الملكة الحزينة حزيمة بنت ناصر... ملكة سورية والعراق

الجمعة 10 ديسمبر 202110:00 ص
Read in English:

Huzaima bint Nasser… The sad Queen of Syria and Iraq


لم تحظَ الشريفة حزيمة بنت ناصر، ملكة سورية والعراق، بذات الاهتمام الذي حظيت به معاصراتها من الملكات، مثل الملكة نازلي، زوجة فؤاد الأول ملك مصر، ولم تطاردها عدسات المصورين وأقلام الصحفيين كما طاردت الملكة فريدة، زوجة الملك فاروق الأولى، أو زوجته الثانية، الملكة ناريمان.

ولم تهتم بها كبرى المجلات الأجنبية كما اهتمت بالملكة نور، زوجة الملك حسين بن طلال، ولم تنشر صورها على أغلفة المجلات كما حصل مع ملكة الأردن الحالية، رانيا العبد الله.

على عكس جميع تلك الملكات، عاشت الملكة حزيمة حياة بسيطة وبعيدة عن الأضواء، على الرغم من أنها زوجة ملك (فيصل الأول) وكنّة ملك (الشريف حسين بن علي) وأم ملك (غازي الأول)، كما كانت شقيقتها التوأم مصباح، ملكة على الأردن وزوجة الملك المؤسس عبد الله بن الحسين.

ولدت الملكة حزيمة في مكة سنة 1885 وعاشت طفولتها وشبابها في مدن الحجاز، وهي بنت الشريف ناصر باشا، ابن عم الشريف حسين. تزوجت من ابنه، الأمير فيصل، سنة 1905، وعاشت معه فترات متقطعة في إسطنبول عند انتخابه نائباً عن مدينة جدة في مجلس "المبعوثان" العثماني سنة 1908.


الملكة حزيمة

وعند إعلان الثورة العربية الكبرى من قبل عمها، الشريف حسين، سنة 1916، عادت إلى الحجاز وبقيت بعيدة عن زوجها حتى دخوله مدينة دمشق، فاتحاً ومحرّراً في 3 تشرين الأول 1918، معلناً انتهاء الحكم التركي في سورية.

لم تحظَ الشريفة حزيمة بنت ناصر، ملكة سورية والعراق، بذات الاهتمام الذي حظيت به معاصراتها من الملكات، مثل الملكة نازلي، زوجة فؤاد الأول ملك مصر، ولم تطاردها عدسات المصورين وأقلام الصحفيين كما طاردت الملكة فريدة، زوجة الملك فاروق الأولى، أو زوجته الثانية، الملكة ناريمان

أبرق فيصل لزوجته وطلب منها أن تأتيه إلى دمشق، التي وصلتها في كانون الثاني 1919. وكانت برفقة بناتها الأميرات عزة ورفيعة وراجحة، وصبي اسمه غازي كان في الخامسة من عمره، الذي أصبح بعد سنوات ثاني ملوك العراق. فيصل لم يكن حاضراً في استقبال أسرته، فقد سافر قبل أيام قليلة إلى فرنسا لحضور مؤتمر الصلح المنعقد في باريس، نيابة عن أبيه.

حزيمة وسيدات دمشق

كانت الأميرة حزيمة في منتصف العقد الثالث من عمرها، وقد ذُهلت بمدى التقدم والرقي الذي وجدته في دمشق، مقارنة مع مكة، من مقاهٍ ومسارح وصحف، منها مطبوعة نسائية تدعى "مجلّة العروس". سكنت في بناء أنيق في منطقة العفيف، خارج أسوار المدينة القديمة، الذي أصبح اليوم مقراً للسفارة الفرنسية في سورية.

بعد أيام من وصولها دمشق، جاء وفد نسائي للترحيب بالأميرة القادمة من الصحراء، مؤلف من زهراء اليوسف، شقيقة أمير الحج الشامي عبد الرحمن باشا اليوسف، وأسماء عيد، زوجة وزير المالية فارس الخوري، ونعمة العمري، حرم جميل الألشي، المعاون العسكري للأمير فيصل.  


الملكة حزيمة

لم تنحن زهراء اليوسف أمام الأميرة حزيمة كما كانت تفعل نساء إسطنبول في حضرة زوجات السلاطين، أو سيدات الحجاز عند دخولهن على حريم بيت الشريف حسين في مكة. ولم تتعامل معها سيدات دمشق على أنها امرأة حاكمة، فلم يكن الدمشقيون يعرفون أي ملكة أو سيدة أولى في تاريخهم.

كل نساء الولاة العثمانيين كنّ غائبات تماماً عن أي ظهور، لا يخرجن من قصورهن بتاتاً، وتوقعت الأميرة حزيمة أن يسري عليها ما سرى على أسلافها من السيدات. وقد تفاجأت بلباس ضيفاتها، فجميعهن كن سافرات الرأس والوجه، وقد زيّنت الحلي أذانهن وكانوا قد صففن شعرهن عند "الماشطات"، كما كانت الكوافيرة تعرف في ذلك الزمان. وكانت حزيمة قد استقبلت ضيوفها بغطاء الرأس التقليدي الذي كانت ترتديه في منزل عمّها في مكة، ظناً منها أنه فرض عين في مدينة عريقة عرفت بقداستها ولقبت بشام "شريف" أيام الحكم التركي.

عاشت الملكة حزيمة حياة بسيطة وبعيدة عن الأضواء، على الرغم من أنها زوجة ملك (فيصل الأول) وكنّة ملك (الشريف حسين بن علي) وأم ملك (غازي الأول)، كما كانت شقيقتها التوأم مصباح، ملكة على الأردن وزوجة الملك المؤسس عبد الله بن الحسين

وتبين لها أن جميع هؤلاء السيدات كنّ متعلمات، يُجدن القراءة والكتابة، وبعضهن يتقن الفرنسية، وأن لهن حياتهن الاجتماعية الخاصة في الأندية والجمعيات، لا تتعارض مع واجباتهن المنزلية والعائلية.

حدثنها عن أنفسهن وعن عائلاتهن وعن مدينتهن، وفتحن لها أبواب بيوتهن وتعاملن مع أسرتها برفق شديد وشفقة، كون إحدى بناتها كانت معوقة، وهي الأميرة رفيعة التي كانت تعاني من شلل كامل ناتج عن سقوطها من يد إحدى الخادمات وهي رضيعة.

أدخلنها على عالم "استقبالات النسوان" الذي كان يُعرف به المجتمع النسائي في دمشق، تحدّد فيه كل سيدة يوماً واحداً في الشهر أو في الأسبوع، لاستقبال الضيوف من السيدات حصراً.

عرّفنها على أسرار مطبخهن الشامي، الذي لم يكن أهل الحجاز يعرفون مثله أبداً، وعلى لعبة "البريدج" وعلى سيجارة "الخانم" المخصصة للنساء، التي كان ينتجها الصناعي المعروف الحاج عثمان الشرباتي. وفي دمشق، خلعت الأميرة حزيمة نقابها، وتعلمت التدخين، وصارت تغار على زوجها أكثر من المعتاد، لأن عدداً من السيدات السوريات كن يترددن باستمرار على مجلسه، وكان شاباً وسيماً، فخافت عليه من سحر الدمشقيات.

فتحت سيدات دمشق للملكة حزيمة أبواب بيوتهن وتعاملن مع أسرتها برفق شديد وشفقة، كون إحدى بناتها كانت معوقة، وهي الأميرة رفيعة التي كانت تعاني من شلل كامل ناتج عن سقوطها من يد إحدى الخادمات وهي رضيعة

وقد حاولت سيدات المجتمع الدمشقي أن يستغلين وجودها بينهن للتوسيع من نفوذهن وحقوقهن. فقد صرن يرسلن لها المعروضات المطالبة بإعطائهن حق الترشح للمناصب العامة في الدولة، وحق الانتخاب، وقد أردن لها أن تمهد لذويهن الطريق للوصول إلى مجتمع عادل لا يفرق بين الرجل والمرأة.

وصارت حزيمة تشارك في "استقبالات النسوان" وقد خصص لها الثلاثاء الأول من كل شهر، يتم فيه جمع سيدات دمشق في دارها، ولكنها ظلّت تعرف بالأميرة حزيمة، ولم تحمل لقب "الملكة" طوال فترة وجودها في سورية، التي امتدت من كانون الثاني 1919 وحتى تموز 1920. ولم تظهر حزيمة مع فيصل في أي مناسبة رسمية، ولا حتى يوم تتويجه ملكاً على سورية في 8 آذار 1920.

ولكن عرش الملك فيصل لم يستمر طويلاً من بعدها، فقد سقط سقوطاً مدوياً إثر مواجهة عسكرية مع الجيش الفرنسي في معركة ميسلون في 24 تموز 1920. فرض الانتداب الفرنسي على سورية، وفي 1 آب 1920 غادر فيصل الأراضي السورية متجهاً إلى أوروبا عبر مدينة حيفا الفلسطينية، للاحتجاج على الطريقة المهينة التي تم إقصاؤه فيها عن سورية.

لم تسافر معه حزيمة إلى أوروبا، بل توجهت مع أولادها إلى الحجاز، حيث ظنّت أن إقامتها ستكون موقتة ريثما يتمكن فيصل من التوصل إلى حل مرضٍ مع الفرنسيين، يبقيه على عرشه. لم تأخذ معها أياً من أمتعتها ولا شيء من ذكرياتها في سورية، ولا حتى ألعاب أطفالها. ولكنها لم تعد أبداً إلى دمشق، وبقيت متنقلة بين مكة والحجاز حتى عام 1924، عندما دعاها الملك فيصل للقدوم إلى بغداد، بعد ثلاث سنوات من تنصيبه ملكاً على العراق.

خصص الملك فيصل لحزيمة وصيفة أولى لمرافقتها والاهتمام بكافة أمورها اليومية، وهي سيدة شركسية تُدعى جوديت بيج، وعيّن زوجة المستشار البريطاني، الليدي كروموليس، مساعدة لها، كما جاء بالبريطانية مس فارلي لتربية الأولاد

المرحلة العراقية

وصلت حزيمة إلى بغداد في يوم 7 كانون الأول 1924، وكان في استقبالها وفد من سيدات العراق، تتقدمهن الصحفية بولينا حسون، صاحبة مجلة "ليلى" وزوجة الصحفي سليم حسون، صاحب جريدة "العالم العربي".

لم يكن في بغداد قصر ملكي يومها، وقد خصّصت وزارة الداخلية منزلاً للأسرة الهاشمية الحاكمة، كان يُعرف بقصر شعشوع، وهو أقرب إلى بناء أنيق من كونه قصراً، بالمقارنة مع القصور الفاخرة التي كانت موجودة في القاهرة يومها.

توفيت الملكة حزيمة بسكتة قلبية يوم 27 آذار 1935، قبل أن تتجاوز الخمسين من عمرها. وقد خرجت لها جنازة رسمية يتقدمها الملك غازي، ودُفنت في المقابر الملكية إلى جانب زوجها

خصص لها الملك فيصل وصيفة أولى لمرافقتها والاهتمام بكافة أمورها اليومية، وهي سيدة شركسية تُدعى جوديت بيج، وعيّن زوجة المستشار البريطاني، الليدي كروموليس، مساعدة لها، كما جاء بالبريطانية مس فارلي لتربية الأولاد، وطلب من صديقته، الكاتبة البريطانية الشهيرة غيرترود بيل، أن تشرف على تعليمهم اللغة الإنكليزية و "إتيكيت" العائلات الحاكمة في بريطانيا، بما في ذلك آداب المائدة وعزف البيانو وتذوق الموسيقى الكلاسيكية. وفي مذكراتها، تصف الكاتبة بيل الأميرة حزيمة، والتي صار اسمها "الملكة حزيمة" من يومها، قائلة: "كانت امرأة خجولة حساسة وذات جاذبية، إلى جانب ما حباها الله من لطف وكرم".

ولكن حزيمة لم تكن تبادل غيرترود بيل نفس مشاعر الود والاحترام، وقد ذاق صدرها من كثرة تدخلاتها بشؤون القصر، ومحاولات فرض هيمنتها على الأولاد، وتحديداً على وليّ العهد الأمير غازي. وفي 9 نيسان 1926 أجبرت حزيمة على مغادرة بيتها مجدداً بسبب فيضان نهر دجلة، الذي ألحق أضراراً بقصر شعشوع وجعله غير قابل للسكن.

انتقلت مع أولادها إلى دار مناحيم دانيال، اليهودي العراقي الذي قدم داره للملك فيصل وأسرته، وظلّت مقيمة فيه حتى إنشاء قصر الزهور، قبل مدة قصيرة من وفاة الملك فيصل في إحدى المستشفيات السويسرية في 8 أيلول 1933.

الملكة الأم

انتقل المُلك فوراً إلى ابنها الوحيد، الذي صار اسمه "الملك غازي الأول" وصارت حزيمة تُعرف من بعدها بلقب "صاحة الجلالة الملكة الأم". ولكنها لم تعش طويلاً من بعدها، وتوفيت بسكتة قلبية يوم 27 آذار 1935، قبل أن تتجاوز الخمسين من عمرها. وقد خرجت لها جنازة رسمية يتقدمها الملك غازي، ودُفنت في المقابر الملكية إلى جانب زوجها.

مع ذلك لم تكن حزيمة سعيدة في العراق، وظلّت طوال حياتها تحنّ إلى العرش السوري، تماماً مثل زوجها. وفي مذكراتها المنشورة في لندن سنة 2002، تقول الأميرة بديعة بنت علي (حفيدة الشريف حسين): "عمي الملك فيصل ظلّ طوال سنوات حياته يتذكر الشّام بالخير، ويعرب عن حبه العميق لها. وتردد بين عائلتنا بأنها ظلت في نفسه لآخر لحظة في حياته، ربما لأن أهل الشّام كانوا أكثر انصياعاً لحكمه من أهل العراق".

وينطبق هذا الكلام على كل من فيصل وحزيمة، والتي كان أشهر أنشطتها في بغداد ترأس مؤتمر الشرقية الذي عقد في العاصمة العراقية سنة 1932. أمّا بقية أيامها فقد قضتها في غرف القصر المغلقة، وخلف جدرانها العالية، لا تشارك إلّا في مناسبات نسائية محدودة.

وتضيف الأميرة بديعة في مذكراتها بأن حزيمة كانت مفرطة في دلالها للملك غازي، على حساب شقيقاته الأميرات، وتحملها مسؤولية ما حل بالأميرة عزة، التي هربت مع عشيقها الإيطالي إلى جزيرة رودس، وتزوجت منه بعد أن ارتدّت عن الإسلام واعتنقت المذهب الأرثوذكسي. ولكن حزيمة ماتت قبل أن ترى هذا الانهيار الحاصل داخل عائلتها الصغيرة، بداية مع "فضيحة" الأميرة عزة، مروراً بمقتل ابنها غازي بحادث سير، قيل إنه مفتعل سنة 1939، وصولاً إلى إعدام حفيدها الوحيد، الملك فيصل الثاني، مع بقية أفراد الأسرة الهاشمية الحاكمة سنة 1958.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard