأنّ الباي معروف بأنّه رجل حداثي فقد أراد أن تقع حراسته بجيشٍ شبيه بالجيوش التي لدينا" (الشريف ص 19).

تحدّث دوما بقصص كثيرة، طريفة وممتعة، عن تونس القرن التاسع من كافة جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية، عن اليهود وعن القضاء وعن حياة القصور ومشاهد المدينة العتيقة والكلاب السائبة وعن المرأة العربيّة وقصصٍ غراميّة كثيرة وعن أساليب الحكم وإدارة البلاد، وعن الأولياء الصالحين وطقوس الزيارة، وعن علاقة التونسيين بالمرابطين وحضور الصالحين في الثقافة التونسيّة، "والأولياء الصالحون يبرؤون بعض الأمراض ويخصبون النساء العاقرات ويضاعفون أعداد القطيع وهذه المعجزات تتمّ إما بالصلوات أو باللّمس" (الشريف ص 98).

كما حظي ألكسندر دوما في تونس، باستقبالٍ من باي الأمحال. وهذا المنصب في التاريخ السياسي التونسي يشغله ولي العهد، الذي يقوم حتى تسلّمه منصب الباي بقيادة "المَحلّة" العسكريّة التي تتحرّك مرتين في السنة لجمع المجبى (ضرائب تساوي عشر المحاصيل الفلاحيّة)، من الأهالي في الجهات الداخلية للبلاد.

نقل لنا ألكسندر دوما صوراً مميزةً عن كواليس الحكم في البلاد، وعن البايات الحاكمين، وعن شخصياتهم وبعض جوانبهم المجهولة. وتحدّث بإعجاب عن الباي الحاكم المُشير أحمد باشا باي (الذي يزور فرنسا في ذلك الوقت)، وهو أحد أهم الحكّام في تاريخ تونس الحديث، بسبب ما خلّفه من إصلاحات، إذ وصفه بأنّه "رجل شهم وهو مثيل القيصر"، كاشفاً عن جانب خفي في سيرة هذا الباي الشّهير، قائلاً: "عندما يضطر إلى إصدار حكمٍ بالإعدام وهو أمر نادرٌ، تأخذهُ الحُمّى ويبتعدُ من مكان تنفيذ الحكم لأنه يشعرُ بأنّه لو بقي في مكان قريب من ذلك لما استطاع إلاّ أن يعفو على المحكوم عليه".

يصوّر لنا دوما كذلك طقوس الإعدام في تونس، في تلك الفترة، ويعرض لنا صوراً من سير العمليات القضائيّة، خاصةً تلك التي يكون الباي قاضياً فيها. كما يعرض مشاهد استثنائيّةً من أنواع العقوبات التي يتعرّض لها المجرمون، وكيفيّة التعامل معهم وتنفيذ الأحكام في حقهم.

كما وصف لنا ألكسندر دوما باستفاضة ضريح القديس لويس التاسع، وكل الظروف التي أحاطت بوفاته في هضبة قرطاج، ثمّ قصّة تشييد ضريحه الشّهير. مقدّماً وصفاً دقيقاً للمكان الذي شيّدته له فرنسا بعد قرون، في القرن التاسع عشر. وقد أُعجب كثيراً بالنّقوش الموجودة في ذلك الضريح، فسأل الحارس الذي هو من "قدماء الجيش الفرنسي"، "عمن صنع هذه النّقوش؟" فأجاب: هي لفنّانٍ تونسي اسمه "يونس" (الشريف، ص126).

دُوما "يحمل" تونس إلى قصره

في تلك الفترة، وبالتوازي مع هذه الرحلة، كان ألكسندر دوما، قد أصبح واحد من أشهر الأدباء الفرنسيين وكانت أعماله تدرُّ عليه أموالاً طائلةً، وكان، منذ العام 1844، يبني قصره الشّهير في شمال فرنسا، الذي سمّاه "قصر مونتي كريستو"، على اسم روايته الشّهيرة التي حققت نجاحاً كبيراً.

أعجب دوما كثيراً بالنّمط الموريسكي للنّقوش التي رآها في تونس، وخاصةً في ضريح القدّيس لويس التاسع، فبحث عن ذلك الفنّان، الذي خصّه بفصل كامل في الكتاب: "الحاج يونس". ويصفُ لنا بدقّة مسار المفاوضات معه وشروط سفره إلى فرنسا مصحوباً بابنه ذي الاثني عشر عاماً.


تقرير لقناة تي إف 1 الفرنسية عن قصر مونتي كريستو

كان دوما يحتاج إلى موافقة الباي (ولي العهد) الذي كان يُشرف "الحاج يونس" على تجهيز قبره، الذي سيرقد فيه بعد وفاته. وفي النّهاية تمكّن من إقناع الباي واصطحب معه الحاج يونس الذي أتقن إنجاز المهمّة في طابق من القصر المهيب، زاده جماليّةً وسحراً. ومن هناك كتب "الحاج يونس" بعد أربعة أشهر من الإقامة في فرنسا، إلى زوجته في تونس: "أنا فرحان كثيراً".

في فيلم تارنتينو الذي ذكرناه سابقاً، سأل الطبيب الألماني مضيّفه كالفين كاندي عن موقف ألكسندر دوما من مشهد سماحه للكلاب الجائعة بالتهام أحد العبيد، فأجاب بأنه لو رفض ذلك فسيكون مجرّد "فرنسيٍّ ضعيف القلب". الطبيب الألماني (الذي يمثّل روح التنوير الأوروبي في الفيلم)، أكّد له أنّ ذلك المشهد ما كان ليعجبه أبداً. وفي الحقيقة، قد لا تعجب العنصريّة ألكسندر دوما، الذي كان هو نفسه ضحيّتها في الكثير من لحظات حياته، ولكننا متأكّدون الآن من أنّه كان معجباً بالاستعمار الفرنسي، بل خادماً له!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard