سيكولوجية الخوف بين الحقيقة و"الهجايص"

الثلاثاء 21 يونيو 202212:36 م

يقول المخرج السينمائي ألفريد هيتشكوك: "الانفجار لا يرعب، إنما انتظار حدوثه". لطالما اتّسمتْ علاقتي بالخوف بالاضطراب، ففي أشد لحظات رغبتي باستدعاء الخوف لم يستجب، غاب مخافة تلبية النداء، وحلّت محلّهُ مشاعر مضطربة غير مفهومة وليست قابلة للتصنيف. تشابكٌ من أحاسيس مهتزة لا يطغى أحدُها على الآخر ولا يحوز أي منها صدرَ الصورة. وفي أشد لحظات احتياجي للتماسك والثبات الانفعالي، هبّ الخوف جاثماً فوق قلبي مترجلاً عن أكتافي طائفاً في كل أرجاء المكان.

تعرضتُ لتجارب عصيبة كثيرة، ولم أشعر بالخوف في خضم التجربة، إنما بعد انتهائها، لعلّ الخوف كان من تكرار حدوثها مرة أخرى. عشتُ الانفجار بصلابة لكنني خشيتُ توابعه. كتب صديقي على جدار الزنزانة التي قضينا فيها سنوات في سجن طره: "الكابوس الذي يخيفك لن يأتي لأنه قد أتى بالفعل!"، ما قد يؤكد مجدداً على حقيقة انقشاع الرعب لحظة حدوثه.

الخوفُ يُنجي من التهلكة

منذ الإنسان العاقلِ الأول والبشرُ يبحثون عن تفسيرات للمعاني المجردة، تفسيرات للمشاعر الإنسانية غير الملموسة، كالحب والكره والبغض والاشمئزاز والقلق والخوف، لكنّ محاولة تفسير المجرد ووضعه في قوالب محددة يفهمها العقل البشري ببساطة تكاد تكونُ من أصعب المهام التي مرت على الإنسان.

تبارى الفلاسفة على مر العصور لتقديم أطروحات مقنعة مدعّمة بالأدلة والبراهين والنظريات والتجارب النفسية، ورغم ذلك تظل المفاهيم العامة أكبر من قدرتنا كبشرٍ على الاستيعاب، ويظل المفكرون والكتاب يخوضون في محاولات التبسيط والتقريب إلى القراء جيلاً بعد جيل؛ هذا الحراك الفكري المستمر الذي يشعرنا بآدميتنا وبقدرتنا على التفكير، ومن ثم، يمنحنا شعوراً بالرضا إزاء أهمية وجودنا وقدرتنا على الفهم والتأثير.

عشتُ الانفجار بصلابة لكني خشيتُ توابعه. كتب صديقي على جدار الزنزانة التي قضينا فيها سنوات في سجن طره: "الكابوس الذي يخيفك لن يأتي لأنه قد أتى بالفعل!" ما قد يؤكد مجددًا على حقيقة انقشاع الرعب لحظة حدوثه

يرى أرسطو وبعضُ فلاسفةٍ آخرينَ أن القلق شكل من أشكال الخوف، ولكنه خوف من مجهول، من عدوٍ متخفٍ، وخطرٍ غير واضح، فيما يرى داروين -من وجهة نظر تطورية- أن القلق/استشعار الخوف يساعد الفرد على التكيف مع المخاطر والتهديدات المحتملة، فيقوم بتوجيه الفرد إلى توقع المخاطر ويعمل كإنذار مبكر للكوارث.

اكتشف داروين أن البشر ابتكروا وسائل للتعبير عن الانفعالات مثل الخوف والقلق للتعامل مع التهديدات البيئية، وتنبيه الآخرين من المخاطر المحتملة مثل تعبيرات الوجه والإيماءات وحركات الجسد ونبرة الصوت، فبإمكاننا معرفة الخائف/ة من رجفة صوته/ا، ولانفعالات الخوف أهمية كبيرة في بقاء وتطور ونجاة البشرية من غضب الطبيعة المستمر وصراعات الأرض والكائنات، فعندما نرسل إشارة بالخوف إلى الآخرين تتسرب إليهم مشاعر القلق، ويصدُرُ عنهم تضامن عفوي مصدرهُ التنبّه إلى الخطر الكامن خلف ظهورهم، فيشعرون بالعطف وقوة الرابطة، ونصبح إخواناً في الذعر، لهذا السبب ربما يصبح البكاء معدياً لدى الأطفال:

لنضعْ جمعاً من الأطفال في غرفة واحدة ولنروّع أحدهم حتى يبدأ بالبكاء، سرعان ما تنقلب الغرفة إلى صرخات لا تهدأ، ينتشر الخوف أسرع من أي شعور آخر، ويتضامن البشر معاً في الخوف ليس كأي شعور آخر، لا يهدأ الأطفال حتى تتبدد انفعالات الذعر، ويحل مكانها إحساسٌ بالسكينة أو المرح. عندما نخاف ندرك أننا على وشك فقدان شيء هام نخشى الحياة دونه: فقدان عزيز أو حبيب، فقدان علاقة، فقدان وطن أو مستقبل أو وقت، فقدان ارتباطٍ شعوري بما نحب أو بشكل أكثر مادية: فقدان الحياة أو حدوث ضرر جسدي. جميعنا أطفال إذا حلّ الخوف، نصرخ من البكاء حتى نطمئن أو نكلّ أو ننام.

كيف يدفع الخوف البشر إلى الهجايص؟

يقول "إدموند بيرك" إنه لا توجد عاطفة تستطيع أن تسلب العقل قدرته على التصرف والتفكير مثل الخوف، ومن هذا المنطق عبّر السيناريست محمود أبو زيد عن خطورة الخوف على سلب الإرادة والتفكير المنطقي من عقل الإنسان في فيلم "البيضة والحجر 1990" إخراج على عبد الخالق، وبطولة الفنان المصري أحمد زكي الذي لعب دور أستاذ الفلسفة "مستطاع الطعزي"، تدفعه الظروف إلى التحول لدجال ومشعوذ يخدع الأشخاص بالوهم والتلاعب والخوف والأكاذيب ويسلبهم أموالهم. يتحدث "مستطاع الطعزي" إلى صديقه "توالي جنيح"، الذي قام بدوره الفنان ممدوح وافي، في أحد مشاهد الفيلم، شارحاً فلسفته الجديدة في الحياة:

"خوف الناس من المستقبل بيسبب لهم قلق، والقلق بيخلق الاستعداد لتقبل الإيحاء، وفي ظل الإيحاء الناس بتصدق أي حاجة. ده ممكن يسمع بودانه ويشوف بعينيه حاجات مالهاش أي وجود. اومال الناس متعلقة بالتخاريف من قديم الأزل ليه؟ ليه غاويين يصدقوها ويتلذذوا بسيرتها ويتفرجوا عليها في الروايات والأفلام؟ ليه يعني؟ بيسيطروا بيها على القلق والخوف من بكرة اللي معشش جواهم وبيطاردهم... عشان كده كله بيهجص".

عندما نطبّع مع مخاوفنا القديمة، سرعان ما نستولد مخاوف جديدة غير منطقية، فمن يقضي فترة طويلة في السجن، ويطبّع مع مخاوفه يصل لمرحلة تجعله يخشى الخروج

لخّصَ أبو زيد رؤيته ورسالته في هذا العمل من خلال كلمة واحدة "الهجص" أو "الهجايص"، وهي كلمة من العامية المصرية استُخدمت على نطاق شعبي واسع في زمن إنتاج الفيلم، وتُستخدم كتعبير بليغ ومختصر للدلالة على الكلام الساذج والخزعبلات والتخاريف والأفكار المنافية للعقل والمنطق. فكيف يدفع الخوف البشر إلى "الهجايص"؟

يضيف مستطاع الطعزي: "الذكاء العقلي مالوش علاقة بالثبات الانفعالي، في حالة الانفعال، الكل بيتساوى في تقبل الإيحاء، مفيش فرق هنا بقى بين غبي وذكي أو متعلم ومثقف. الخوف بيعطل التفكير، بيشل القدرة على التصرف".

الحرية تقتل في بعض الأحيان

في كتابه جنيالوجيا الأخلاق (1887)، قال فريدريك نيتشه في تعظيم دور الخوف إنّ "الخوف أمّ الأخلاق"Fear is the mother of morality". حاول نيتشه البحث عن أصل القاموس الأخلاقي للبشر، وكيف تكوّنت الأحكام والأعراف الأخلاقية. وهنا يأتي الخوف من جديد ليلعب دوراً خطيراً ومؤثراً ليتحكم بالبشر،  وبخط التاريخ الإنساني كله؛ فما يدفع الشخصَ إلى الالتزام بالأكواد المجتمعية للأخلاق هو خوفه من شعور الغرابة ونظرة الخزي والامتهان والإذلال في أعين نظرائه؛ خوفه من النبذ والذلّ والنقد والاختلاف، ومن الأفعال التي يعتبرها المجتمع مخجلة وغير أخلاقية، حتى وإن اختلف معها، وكانت لديه أفكار وجيهة تعارض القاموس الأخلاقي الاجتماعي، وتصيغ قاموساً جديداً للأخلاق، لكنه يخشى الإدانة فينصاع لمنظومةٍ أخلاقيةٍ صاغها الخوف منذ البداية.

لهذه الأسباب يلعب الخوف دوراً جديداً في أي أنظمة سلطوية تحكم بالترهيب، كما يلعب الدور الأبرز في اجتذاب التابعين للأديان؛ الخوف ممّا بعد الموت، الخوف من العذاب الأبدي، الخوف من إغضاب الإله. لولا الخوف لما كان الله.

يرى ميشال فوكو أن الخوف من الموت ليس من ضمن أدبيات الدين الإسلامي، ولكن هناك مخاوف أخرى، فالموت في الفلسفة الإسلامية بداية لحياة أخرى، فلا داعيَ للخوف منه. يعتقد فوكو أن موتى المسلمين يرتبطون بحبل لا فكاك منه بالأحياء، ويحركونهم لتحقيق عدالة السماء ونصرة الحق. ومن هنا تولدت فكرة الاحتفاء بالشهيد. يذكر فوكو إن الإيرانيين في غمار الثورة الإسلامية استقبلوا الجنود المسلحين بصدور مفتوحة وهتفوا: "لماذا تطلقون النار على إخوانكم؟ تعالوا معنا ننقذ القرآن".

رأينا الأمر ذاته في الثورات العربية، وشهدتُهُ بأمّ عيني في الثورة المصرية، حتى أن المَشاهد تشابهت بمتظاهرين يتلقون الرصاصات بأذرع مفتوحة كالأحضان، والهتافات تشابهت أيضاً؛ استقبل الشباب الجنود بهتافات "يادي الذل ويادي العار، أخ بيضرب أخوه بالنار"، "الجيش والشعب إيد واحدة". لم يكن الموت عائقاً حينها، بل بات عرضاً جانبياً لهدف أنبل: الخلاص من الجبروت الذي يقتلنا كل يوم.

في الواقع، لم يختفِ الخوف في لحظات الثورة، بل إن الثورة قامت أساساً مدفوعةً بقوّة الخوف من المستقبل المظلم. كانت محاولة لإنارة الطريق، وهذا ما لا يدركه المستبدون. فالإمعان في الإخافة ليس حلاً لتثبيت دعائم الحكم، لأن الثورة تأتي أيضاً من رحمِ الخوف.

وبدون الخوف لا يحيا الإنسان بل يبحث لاهثاً عن مخاوف تدير عجلة حياته؛ عندما نطبّع مع مخاوفنا القديمة، سرعان ما نستولد مخاوف جديدة غير منطقية، فمن يقضي فترة طويلة في السجن، ويطبّع مع مخاوفه يصل لمرحلة تجعله يخشى الخروج. هكذا رأينا العجوز في فيلم The Shawshank Redemption بعد أن قضى 40 عاماً في السجن، انتحر فور إطلاق سراحه، فجأة تحققت مخاوفه: أصبح حراً للدرجة التي دفعته للانتحار! هذا ما تفعل بنا الحرية أحياناً.

خايف؟ آه

شكّل الخوف هاجساً للأدباء والشعراء تحديداً، فقد لا نجد أديباً أو كاتباً إلا وتناول الخوف في كتاباته سواء بشكلٍ مباشرٍ أو رمزي، فمنهم من نظر إليه من زاوية الجُبن والوهن، ومنهم من راقبه بنظرة فلسفية أكثر عمقاً كمعادل لغوي للشجاعة، وكتأكيد على فلسفة الخوف لدى نيتشه، وكذلك أرسطو وداروين طبقاً لعلم النفس التطوري.

"سكران؟ يمكن سكران/خايف؟ أيوة خايف/وسلام على الخوف ملك الإحساس/سلام عليه متراس/ وسلام عليه فرّاس/سلام على الفار اللي بيلعب في عب الفار/اللي بيلعب في عب الناس"

يقول فؤاد حداد شاعر العامية المصرية في قصيدة رقصة الفار إقراراً بأهمية الخوف:

"سكران؟ يمكن سكران/خايف؟ أيوة خايف/وسلام على الخوف ملك الإحساس/سلام عليه متراس/وسلام عليه فرّاس/سلام على الفار اللي بيلعب في عب الفار/اللي بيلعب في عب الناس"، ويضيف حداد منتشياً: "ولا حد يفهم في الشجاعة/زي الطاحونة الجعجاعة/قال انت أول خلق بتسيب السفينة/ خاين؟ لا/خايب؟ لا/خايف؟ آه".

ينجذب البشر إلى الخوف كانجذاب الفراشات للنار. هناك تصنيفات للأفلام تعتمد على الرعب أو الانفعال ولمس وتحريك عصب الخوف لدى المشاهد، تُتنج مئات الأفلام المعتمدة على الرعب سنوياً، ويذهب البشر لمشاهدتها في دور العرض في كل البلدان ويدفعون من قوت يومهم كي يشعروا بلحظة ذعر، كي تتدفق الدماء مضطربةً في عروقهم وينبضُ القلب متسارعاً بلا انتظام، الخوف في شكله هذا، هو مخدر ومهلوس غير مفهوم.

ابتدع ألفريد هيتشكوك منهاجاً جديداً في أفلام الرعب النفسي بداية من فيلم Psycho 1960، بينما ظهرت الطفرة من خلال فيلم The Birds 1963، وبرغم الإمكانيات الضعيفة المستخدمة في تنفيذ الفيلم، بيد أن هيتشكوك نجح في خلق نوع جديد من الأفلام لازال المؤلفون والمخرجون يسيرون على دربه حتى اليوم. تمكَّن هيتشكوك من جعل الطيور والعصافير التي هي رمز للحرية والرومانسية والتغريد والغناء والزقزقة والهدوء وراحة البال، رمزاً للخوف. ما الذي يحدث إذا قررت العصافير مهاجمة البشر في مجموعات كبيرة؟ سيسجن البشر أنفسهم في منازل محصّنة محاولين النجاة بأنفسهم.

رمز الحرية يحوّلهم إلى سجناء يكرهون التغريد، ويهربون من غناء الكروان، ومن هنا نظر صناع أفلام الرعب إلى الطبيعة المظلمة للأشياء، فرأينا أفلاماً تشيطن الأطفال، ويسكن فيها الجنُّ الدُمى، وشاهدنا كلاباً تهاجم المدن، ومرايا منتجةً للأرواح الشريرة. يرغب البشر في عبادة الخوف، فيخلقونه في كل ما حولهم ثم يتساءلون عبثاً: أين نجد الأمان والطمأنينة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard