شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"شمسي" ملكة العرب التي تخلّت عن عرشها لتضمن سلامة شعبها

"شمسي" ملكة العرب التي تخلّت عن عرشها لتضمن سلامة شعبها

ثقافة

الخميس 7 يوليو 202211:00 ص

يحكي أحد النقوش الآشورية العتيقة عن إشراف قوة عسكرية آشورية على إعادة مجموعة من الهاربين العرب إلى ملكة العرب شمسي، لكن هؤلاء الهاربين فرّوا قبل تسليمهم إليها.

ذلك النقش المبتور الذي وصلنا غير كاملٍ فلم نعرف صاحبه ولا تاريخ كتابته، يكشف عن فصلٍ تاريخي مجهول من التعاون بين مملكة عربية صغيرة والإمبراطورية الآشورية التي ظهرت ما بين سنة 934 ق.م. وسنة 609 ق.م، وحكمت مساحات شاسعة من العالم القديم، وباتت دولته العُظمى.

تجاورت الإمبراطورية الآشورية مع عددٍ كبيرٍ من الممالك العربية ذات التاريخ شبه المجهول والذي تربّع على عرشها النساء في بعض الأحيان، منهن تلك الملكة شمسي التي وصفها النقش بـ"ملكة العرب"، فمَن هي؟

خلفت الملكة العربية الشهيرة زبيبة وحكمت اتحاداً من القبائل العربية التي استقرت شمال الجزيرة العربية بزعامة قبيلة قيدار... قصة الملكة شمسي 

أميرة وادي الجندل

هي ثاني أشهر ملكات العرب المذكورات في النقوش العربية بعد الملكة زنوبيا ذائعة الصيت. حكمت شمسي مملكتها لفترة طويلة نسبيّاً كان يُمكن أن تستمرَّ لفترةٍ أطول لولا وقوعها في صدام مع المملكة الآشورية، صدام انتهى بهزيمتها في موقعة عسكرية، إلا أنها لم تتخلى عن دورها كملكة وحاكمة. فقامت في هزيمتها، وفاوضت الملك المنتصر، وقايضت نفوذها كملكة مستقلّة مقابل ضمان سلامة مُلكها وشعبها.

تقول هند محمد التركي في كتابها الملكات العربيات قبل الإسلام.. دراسة في التاريخ السياسي (2008)، وهو  بحث قدمته للحصول على درجة الماجستير من قسم التاريخ، في كلية الآداب للبنات بالرياض،  إننا لا نعرف الكثير عن موقع تلك المملكة غير أنها تقع في منطقة الهلال الخصيب، وهي مساحة جغرافية شاسعة تشمل الشام وشمال الجزيرة والعراق، لكن هنداً رجّحت في دراستها أن شمسي حكمت مملكة امتدّ نفوذها من جنوب سوريا في بادية الشام وحوران حتى وادي السرحان في شمال الجزيرة العربية، وكانت تتوفّر فيها مصادر المياه والزراعة، كما كانت تقع على خطوط التجارة الاستراتيجية بين الجزيرة والشام.

فيما كانت مها بديع، أستاذة التاريخ القديم، في أطروحتها الدور الاقتصادي للملكة شمسي (2019) أكثر تحديداً، بعدما أكدت أن عاصمة مُلك شمسي كانت واحة أدوماتو (دومة الجندل التي تقع شمال غرب الجزيرة العربية)، وأنها حكمت لمدة قاربت الـ18 عاماً، ما كفل لها معاصرة اثنين من أقوى ملوك الإمبراطورية الآشورية، هما بلاسر الثالث (745-727 ق.م) وابنه سرجون الثاني (722-705 ق.م)، اللذان عاشت الدولة خلال حُكمهما عهداً ذهبيّاً غير مسبوق من القوة والتوسّع.

بحسب أطروحة مها بديع، فإن شمسي خلفت الملكة العربية الشهيرة زبيبة، وحكمت اتحاداً من القبائل العربية التي استقرت شمال الجزيرة العربية بزعامة قبيلة قيدار، والتي شكّلت حجر زاوية هذا الاتحاد من خلال سيطرتها على واحة أدوماتو، والتي نعرفها حالياً بِاسم "دومة الجندل".

تقول مها: "حكمت شمسي منطقة ذات نفوذ واسع امتدت من حدود مصر الشرقية إلى حدود دولة يهوذا، إلا أن نفوذها على تلك المنطقة لم يكن مستقراً، إذ كان يمتد ويتقلّص حسب الأوضاع السياسية المُحيطة بها".

وبالمقارنة مع عصور لاحقة، عن طبيعة النظام السياسي الذي حكم مملكة شمسي وقتها، فإن بعض الباحثين، مثل الدكتور لطفي عبدالوهاب يحيى، افترض أن مُسمّى "ملكة" الوارد في النصوص لا يعني ملكية بمفهومها التقليدي، فهي ليست زوجة ملك، لا تملك عرشاً ولا بلاطاً فاخراً ولا تلبس تاجاً. وإنما هو تعبير عن التوجهات الروحية والدينية للتجمعات العربية القبلية وقتها، ما لا يجعلها ملكة بالمعنى المفهوم، وإنما هي في منصب أقرب ما يكون إلى الكهانة، كفل لها قدراً كبيراً من النفوذ على قومها وقبيلتها، باعتبارها تمتلك قوى دينية وشفافية سماوية تُبيح لها اتّخاذ القرارات الصعبة.

الملكة التي حنثت بقسمها

بفضل الموارد الطبيعة لدولتها وموقعها الاستراتيجي على خطوط التجارة، تمتّعت مملكة شمسي بقوة كافية دفعت صاحبتها لإعلان التمرُّد على سُلطة الآشوريين، ويظهر حجم الغضب الآشوري عليها من تلك الفِعلة عبر تسميتها بـ"الملكة التي حنثت بقسمها" في نقوشهم.

وتشرح هند، أن علاقة مهادنة استراتيجية قامت بين الآشوريين والعرب قامت على دفع العرب الإتاوة مقابل التزام الآشوريين بعدم التعرُّض للقوافل القادمة من جنوب الجزيرة، وأقسمت الملكة شمسي بِاسم الإلهة "شمش" بأن تخضع بالولاء لدولة آشور وأن تدفع الإتاوة في موعدها.

لكن لم تُحافظ شمسي (اشتُق اسمها من الشمس، إحدى معبودات العرب الوثنية المؤنثة) على تعهداتها طويلاً، فستحنث بقسمها وترفع راية التمرُّد وتُعلن رفضها دفع أي إتاوة للآشوريين.

وتعتبر هند أن الملكة شمسي أقدمت على هذه الخطوة في إطار حرصها على رعاية مصالح قومها الاقتصادية والمحافظة على خيرات بلادها واستقلالها عبر استغلال أي فرصة مواتية للتخلُّص من هيمنة حكام الدولة الآشورية.

لم تُقدم شمسي على هذه الخطوة اعتباطاً، وإنما فعلتها نتيجة قراءة سياسية جيدة للتغيرات الواقعة في المنطقة، وهي نشأة قوة سياسية جديدة في المنطقة شملت حلفاً ضد ممالك دمشق وفلسطين، اعتبرت شمسي أنه سيشكّل قوة مضادة للآشوريين فألقت براية طاعتهم إلى الأرض.

للأسف، ستكون حسابات شمسي خاطئة بعدما تمكّن الملك الآشوري "تغلث فلاسر الثالث" من سحق هذا التحالف الآرامي، إثر معارك دامية حاصر على إثرها دمشق لمدة 45 يوماً "صبغ فيها مياه الأنهار بالدماء" من كثرة ما قتل من أعدائه، حسبما وصف الملك الآشوري انتصاره لاحقاً.

تقول مها بديع، إن الأقاليم الشمالية من شبه الجزيرة العربية، تحديداً وادي الرافدين وسوريا، مثّلت أهمية كُبرى لملوك آشور، لذا كانوا يحرصون على إبقاء تلك المنطقة تحت إشرافهم دائماً من أجل تحقيق أحلامهم في ضم سواحل البحر المتوسط الشرقية إلى دولتهم. ولتحقيق هذا الغرض، جرّد الآشوريون الحملات العسكرية، الواحدة تلو الأخرى، لتذكير القبائل العربية بفروض الطاعة والولاء بحقّ المملكة الآشورية، وهو ما يظهر من المنحوتات الآشورية التي أظهرت الزعماء العرب وهم يقبّلون أرجل ملوك نينوى (العاصمة) رافعين إليهم الهدايا النفيسة.

من ضمن هذه النقوش واحد يحكي كيف أن الإمبراطور أمر الجيش الآشوري بشنِّ غارة تأديبية عليها، حاولت شمسي درء خطرها عبر خوض معركة ضدها مستعينة بكل ما تملكه من قوة. سرعان ما تبيّن مدى كارثية هذا القرار، بعدما نالت هزيمة سريعة وساحقة في المعركة التي جرت في منطقة صحراوية تُجاور جبلاً اسمه جبل ساقوري، وهو ما فشل الباحثون في تحديد مكانه حالياً، وإن قدّروا أنه ربما يكون قريباً من حدود جبل الدروز، الذي يقع حالياً جنوب سوريا.

لا نعرف تحديداً متى وقع هذا التمرّد لكنه -وفقاً لما قرّره عبدالمعطي سمسم في دراسته عن العلاقات السياسية بين شمال الجزيرة وبلاد الرافدين  خلال النصف الأول من الألف الأول (2019)- ستكون في حدود عام 735 ق.م، وهي السنة التي شنَّ فيها الملك الآشوري حملة قوية على أعدائه وهزمهم جميعاً.

وحسبما ورد في النصوص الآشورية، فإن خسائر شمسي من تلك المعركة بلغت 9400 رجل و30 ألف جمل و10 آلاف أسير، وهو ما دفعها إلى الهرب بعيداً عن موقع المعركة إلى الصحراء "بلاد العطش".

وتضيف إليانور بينيت الحاصلة على الدكتوراه في علم الآشوريات، في كتابها "ملكات العرب في العصر الآشوري الحديث"، أن النقوش الآشورية لم تقدّم إشارة صريحة لهزيمة شمسي أو سمسي، إذا أردنا التزام الدقّة الحرفية في نقل الاسم كما ورد في النصوص، لكننا يُمكننا اشتمام ذلك من خلال السطور التي حكت عن الهدايا التي أرسلتها شمسي إلى الملك الآشوري "تغلث فلاسر الثالث" عقب تدمير معسكرها، وشملت فصائل فاخرة من الإبل العربي.

يقول النصّ الآشوري متحدثاً بِاسم الملك: "أصيبت شمسي بالدهشة من أسلحتي الجبّارة، فأحضرت الجمال إلى آشور، هديةً لي، بعدها قُمت بتعيين ممثّل عنّي عليها و10 آلاف جندي".

وهكذا نفهم من حيثيات النقش الآشوري،(آخذين بعين الاعتبار وجهة نظره المتحيزة لآشور) أن الملكة شمسي حال تعرّض معسكرها للتدمير، هربت فوق جملها -مصطحبة عددٍ وافرٍ من الهدايا- إلى الملك الآشوري فلاسر، حيث دخلت عليه حافية، منكوشة الشعر، وعرضت عليه السلام وساومته من أجل الحفاظ على سلامة شعبها ومُلكها، وهو ما وافق عليه بشرط وضع حامية تابعة له جوار المملكة، وتعيين نائب عنه يُراقب كل قرار تتّخذه الملكة.

وهكذا خرجت شمسي من هذه المعركة بأقل الخسائر بعد أن حافظت على عرشها على أن تكون تابعة للإمبراطورية الآشورية.

هذه اللحظة المريرة خلّدها نقش آشوري أظهر امرأة عربية (إشارة إلى الملكة شمسي) تضع خماراً فوق رأسها وتحمل في يدها اليمني جرّة من ممتلكات قومها، أما بيدها اليُسرى فهي تسحب أربع جمال قوية.

لماذا أهدت شمسي، ملكة العرب، إبلاً لملوك آشور رغم الذهب والفضة والثراء الذي نعمت به مملكتها؟ 

وبحسب إليانور، فإن انتقاء شمسي للإبل هدية لم يأتِ عبثاً، وإنما جاء الاختيار دقيقاً ودليلاً على دراسة شمسي الجيدة لنفسية لملوك آشور الذين عُرف عنهم غرامهم بِاقتناء الحيوانات الغريبة عليهم، لدرجة إقامتهم حدائق حيوانات خاصة بهم، وبالطبع فإن فلاسر لم يكن استثناء أبداً، لذا فإن الإبل كانت أنسب هدية إلى قلبه.

ما بعد الهزيمة

بحسب التاريخ الآشوري، فإن تعيين حامية ومُراقِب على أعمال الملكة شمس جلب السلام والهدوء إلى المنطقة وأوجد ظروفاً مستقرة لممارسة التجارة، وكما حكت النقوش، فإن الملكة شمسي استمرّت في الحُكم وقدّمت الجزية بِاستمرار لحكّام آشور حتى عهد سرجون الثاني.

ويبدو أن مملكتها تمتّعت بقدرٍ كبير من الثراء مكّنها من القُدرة على تزويد الملك الآشوري بعددٍ هائل من السلع الكمالية هي -كما توردها النقوش- "غبار ذهب من الجبال، أحجار كريمة، عاج الفيل، عطريات فاخرة، خيول، إبل، أبقار".

دلّت هذه الوفرة في الأبقار والجمال على تمتّع سكان مملكة شمسي بقدرٍ من التحضّر، تتألّف من تركيبة اجتماعية ثنائية من البدو والحضر، وهو ما يؤكده رسمٍ عتيق على إفريز يعود إلى عصر الملك فلاسر الثالث، يجسّد لحظات احتلاله مدينة عربية مسوّرة، عبارة عن واحة من أشجار النخيل وسط الصحراء، هي مقر حُكم شمسي.

أشار أحد النصوص إلى امتلاك دولة شمسي معابد أُقيمت فيها تماثيل للآلهة، قام على هذه المعابد كهنة امتلكوا ثروة كبيرة، مكّنتهم من امتلاك جِرار صُنعت من الذهب والفضة

كما أن أحد النصوص أشار إلى امتلاك دولة شمسي معابد أُقيمت فيها تماثيل للآلهة، قام على هذه المعابد كهنة امتلكوا ثروة كبيرة، مكّنتهم من امتلاك جِرار صُنعت من الذهب والفضة، اشترط ملك آشور أن تُرسل إليه ضمن بنود الإتاوة.

وتلاحظ بينيت خلال قراءتها لقائمة الجزية التي حفظها التاريخ لنا أن اسم شمسي كُتب جنباً إلى جنب مع اسم الحاكم الآشوري المُعيّن من الملك لمراقبتها، وهو ما يُعدّ اعترافاً ضمنياً بمكانتها كحاكمة لتلك المنطقة.

كما لُوحِظ أن شمسي هي الملكة العربية الوحيدة التي ورد اسمها في وثيقة إدارية تحمل تعليمات الإمبراطوري الآشوري لقادته، وهو ما يثبت الاستقلالية النسبية التي ظلّت تتمتّع بها في حُكم سرجون، خاصةً عند وضعها في نفس المصاف مع دولٍ عريقة كمصر، دفعت له الجزية بِانتظام، وهو ما تُظهره إحدى حوليات الملك سرجون التي قال فيها: "لقد تسلّمتُ الجزية من فرعون مصر ومن شمسي ملكة العرب".

وهنا يجب الإشارة إلى أنه في عهد سرجون الثاني لم يُنصّ على وقوع أي معركة بينه وبين شمسي، ما يدلُّ على أن تلك القائمة الطويلة من الهدايا المطهّمة كانت بادرة حُسن نيّة لمواصلة العلاقات السلمية بينها وبين قادة آشور، ما يضمن استمرار مُلكها وعدم تعطُّل طُرُق التجارة الخاصة بها، وأنها تعلّمت الدرس غالياً، فلم تُناكف الآشوريين حتى ماتت.

Website by WhiteBeard