"نصر المظلومين وله كرامات خارقة"... مهرجان "سيدي علي الحطاب" في تونس

السبت 28 مايو 202204:25 م

الحاجّة مليكة، سبعينية تتحدّر من محافظة سليانة، ترقص بكل خفة على موسيقى السطنبالي، وتحرّك رأسها يمنةً ويسرةً في تناغم وانسجام تامّين مع الإيقاع حتى يعييها التعب وتخور قواها، لترتمي فوق كرسي محاذٍ لها وتشرب كوباً من الماء يُذهب عنها الظمأ. حدثتنا قائلةً: "سِيدِي علي الحطّاب رجل صالح متدين عُرف بحبه لفعل الخير، وأفنى عمره في تعليم أصول الدين وفي نصرة المظلوم وإيواء اليتيم والمحتاج. زاوية سيدي علي الحطاب هي مقصدي وأجدادي منذ سنين. هذه الزاوية كلها بركة وروحانيات. نشعل فيها الشموع ونذكر الله ونطلب المغفرة وتحقيق الأماني. كنت أتردد على المقام بشكل دائم، لكن الكبر والوهن وطول المسافة حالت دون ذلك. أتاح المهرجان لنا الفرصة للمكوث هنا طوال أيام ومواكبة الجو الاحتفالي الذي أضفى بهجةً على قلوبنا وعلى المنطقة بأكملها".


انطلقت يوم 23 أيار/ مايو، فعاليات "مهرجان سيدي علي الحطاب"، بحضور عدد مهم من مريدي هذا "الوليّ الصالح" الذين قدموا من كل أنحاء الجمهورية للتبرك والاحتفاء، ومنهم الحاجة مليكة.

في حديثها إلى رصيف22، تنتقد بحدة كل من يشكّك في بركته، وكل من يعارض عادة زيارة الزوايا وما يرافقها من طقوس تختلف من منطقة إلى أخرى، عادّةً ذلك "جهلاً بتاريخ الأولياء الصالحين الزاخر بالمعجزات".  

الشيخ ومريدوه

أفاد محمد علي العوني، رئيس جمعية مهرجان سيدي علي الحطاب، بأن هذا المهرجان سنوي، وعُقدت هذا العام دورته الرابعة والأربعين عوض السادسة والأربعين، بسبب جائحة كورونا التي حالت دون انعقاده طوال سنتين متتاليتين، كما أشار إلى أن المهرجان يمتد لثلاثة أيام.

زاوية سيدي علي الحطاب هي مقصدي وأجدادي منذ سنين. هذه الزاوية كلها بركة وروحانيات. نشعل فيها الشموع ونذكر الله ونطلب المغفرة وتحقيق الأماني  

لفت محدث رصيف22، إلى أن المهرجان كان يُعقد سابقاً على شكل زردة (الزردة هي احتفال سنوي يجتمع فيه الناس لزيارة مقام الولي يتم خلاله ذبح المواشي مع بعض الطقوس الأخرى)، ولكن تم تطويره ليأخذ بعداً مغاربياً منذ دورته الـ42، من خلال استضافته فِرقاً من الجزائر والمغرب، مشيراً إلى أن المهرجان تتخلله معارض للصناعات التقليدية والمنتوجات الفلاحية وعروض الفروسية، وتشارك فيه جمعيات الرياضات الفردية، كما تؤثث سهراته الفرق "العيساوية" و"القادرية" و"الحضرة".


تُنسب "العيساوية" إلى مؤسسها الأوّل، الشيخ محمد بن عيسى المكناسي، وهي من أبرز الطرق الصوفية وتمتزج فيها فنون الشطح الصوفي بالإنشاد والذكر وتُعتمد لإحياء حلقات الإنشاد والسماع وفي الخرجة العيساوية التي يقوم بها المنتسبون إلى الطريقة العيساوية.

أما "القادرية"، فتنتسب إلى الولي الصالح سيدي عبد القادر الجيلاني، وظهرت في الفضاءات الروحية للمديح داخل الزاوية القادرية، وحظيت بانتشار واسع في تونس، وفي المغرب الكبير، وبكثرة عدد مريديها. أما "الحضرة" فهي ركن مهم في الطريقة الصوفية وتتمثل في مجالس ذكر جماعية للمنتمين إلى الطرق الصوفية، وتقوم فرق الحضرة بتأمين سهرات روحانية صوفية في العديد من المسارح.

تحدث محمد علي العوني، عن خرجة سيدي علي الحطاب التي يقيمها مريدو الولي، وتُحمل فيها الأعلام وتجوب كامل المنطقة المحاذية للمقام، لافتاً إلى أنه لم يتم خلال هذه الدورة استضافة فرق من الخارج خوفاً من موجة كورونا سابعة كانت متوقعةً، وتفادياً لتوقيع اتفاقيات خارجية والإخلال بها.

هناك أطراف سعت بعد الثورة إلى خلق الفتنة ومنع ارتياد المقامات لكن تصدّينا لهم

أشار المتحدث إلى أن المهرجان يستقطب عدداً مهماً من الزوار على المستوى الوطني، وأن الإقبال على زيارة المقام في سائر الأيام شهد تراجعاً حاداً. "في السابق، كان مرتادو المقام يزورونه يومَي الخميس والأحد، للتبرك وإقامة الزردة. حالياً، قلة قليلة تزور المقام. هناك أطراف سعت بعد الثورة إلى خلق الفتنة ومنع ارتياد المقامات لكن تصدّينا لهم. جمعيتنا تسهر على رعاية هذا المقام، وسعينا إلى ترميمه بجهود ذاتية. أبناء الجهة حريصون على الحفاظ على هذا المعلم الذي تجاوز عمره السبعمئة سنة".

من هو "الولي الصالح" علي الحطاب؟

علي الحطاب، هو أبو الحسن علي الأبريقي، لقِّب بالحطّاب نسبةً إلى عمله في جمع الحطب وتقطيعه وبيعه ليؤمّن قوت يومه وعائلته. وُلد في منطقة "شاذلة" في مدينة المرناقية، وتُعرف حالياً باسم سيدي علي الحطاب، حيث يقع مقامه. يُعدّ من أبرز أقطاب التصوّف في تونس الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، وهو حسب "الموسوعة التونسية المفتوحة"، أول أصحاب الولي أبي الحسن الشاذلي. عُرف بزهده وتعبّده وجدّه في طلب المعارف الدينية والعلوم الصوفية، كما عُرف بميله الشديد إلى زيارة مقامات الأولياء، وهو من بين أبرز مؤسسي "الطريقة الشاذلية"، أبرز الطرق الصوفية المنتشرة في النطاق العربي الإسلامي ولديها مريدون عبر العالم.

كانت أمي تشير علينا في كل مرة إلى زيارة مقام سيدي علي الحطاب، وإشعال الشموع والشرب من البئر بنيّة تحقيق ما نتمناه. فعلاً حملت زوجتي بعد فترة وقمت بوعدة

بعد وفاته، أقيم ضريح لعلي الحطّاب وأصبحت الزاوية مقصداً للزوار من كل مكان، كما تم مؤخراً تنظيم مهرجان سنوي يتضمن العديد من العادات والطقوس المتوارثة جيلاً بعد جيل.


مقام الولي سيدي علي الحطاب

في أثناء انتقالنا إلى المقام، التقينا بوكيلة الزاوية التي بيّنت أن مهمة الوكيل تتمثل في السهر على رعاية الزاوية والقيام بشؤون التنظيف والحراسة والاهتمام بزوار المقام في سائر الأيام، وفي المهرجان السنوي، وفي طقس "الوعدة"، وهو عبارة عن ذبح شاة كرامةً لله أو تنفيذاً لنذر وفق تقديرها، ولفتت إلى أنها توارثت هذه المهمة أباً عن جد.

تشير الوكيلة إلى أن الإقبال على زيارة مقام سيدي علي الحطاب للتبرّك به، يتضاءل سنةً تلو أخرى، لأن التونسيين أصبحوا يعتقدون أن زيارة الأولياء الصالحين محرمة شرعاً، لكنها ترى أن تلاوة الفاتحة على الولي وطلب الرحمة له والتبرك به جائزة ولا حرج في ذلك.

لفتت محدثة رصيف22، إلى أن الولي كان يحظى باهتمام أهالي قرية سيدي علي الحطاب والعديد من المدن الأخرى كالمرسى وأريانة وسيدي بوسعيد، فيتوافدون في كل مرة على المقام ويذبحون الخرفان وتؤثث السهرات فرق إنشاد صوفي.

بيّنت الوكيلة أن البيوت الموجودة في المقام كان "سيدي علي الحطاب" يدرّس فيها التلاميذ، لأنه رجل علم.

معتقدات المريدين راسخة

واكب مالك، وهو أربعيني موظف في شركة خاصة وأب لطفلين، العروض الثرية التي يقدّمها المهرجان لضيوفه، وقد تجاوز جميع الحضور وتقدّم برفقة زوجته نحو مقام الولي، وأشعل كل منهما شمعةً، ووضعا بعض الدنانير في إحدى زوايا المقام وسارعا إلى المغادرة.


تكتب أسماء البنات على حائط البئر بالحنّاء بنيّة تيسير الزواج

يؤكد مالك، أنه وزوجته زارا مقام سيدي علي الحطاب مراراً وتكراراً خلال السنوات التي لم يُرزقا فيها بالأطفال، طمعاً في بركته: "لقد كانت أمي تشير علينا في كل مرة إلى زيارة مقام سيدي علي الحطاب، وإشعال الشموع والشرب من البئر بنيّة تحقيق ما نتمناه. فعلاً حملت زوجتي بعد فترة وقمت بوعدة (الوعدة هي تنفيذ نذر للولي تتمثل غالباً في ذبح شاة)، ومنذ ذلك الحين أصبحنا نتردد على المقام سنوياً".

يطلق مريدو سيدي علي الحطاب على البئر الموجودة في بهو المقام اسم "بئر الشفاء"، ويدأب العرسان في هذه المنطقة على الشرب منها والاغتسال بمائها ليكون الزواج مباركاً، حسب اعتقادهم، كما تتم كتابة أسماء البنات الراغبات في الزواج على حائط البئر بالحنّاء بنيّة تيسير الزواج.


كثيرة هي المعتقدات التي يؤمن بها مريدو الولي الصالح علي الحطاب، كما تتردد العديد من القصص حول قدراته الخارقة في تحقيق الأماني والمعجزات، ويتم تداولها جيلاً بعد جيل. وفي المقابل يواكب آخرون فعاليات المهرجان للتمتع بمشاهدة العروض فحسب، ولا يؤمنون يطقوس التبرّك بولي أو بمقام.

ولقد تغنّى التونسيون بالولي "سيدي علي الحطاب"، في الفن الصوفي العتيق، وذُكر الولي علي الحطاب في أغنية "نمدح الأقطاب" التي أداها الفنان لطفي بوشناق، وتقول: نمدح الأقطاب ورجال تونس بالجملة، علي الحطاب والشيخ بابا عبد الله، محرز سلطان، بلحسن وافي الخزنة، سعد الشوشان، بابا قصّار الحلقة، ورجال معاويد، امّالي القبّة المبنيّة، ورقود زغوان، علي عزوز صافي النيّة، ورجال قيروان، صبرا يا مسميّة، ساكنة جمّال، أمّ الزين البهلية، قطّع مالواد، سيدة يا منّوبية".

كما أدى الفنان الشعبي الهادي دنيا، أغنية "الحطّاب"، وتقول كلماتها: "حطاب يا بابا آه يا سيدي عليا... يا قطب الأقطاب دبّر عليا... حطاب يا بابا طولت الغيبة يا ساكن الأبعاد". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard