"الرفاعية" غاضبون... حملة إعلامية أردنية أجبرت أهل الطريقة على هجر طقوسهم

الثلاثاء 21 يونيو 202205:45 م

أثار مقطع فيديو يوثّق لحظة توجه مجموعة متصوفين من أبناء الطريقة الرفاعية العلية، يحملون الرايات، ويضربون العدة، نحو مقامات الصحابة في محافظة الكرك جنوب الأردن، لتأدية طقوس دينية، جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، بالرغم من أنه لم يتم تسجيل أي مخالفة داخل المقامات، فلم تكن تلك الطقوس داخلها، وإنما في الشارع العام، إلا أن الأمر لم يخلُ من اتهامات وأفكار مغلوطة طالتهم. كما تساءل بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن تلك الجماعة وما تفعله وأسئلة أخرى تدور عن معنى تلك الطقوس والرايات التي رُفعت.

الطريقة الرفاعية هي إحدى الطرق السنّية الصوفية، ينتشر أتباعها في العراق ومصر وسوريا والأردن وغرب آسيا، لهم راية خاصة بهم تميّزهم عن بقية الطرق الصوفية، لونها أسود وتُنسب إلى الفقيه الشافعي الأشعري وأحمد بن علي الرفاعي  الملقب بـ"أبو العلمين"، و"شيخ الطرائق"، و"الشيخ الكبير"، و"أستاذ الجماعة"، ولهم زوايا متعددة في محافظات أردنية عدة، منها عمان والعقبة وإربد.

منعاً لإثارة الجدل... لا تُرفع راية ولا تُضرب عدة

خادم الطريقة الرفاعية في الأردن محمد صبيح، يقول لرصيف22: "الهجوم كان مدروساً ومسيساً لتكوين صورة نمطية عن المتصوفين في الأردن، بالرغم من أن الصوفية هي السمة العامة والأعم على الشعب وخاصةً على طلاب العلم".

ويروي الرفاعي تفاصيل ما حدث، ويقول: "خططنا لزيارة مقامات صحابة رسول الله بصورة طبيعية. قمنا بالتجمع وانطلقنا من محافظات عدة كما نفعل في كل مرة، لكننا تفاجأنا بعد مغادرتنا بالهجوم الذي حدث نتيجة انتشار الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، وبناءً عليه قررنا ألا ترفع رايات وألا تُضرب عدة، نحن لا نهدف لإثارة الجدل في المجتمع الأردني".

ويضيف: "بالرغم من أن دائرة الإفتاء هي الجهة الوحيدة المخولة إصدار الفتاوى والتحريم، إلا أن هناك من حرّم ما قمنا به من رفع الرايات وضرب العدة من دون الاستناد إلى أي رأي شرعي". يكمل صبيحي: "ضرب العدة، ذكرها ابن كثير وأقرّها ونشرها صلاح الدين الأيوبي لبثّ البشارات والأمل في العالم الإسلامي، واستخدمناها للتعبير عن سعادتنا بزيارة مقامات الصحابة".

وأشار إلى أن ضرب العدة موروث في الطرق الصوفية، ويسمونه تشريفات زيارة. وعن الرايات يقول: "لكل الطرق الصوفية  راية خاصة تمثل زواياهم، تنتسب إلى أقطاب وأعلام هذه الأمة، وهي بمثابة لوغو ليتعرف علينا الناس، لا لنثير التساؤل والجدل، وهي ليس لها أثر في السلوك الصوفي". 

"لا علاقة للتصوف بإيران، أو بأي دولة كما يدّعي البعض. نحن تصوّفنا في الأردن وراية الأردن تجمعنا جميعاً، لا يوجد لنا أي منهج سياسي أو حزبي، فالصوفية أبعد ما تكون عن السياسة لأننا نعدّها نجاسةً فهي لا تقدم ولا تؤخر في تزكية النفس وتربيتها، لذا لا نتدخل فيها"

محمد الجنيدي، أحد أبناء الصوفية الشاذلية، يقول لرصيف22: "طقس رفع الرايات وضرب العدة، لفئة قليلة من الصوفية في الأردن، أما عن زيارة المقامات فهي طقس محبب إلى جميعنا وامتثال للنبي عليه الصلاة والسلام، إذ نقوم بالدعاء عندهم وليس الدعاء لهم كما يعتقد البعض".

ما العلاقة بين الصوفية والشيعة؟

"نحن واضحون كل الوضوح. لسنا ضد أحد، نريد أن يعرف الناس أن التصوف هو العلم بهذا الدين، وأنه مبني على علم ومعرفة وفهم وليس كما يتهمونه بالتشيع أو السلفية"؛ بهذه العبارة بدأ الشيخ الصوفي مصطفى أبو رمان، حديثه إلى رصيف22، حول الأفكار المغلوطة والصورة النمطية التي تواجه الصوفية في الأردن.

ويضيف: "الناس تجهل الصوفية ومظاهرها ولا تفرق بينها وبين التشيّع، إذ بات الأمر مشتبكاً للكثيرين مما جعلهم يعادون كلا المدرستين، إذ عدّوا التشيع خروجاً عن الملة، والتصوف بدعةً وقنطرةً نحو التشيع وهذا الكلام غير صحيح".

يشرح أبو رمان: "يجب أن نفرّق بين مدرسة التشيع والتصوف. الشيعة هم أتباع أهل البيت وهو ما أقرّته رسالة عمان ورسائل الأزهر قبل مئات السنين، أما التصوف فهو سلوك وتزكية، مستمد من الشريعة الإسلامية، وهو مقام الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ترَه فهو يراك، ومن يقل غير ذلك يعِش في شطحات وخرافات".

ويضيف: في كل مدرسة دينية هناك تطرف يعود سببه إلى التعصب للمذهب أو الدين، وهذا منبوذ في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة. يقول تعالى "وجادلهم بالتي هي أحسن". وهذا ينطبق على أهل الكتاب فكيف إذاً بأصحاب الدين ذاته؟ الحوار العقلاني هو الحل لمواجهة كل هذا التعنت".

ويكمل: "التصوف في الأردن لديه زوايا لكل المدارس الصوفية، منها الشاذلية والقادرية والنقشبندية والتيجانية والخلوتية والرفاعية، كل منهم يمثل منهج التزكية والتربية لأتباعه".

أفكار مغلوطة وصور نمطية تحاصر الصوفية

وعن السياسة يقول أبو رمان: "لا علاقة للتصوف بإيران، أو بأي دولة كما يدّعي البعض. نحن تصوّفنا في الأردن وراية الأردن تجمعنا جميعاً، لا يوجد لنا أي منهج سياسي أو حزبي، فالصوفية أبعد ما تكون عن السياسة لأننا نعدّها نجاسةً فهي لا تقدم ولا تؤخر في تزكية النفس وتربيتها، لذا لا نتدخل فيها".

الباحث والمختص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي، محمد أبو رمان، في حديثه إلى رصيف22، يقول: "لطالما كان التصوف يقدّم الوجه الآخر المناقض للتشيع. الخلط بينهما أمر غير منطقي يرتبط بعدم معرفة عميقة لدى أغلب الناس بهذه المدارس، فالإمام الغزالي أحد رموز التصوف في التاريخ الإسلامي، وهو قام بدور مهم في الجمع ما بين التصوف والفقه السني، وكان لديه موقف حاد من التشيع في تلك المرحلة، وكتب كتاباً بعنوان ‘فضائح الباطنية والمستظهرين’".

ويضيف أبو رمان: "المجتمع الأردني كوّن صورةً نمطيةً عن الصوفية كان يطغى عليها ارتباطها بالسلفية التي ازدادت خلال العقود السابقة بالرغم من الصراع التاريخي بين المدرستين ووصم الصوفية بالبدع والخرافات، وهذا يرتبط بموجة الحداثة إذ ينظر إلى السلوكيات الروحانية بوصفها أموراً خارج النسق العقلي". ويشير إلى أنه في العقود الماضية انتشرت المدرسة السلفية بصورة كبيرة وساهمت في تكريس صورة نمطية عن الصوفية فيها الكثير من الاختزال.

يقول محمد أبو رمان، وهو مؤلف كتاب "أسرار الطريق الصوفي"، إن العديد من السلوكيات والممارسات الصادرة من بعض الطرق الصوفية ساهمت في تكريس هذه الصور النمطية، وفي تقديم مفاهيم خطأ عن التصوف، وهي غير مستساغة لدى الرأي العام مثل كسر العادات كخدع الطعن وضرب السيوف أو الرقص المبالغ فيه. هذه السلوكيات لا يتم تقييدها بفئة معينة وأنما يتم تعميمها على الصوفية بشكل عام، وهذا يتفق مع ما تحدث به مصطفى أبو رمان إذ يقول: "لا ندعي أن كل الصوفية على حق، وأن كل أهل مدرسة على حق، ولكن الحق في كتاب الله وسنّة نبيّه، كما قال الإمام الجنيد: طريقنا هذا مشيّد بالكتاب والسنّة".

"نحن واضحون كل الوضوح. لسنا ضد أحد، نريد أن يعرف الناس أن التصوف هو العلم بهذا الدين، وأنه مبني على علم ومعرفة وفهم وليس كما يتهمونه بالتشيع أو السلفية"

ويكمل: "التحدي الأكبر يكمن في إعادة شرح الصوفية بشكل معاصر وقوي قادر على اجتذاب الناس وتقديمها بلغة مختلفة عن الطريقة تقليدية. هناك من ساهم وتميز في هذا الجانب في الأردن، لكن الطريق طويل".

حركة التصوف في الأردن

شهد التصوف في الأردن خلال العقود الماضية مرحلة اندثار وانكماش. أما اليوم، فهو يدخل مرحلة بداية الانتشار لأسباب متعددة يعزوها الباحث والكاتب أبو رمان، إلى أن "نسبةً كبيرةً من الشباب الأردني يبحثون عن الجانب الروحاني في الدين، الذي يمنح السلام الداخلي والتصوف يحقق لهم ذلك كونه مدرسةً عميقةً في هذا الجانب، طورت الكثير من المفاهيم الروحانية وربما الدليل على ذلك انتشار أقوال الصوفيين وعباراتهم، مثل جلال الدين الرومي وابن عربي، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي".

في هذا الصدد، يقول الباحث في الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية، لرصيف22: "جذور التصوف في الأردن قديمة وخلال السنوات الماضية بدأنا نشهد أن هناك نوعاً من النشاط بدعم حكومي، إذ يمارس الصوفيون أنشطةً علنيةً لم نكن نشهدها قبل الربيع العربي".

ويضيف أبو هنية: "تلقّت الصوفية ضربات عدة مثل تكوين صورة مهيمنة وارتباطها تاريخياً بالبدع والخرافات وعبادة الأولياء وتقديسهم والتوسل لهم مما أضعف حركتها وانتشارها، إلا أن غياب الطموح السياسي لهذه الجماعة ساهم في تغيير المشهد كلياً، إذ باتت الرؤية العالمية تنظر إليها على أنها ظاهرة فريدة زهدية ضد العنف والإرهاب".

وعن مأسسة الصوفية في الأردن، يقول أبو هنية: "سعت الحكومة الأردنية إلى توحيد الطرق الصوفية من خلال إنشاء مجلس أعلى يجمعهم على غرار مصر، إلا أن الخلافات الداخلية بين الطرق حالت دون إنشائه، كما تتبنى الأردن التصوف وطرقه، وتتجه سياسات الدولة نحو دعمه بصورة أكبر من بقية الجماعات الإسلامية".

يختلف الكثيرون في موقفهم تجاه الصوفية؛ تارةً ينعتونها بالسلفية وتارةً بـ"وليدة الشيعة"، بالرغم من هذا ما زال الصوفيون متمسكين برأيهم وإيمانهم بأنها أحد أركان الدين الثلاثة، إذ يهتم التصوف بتحقيق مقام الإحسان، ومقام التربية والسلوك والتفاني في عبادة الله والزهد في الثروة والمظاهر وغيرها من أوجه السعادة، ليعزز من ذلك موقف مدارس إسلامية عدة أبرزها الأزهر الشريف إذ لم تقتصر مواقف تلك المدارس على الاعتراف بها، إنما امتدت إلى نشرها وتعليمها، إيماناً منها بأن التصوف سلوك وتربية وتزكية وهو مقام الإحسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard