مغالاة في طلبات المهور وحفلات "بونتي"... جدار أمام الزواج

الخميس 9 يونيو 202204:31 م

يوم الجمعة 25 أيار/ مايو 2022، دعت وزارة التوجيه الإسلامي في موريتانيا، الأئمة والخطباء، إلى توحيد خطبة الجمعة، والتحدث عن "الحكم الشرعي من المغالاة في المهور والإسراف في حفلات الزواج"، وهي الدعوة التي أثارت النقاش والجدل على شبكات التواصل الاجتماعي بين مرحب بالفكرة، ومشجع لها، ورافض للتدخل في رغبات الناس، ومن يرى أن الأمر ليس أولويّةً وليس العائق الأهم ضمن عوائق الزواج وتكوين الأسر. دليل هؤلاء أن المهر، أو ما يُصرف في حفل الزفاف، ليس سبب العزوف عن الزواج، بل البطالة وسوء الوضع الاقتصادي، فالزواج ليس مصاريف عقد القران فحسب، بل مسؤوليات والتزامات نحو أفراد متوقعين في بيئة اقتصادية هشة.

ترحيب بالخطوة وانتقاد

"نحن في حراك، نعم، للحد من غلاء المهور. رحّبنا بهذه الفكرة وهذا القرار الذي اتخذته وزارة التوجيه الإسلامي"، يقول الناشط ناصر بيبه، لرصيف22. يضيف المتحدث شارحاً سبب الترحيب: "رحبنا بالقرار لأننا نرى أن مجتمعاً مثل المجتمع الموريتاني المحافظ يجب أن يكون لخطب الجمعة فيه دور، ودورها الأبرز هو توعية الناس، إذ إنه حتى من الناحية الدينية والشرعية هناك حثّ على عدم المغالاة في المهور والإفراط في مصاريف الزواج".

يواصل بيبه حديثه موضحاً: "حين تسأل غالبية الشباب الموريتانيين، تجد أن العائق الأول أمامهم هو قضية المهور. وحين يجدون أسراً لن تكلّفهم مهراً كبيراً، بالتأكيد سيرتبطون، وقد لاحظنا أن هناك قبائل وأسراً شجعت على التخفيض من المهور، وأصبحت الكثير من القبائل المختلفة تفضل هذا المنحى في الزواج. بطبيعة الحال المشكلة هي دائماً مادية لكن المهر ومصاريف حفل الزواج هما العائق الأول، والعائق الأكبر أمام الشباب الموريتاني".

"بالنسبة إلى توحيد الخطبة، فإن الدولة تلجأ دائماً إلى فرض نوع من السيطرة على الخطاب الديني واستخدامه لأهداف أخرى، وهذه ليست طريقة ديمقراطية"، تقول الناشطة النسوية نورة الطلبة، وتضيف متحدثةً إلى رصيف22، عن الخطوة: "هكذا تتمكن من صرف نظر المواطن عن المشكلات الحقيقية التي هي مشكلات اقتصادية وعن الفقر وغلاء أسعار أساسيات الحياة، كما تفرض على الأئمة خطاباً موحداً ربما لم يكونوا ليتبنّوه لولا تدخلها".

بين العادات القديمة والحديثة

طرأت على موريتانيا في السنوات الأخيرة مجموعة من العادات، مثل عادة "بونتي"، وقد أخذت الاسم من علامة تجارية لنوع من الحلوى الذائعة الصيت في موريتانيا، وهذه العادة المستحدثة عبارة عن قيام الزوج بشراء كميات من الحلويات والمشروبات وأنواع البسكويت الجيدة والشوكولا الفاخرة، وبطاقات شحن الهواتف وغيرها من الهدايا، ليتم توزيعها على صديقات الزوجة ومعارفها من جارات وصديقات وقريبات، إذ يتم وضع هذه الهدية في صندوق كبير، وتُجلب إلى منزل أهل العروس لتنادي إحدى صديقات العروس على النساء داعيةً إياهن إلى الإسراع والحصول على "بونتي العروس"، وتتداعى النساء إلى حصد نصيبهن من "بونتي" في عملية صراع من أجل حصد النصيب الأهم، هذا بالإضافة إلى عادات أخرى مستجدة، مثل شراء الأجهزة الإلكترونية الباهظة السعر، مثل أحدث إصدارات "أيفون" للعروس من طرف العريس، وتقديمها مع المهر المقدَّم.

طرأت  في السنوات الأخيرة عادة "بونتي"، وقد أخذت الاسم من علامة تجارية لنوع من الحلوى الذائعة الصيت، وهذه العادة المستحدثة عبارة عن قيام الزوج بشراء كميات من الحلويات والمشروبات وأنواع البسكويت الجيدة والشوكولا الفاخرة ليتم توزيعها على صديقات الزوجة ومعارفها

مع تغلغل ثقافة شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الأسر تتفاخر بما يقدّمه الزوج لعروسه، وتعرض قدر المهر عبر هذه الشبكات والمنصات وكذلك الهدايا المقدمة من طرفه ويتم ذلك في جو استعراضي يطبعه التباهي.

تقول الناشطة نورة الطلبة، عن العادات:" بالنسبة إلي، العادات فيها وفيها، فهناك العادات الأولى وهي الأصلية، والحديثة وهي عادات رأسمالية. ما يحدث حالياً ليس من العادات بل هو أقرب إلى التسويق، فالعادات الجديدة هي عادات رأسمالية، مثل ما يحدث في فترة رمضان، إذ أصبح سوقاً وفرصةً لإبراز الإمكانات والتفاخر بالأموال، مثل عيد الميلاد عند الغربيين، إذ يستخدمه النظام الرأسمالي لزيادة المبيعات. أما العادات الأولى فقد كانت بسيطةً وتمثل المجتمع التقليدي، مثل الحنّاء و"الظفير" ومثل "الترواغ" و"الرحيل"، وفيها ما هو ديني وفيها ما هو اجتماعي موروث ممّا كان قبل الإسلام. وهي عادات لمجتمع أمومي، ونشترك فيها مع بعض سكان منطقتنا مثل الطوارق مثلاً، وهي عادات تعكس طبيعة واقع المرأة في المجتمع الأمومي. وعليه، لا أرى ضيراً فيها، لأنها تعكس طبيعة الصراع بين المكوّنين الذكوري والأنثوي، إذ يظهر أن هناك صراعاً قائماً بين المكونين الأنثوي والذكوري، ومن تلك العادات عادة "الترواغ" (الإخفاء)، لأن أهل العروس لا يحبون تركها من دون الكثير من العناء والبذل، وعادة الرحيل وهي أن المرأة لا تذهب عن أهلها إلا بعد سنة من عقد القران".


عادة "الترواغ" هي عبارة عن قيام صديقات العروس بإخفائها عن العريس في مكان غير معلوم، ليقوم العريس برفقة أصدقائه بالبحث عنها في كل الأنحاء حتى يجدها، وحين يجدها يأتي بها وهو في ثوب المنتصر، والقصد من هذه الحركات هو إظهار العريس حبه لعروسه وتمسكه بها.

العادات الأولى للزواج كانت بسيطةً وتمثل المجتمع التقليدي، مثل الحنّاء و"الظفير" ومثل "الترواغ" و"الرحيل"، وفيها ما هو ديني وفيها ما هو اجتماعي موروث ممّا كان قبل الإسلام

من العادات التقليدية أيضاً، قيام أهل العروس بتقديم ما يُعرف بالواجب لأهل العريس، مثل أسرته الخاصة وأعمامه وأخواله، وغيرهم، مثل تقديم الإبل والأكباش والمال واللباس والهدايا الثمينة.

وتقول نورة الطلبة: "هناك الكثير من العادات التي توضح أن هناك رغبةً لضمان استمرارية الصراع الكائن بين النساء والرجال أو لإظهاره، وهو صراعٌ النساء لا يردن التنازل عنه، وطبعاً المجتمعات الأمومية ليست مجتمعات كاملةً، وهي مجتمعات فيها مكانة مهمة للمرأة والسلطة ليست لها هي، لكن لها فيها مكانة محددة، وعندها نوع من الحرية النسبية وبإمكانها اتخاذ بعض القرارات ولديها بعض الاحترام الذي استحقته لنفسها، فالنساء في المجتمع التقليدي انتزعن حقوقهن بأنفسهن باتحادهن وتوارثنها جيلاً بعد جيل، وبمجرد عزلهن يفقدن تلك الخاصية".

وتعتقد المتحدثة أن "تكاليف المهر التقليدية لم تكن باهظةً بالنسبة إلى الطرفين، وكان هناك تعاون بين الطرفين وبين الأسرتين، فالمجتمع القبلي يتعاون في مثل هذه التكاليف. لكن شيئاً فشيئاً، أصبح الأمر يتجه إلى الغلاء".

تجد أحياناً كثيرةً المرأة وأهلها ينفقون على أهل الرجل كل شيء ويوفرونه له ويتسترون عليه، لكن في الظاهر يكون هو المنفق

وترى أن "أكثر مصاريف أهل المرأة من الرجل وأهله، لأن أهل المرأة يتكبدون الكثير مِن التكاليف، لكن غلاء المهر هو الظاهر وهو الذي يتم التفاخر به، والمشكلة الحقيقية هي الفقر، ومن المشكلات أيضاً أنه بالإضافة إلى أننا مجتمع قبلي فنحن مجتمع طبقي، ولا تخلو قبيلة من كل الطبقات، فلا توجد قبيلة وإلا فيها طبقة برجوازية وعناصر من الطبقة السائدة وعناصر من الكادحين وعناصر من الطبقة الفقيرة والمهمشة، وهذا كله تربطه قبيلة واحدة ويجتمعون في مثل هذه المناسبات الاجتماعية مثل مناسبات الزواج وغيرها، وتكون مناسبةً للتفاخر وضرورات التقليد وانتشار مقولة 'رأينا أهل فلان فعلوا كذا ونحن علينا أن نفعل مثله، ولو لم تكن لدينا الإمكانات. نطمح لمثل هذا ويحاولون التقليد'. ونحن حالياً نقتبس يومياً من غيرنا من الدول، كالإمارات ومن المغرب العربي والمشرق، ونستورد يومياً العادات، وكل عادة جديدة تكون أغلى من الأخرى، ومثل هذه العادات تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في نشرها وطبعاً الأغنياء هم من يسبقون إليها ويحاول الفقراء تقليدهم ويحدث الكثير من الإنفاق ويُفتح الباب للدَيْن".

وتؤكد المتحدثة قائلاً: "تجد أحياناً كثيرةً المرأة وأهلها ينفقون على أهل الرجل كل شيء ويوفرونه له ويتسترون عليه، لكن في الظاهر يكون هو المنفق، ويستمر هذا حتى بعد الزواج. كم من امرأة تنفق على الأسرة وفي الظاهر يُترك ذلك كأن المُنفق هو الزوج، هذا منتشر وليس نادراً".

تخلص المتحدثة قائلةً: "المسؤولية هنا مسؤولية الدولة لأن عليها توفير فرص العمل للشباب والشابات ليكون الزواج فعلاً شراكةً اقتصاديةً واجتماعيةً، وكذلك فرص الدراسة، والمشكلة الحقيقية هي فعلاً مشكلة بطالة وفقر وانعدام الفرص".

"الزواح استثمار وتسليع للمرأة"

يتحدث البعض عن كون الزواج تحول في موريتانيا إلى استثمار وصفقة مالية، وهناك عملية واضحة لتسليع المرأة، وتقول نورة الطلبة: "بالنسبة إلى كون الزواج صفقات ماليةً وجنسيةً، فهما وجهان لعملة واحدة تعود أيضاً وأبداً إلى الفقر أساساً، ما دامت النساء لا يحصلن على تربية تخص الاستقلالية المادية ولا تُمنح لهن فرص الدراسة والعمل ولا يشجَّعن عليها، أو حتى ما دمن يُمنعن عن الدراسة والعمل فلن يكون الزواج شراكةً وسيبقى صفقات ماليةً من جهة، وجنسيةً من جهة أخرى".

وتضيف: "كما أن الزواج المبكر هو أول أسباب تسليع مسار حياة الفتيات وتشييئه ثم تحطيمه".


يرى ناصر بيبه أن الوضع القائم يكرّس أن "فكرة الزواج استثمار ومشروع مالي لدى الأسر الموريتانية، لأنها تفضّل من لديه إمكانات مالية ويدفع أكثر، وحسب هذه العادات والتقاليد أصبحت المرأة بضاعةً والرجل يأتي وهو داخل على مشروع مادي على أساس أنه دفع المال وهم ينظرون إليه على أنه استثمار".

وختم المتحدث قائلاً: "الزواج الأكثر تعقيداً في موريتانيا هُو الزواج التقليدي، حيث الاختيار يكون على أساس القرابة ومن دون حب، لذلك دائماً هذا النوع من الزيجات تكون نهايته سلبيةً، فعدم وجود حب متبادل من أسباب الطلاق وهي مشكلة كبرى، وكذلك ألاّ يكون هناك تعاون بين الزوجين. والزواج التقليدي يتميز بكون الرجل يتزوج حسب طلب الأهل، والمرأة لا تختار زوجها بحرية بل يُفرض عليها أن تقبل خطيباً من محيطها الأسرى حصراً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard