عن هموم الصحافيين المصريين التي لا يراها السيد رئيس التحرير

الاثنين 20 يونيو 202204:54 م

يجلس الصحافي المصري الذي سنسميه "س"، ويراجع الخيارات المتاحة أمامه ليعبر أزمة المصروفات المدرسية التي ستنفجر في وجهه بعد شهرين، خاصةً أنه يعلم أن القرض الحسن الذي تقدمه نقابة الصحافيين المصريين لأعضائها، لا يمكنه الحصول عليه قريباً، لتقدّم 600 شخص بطلب الحصول عليه قبله. وحين يحاول الهروب من هذه المأساة بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي، يصطدم بمقال للكاتب الصحافي عماد الدين حسين، عضو مجلس الشيوخ، ورئيس تحرير صحيفة الشروق المصرية، يصف مجهوده المضني في محاولة التوفيق بين العمل في أكثر من جريدة ومنصة، بأنه أشبه "بزواج سيدة من رجلين"، ويعيب عليه عمله في أكثر من صحيفة في الوقت ذاته.

"س" ليس حالةً وحيدةً بين جموع الصحافيين في مصر، وعماد الدين حسين ليس حالةً فريدةً أيضاً، فالاثنان على طرفي نقيض، الأول يعمل في عدد من الصحف، ويحاول كل يوم تعلم مهارات جديدة تؤهله إلى العمل في وظائف إضافية، أما الثاني فتخرّج من الكلية ليعمل في صحيفة قومية قبل أن ينتقل إلى صحيفة البيان الإماراتية، قبل أن يستقر في جريدة الشروق براتب في أسوأ الأحوال أفضل بـ20 مرةً من راتب "س" إذا عمل في الجريدة نفسها.

خلق مقال رئيس تحرير جريدة الشروق حالةً من التوحد بين قطاع عريض من الصحافيين، لأن هذا القطاع يعيش ظروفاً لم يرَ جيل عماد الدين حسين مثلها في بلاط صاحبة الجلالة، الجيل الذي يحتاج إلى وظائف عدة ليس لرفاهة الادّخار، وإنما فقط لعيش حياة "مستورة" بلغة المصريين

خلق مقال رئيس تحرير جريدة الشروق حالةً من التوحد بين قطاع عريض من الصحافيين، لأن هذا القطاع يعيش ظروفاً لم يرَ جيل عماد الدين حسين مثلها في بلاط صاحبة الجلالة، الجيل الذي يحتاج إلى وظائف عدة ليس لرفاهة الادّخار، وإنما فقط لعيش حياة "مستورة" بلغة المصريين.

يروي عضو مجلس الشيوخ في مقاله موقفاً جمعه بشاب في مقتبل حياته المهنية، وصف اللقاء بأنه أصابه بـ"شلل مؤقت في جهازه الإدراكي"، لأنه طلب منه أن يلتحق بالعمل بجريدة الشروق بالرغم من عمله في جريدة أخرى، وأن الشاب أخبره بأنه لن يترك عمله في الجريدة الأخرى التي يرى حسين أنها تقدم له راتباً جيداً، من دون توضيح ما الحد الذي يعدّ عنده الراتب جيداً.

لم يتوقف رئيس التحرير في وصف الجريمة التي تجري في الصحافة المصرية، إذ يلوم الصحافيين على العمل في صحف عدة أو العمل كمعدّين في الفضائيات المصرية، متناسياً أن أفضل راتب يمكن أن يحصل عليه محرر في مصر في أحسن الصحف المصرية لن يزيد عن خمسة آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل 268 دولاراً.

يتناسى أيضاً الصحافي الكبير أن أغلب الصحافيين يحصلون على رواتب لا تزيد عن 2،000 جنيه، أي ما يزيد قليلاً عن 100 دولار، وهو الرقم الذي لا يستطيع شاب في مقتبل عمره أن يعيش به، فكيف إذا فكر في الزواج أو الإنجاب؟

لم يتوقف رئيس التحرير في وصف الجريمة التي تجري في الصحافة المصرية، إذ يلوم الصحافيين على العمل في صحف عدة أو العمل كمعدّين في الفضائيات المصرية، متناسياً أن أفضل راتب يمكن أن يحصل عليه محرر في مصر في أحسن الصحف المصرية لن يزيد عن خمسة آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل 268 دولاراً


لم يتطرق الكاتب الكبير وعضو مجلس الشيوخ إلى أسباب تدهور الصحافة المصرية، وما يعانيه الصحافيون من أوضاع اقتصادية بالغة السوء، واكتفى بالإشارة إلى أن الظروف الاقتصادية في معظم المؤسسات الإعلامية شديدة الصعوبة، فإذا كانت الظروف في المؤسسات شديدة الصعوبة، فما بالك بما يعانيه العاملون في تلك المؤسسات، وتأثير الأوضاع الاقتصادية الصعبة على حياتهم.

لم يتطرق الكاتب الكبير إلى أسباب تدهور الصحافة المصرية، وما يعانيه الصحافيون من أوضاع اقتصادية بالغة السوء، واكتفى بالإشارة إلى أن الظروف الاقتصادية في معظم المؤسسات الإعلامية شديدة الصعوبة.

عقب نشر المقال، هاجم العديد من الصحافيين، عماد الدين حسين. بعضهم أشاروا إلى كتابته مقالات مدفوعةً في عدد من المنصات العربية والدولية، والبعض الآخر أشاروا إلى راتبه من مجلس الشيوخ، وآخرون أشاروا إلى الوضع السيئ في جريدة الشروق، وأن العديد من الصحافيين العاملين في الجريدة لا يتقاضون الحد الأدنى للرواتب، بل يحصلون على رواتبهم على دفعات، لكن السؤال الأهم الذي تم طرحه على استحياء هو: لماذا لم نسمع عن مقترح تقدم به الزميل في مجلس الشيوخ لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمهنة، أو اقتراح يتم تقديمه للحوار الوطني المزمع عقده لزيادة هامش الحرية مما يفتح باب المنافسة بين الصحف ويحقق لها انتشاراً من جديد، أو مقترح لإنقاذ الصحافة المطبوعة مع تدهور نسب التوزيع؟

رأى الكاتب الكبير أن هناك "فساداً بدأ حينما كان البعض يعمل في قناة فضائية، ويريد أن يتعاون مع صحيفة أو موقع إلكتروني والحجة أنه سيقدم أعمالاً مختلفةً للقناة"، من دون أن يخبرنا ما وجه الفساد في ذلك التصرف، وما هو الفارق بين العمل في قناة فضائية وبين ما كان شائعاً في فترة شبابه من عمل الصحافيين في مكاتب الصحف العربية في مصر إلى جانب عملهم في جرائدهم؟

قال رئيس التحرير إن المحرر لا ينبغي ألا يعمل إلا في مكان واحد، لكنه تجاهل أن المحرر يتمنى أن يعمل في مكان واحد من دون أن يكون مضطراً إلى قضاء 18 ساعةً من يومه بعيداً عن بيته، أو أن يُترك تحت رحمة المحاسب في المنصات التي تعمل بأسلوب المحرر المستقل ليرسل له مستحقاته المتأخرة، وأن يعيش حياةً طبيعيةً. وظيفة واحدة براتب يكفي للحد الأدنى من الحياة الكريمة، له ولأبنائه.

لم يكتفِ الكاتب بهجومه على الشاب الذي كل جريمته طلبه العمل في الصحيفة التي يترأس تحريرها، وإنما اتخذ منها باباً ليهاجم الأجيال الجديدة في المهنة، وقال: "إن عدداً من الأجيال الجديدة لم يعد يعرف القواعد المهنية السليمة، وأهمية المنافسة، وأهمية الولاء والإخلاص لمكان العمل الرئيسي"، وكأن هذا الولاء كُتب على جيل الشباب فقط، بينما الكاتب نفسه والذي يرأس تحرير صحيفة يمكنه من خلالها أن يكتب ما يشاء كونه المسؤول الأول عن سياستها التحريرية، يكتب مقالات لأماكن أخرى.

قال رئيس التحرير إن المحرر لا ينبغي ألا يعمل إلا في مكان واحد، لكنه تجاهل أن المحرر يتمنى أن يعمل في مكان واحد من دون أن يكون مضطراً إلى قضاء 18 ساعةً من يومه بعيداً عن بيته، أو أن يُترك تحت رحمة المحاسب في المنصات التي تعمل بأسلوب المحرر المستقل ليرسل له مستحقاته المتأخرة، وأن يعيش حياةً طبيعيةً

لم يحالف الأجيال الحالية من الصحافيين في مصر، حظ أن تتاح لهم نصف الفرص التي أتيحت لجيل حسين، سواء في العمل أو الترقي أو المرتبات، أو حتى في الأوضاع الاقتصادية، فحين حصل الكاتب الكبير على أول راتب له لا أعتقد أنه لم يكن يساوي أكثر من 10 كيلو من اللحم.

ومع موجة الغضب، حاول حسين في مقال آخر أمس الأحد، تدارك الأمر بعد حالة الهجوم الشديد، وليته ما فعل، فقد قال إن انتقاده للزميل كان بدافع أن الزميل "يريد أن يسلم الأخبار والمواد الصحافية نفسها للمكانين في وقت واحد"، وهو رد كان أفضل منه السكوت، فما كتبه في مقاله الأول بتاريخ السبت 17 حزيران/ يونيو، لم يتطرق فيه من قريب أو بعيد إلى المواد الصحافية، ولا حتى طبيعة عمل الزميل الذي هاجم من خلاله الأجيال الجديدة من الصحافيين، وإنما تحدث عن مبدأ الجمع بين مكانين ووصف العمل حتى في قناة فضائية بجوار العمل الصحافي بأنها نوع من الفساد.

لم يحالف الأجيال الحالية من الصحافيين في مصر، حظ أن تتاح لهم نصف الفرص التي أتيحت لجيل حسين، سواء في العمل أو الترقي أو المرتبات، أو حتى في الأوضاع الاقتصادية.

وعلل كتابة مقال آخر للرد على مهاجميه، قائلاً: "من الواضح أن فكرتي لم تصل لهم بوضوح"، بالرغم من أن ما كتبه في مقال السبت كان واضحاً، وهو رفض مبدأ الجمع بين مكانين متنافسين، بالرغم من أنه وفي المقال نفسه تحدث عن تراجع هامش المنافسة والحريات.

في مقاله الثاني، سرد حسين علينا أنه لطالما هاجم الحكومة والمؤسسات الصحافية بأنها جعلت الصحافيين يدورون في طاحونة لا ترحم، وهو الرد الذي لا نفهمه، فالزميل لم يتناول في مقاله الأول وضع الصحافيين، بل تباهى فقط بأنه حين عاد من جريدة البيان الاماراتية للعمل في الشروق، وقّع شرطاً بعدم العمل بعد ترك الجريدة لمدة سنة، ولم يناقش أوضاع الصحافيين أنفسهم.

رد الكاتب الصحافي في مقاله الثاني كان أفضل منه الصمت، إذ قال: "لا أؤمن بالصراخ والفوضى"، بينما في مقاله الأول كتب بالنص: "هذه الكلمات صرخة ربما يقرأها بعض الشباب المبتدئين في المهنة، فيعودون إلى القواعد الأصلية"، فإذا كان الكاتب الكبير لا يؤمن بالصراخ، فلماذا يوجه كلماته إلى المبتدئين في المهنة كونها صرخةً؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard