في وداع دمشق... تهمس أمي في أذني: "اذهبي ولا تعودي"

الخميس 9 يونيو 202201:09 م

ذاك الاستقبال المغبر برفقة الأبنية المتهاوية والشجر المتهالك على بقايا الطريق، كان مقدّراً لي ليساعدني في عملية التأقلم ورحلة العودة الأولى. 

ضوضاء بشرية تقاطع صمت الفجر، أصوات النداء على الركاب تتعالى وتخرق صمت البقعة الخالية، وتهافُت الحمّالين على جر حقائب السفر وافتراشها لظهورهم، علّهم يؤمِنون قوت هذا الأسبوع أو اليوم أو حتى الساعة المقبلة من المسافرين الدسمين القادمين من دول الاغتراب، فيسدون رمق أفواه عائلاتهم الجائعة في المدينة المتهالكة.

يستقبلني على باب المطار تراب العاصفة النازحة من الريف إلى المدينة مع كل من تهجّر، فأتذكر الاستقبال الماضي قبل عدة أعوام عندما لفني أيضاً ترابٌ من نوعٍ آخر، هو تراب المعارك الجارية الذي خيم على جانبي الطريق وأطبق على مجال رؤيتي أنا وسائق التكسي، فكان الطريق خالياً إلا من سيارتنا ومن بضعة قناصةٍ متخفين، كنا ندعو لهم بصاعقة أو حبّة منوم مدسوسة في كأس الشاي الخمير. ذاك الاستقبال المغبر برفقة الأبنية المتهاوية والشجر المتهالك على بقايا الطريق، كان مقدّراً لي ليساعدني في عملية التأقلم ورحلة العودة الأولى. 

كم مرت بنا لحظاتٌ روتينية رغبنا في تخليدها واجترارها وعرض أغراضها في متحفنا الخاص

عند الوصول استقبلني طنين جرس الكنيسة المتاخمة للمنزل، مرافقاً لتراتيل فيروز في الجمعة الحزينة فتذكرت أنه أيضاً موسم الحزن الترابي المرافق للآلام والقيامة، وبدوره الطقس لا بد أن يشارك في مراسم الحزن والعزاء الشرقي، فتكفهرّ السماء وتبكي دمعاً ترابياً حنوناً.  لطالما أحببت الحالة الفيروزية الصباحية ولا يهمّني جدل المستعلين عن الطبقات الصوتية لفيروز، فكل ما يعنيني هو الخدَر الذي يعتريني عند سماع شدوها، والحنين الفائض الذي يصيبني من أضعف وأرق المكامن، من الطفولة ومن حبي لجدتي وجدي وللمذياع القديم تحت وسادته، وفي الاستيقاظ الباكر وبرد رحلة الطريق الوعرة يومياً إلى مقر العمل، فلا أشعر بالدفء إلا عندما تلتقط أذناي لحناً فيروزياً. كم مرت بنا لحظات روتينية رغبنا في تخليدها واجترارها وعرض أغراضها في متحفنا الخاص.

في الحرب تُثكل كل الأمهات إما موتاً أو اغتراباً 

أكثر ما أخشاه منذ لحظة وصولي هو وداع تلك الغمامة الترابية التي ستتحول إلى سحابة دموع عندما أغادر. 

أكره الوداع وطقوسه، من يعرفني جيداً يحرص على عدم توديعي وينسلُّ خلسةً في اللحظة الأخيرة، وإلا فستغرق دموعي المدينة وتفيض وكأنها تجرُد الهموم في آخر السنة، فلا أنجح في إيقافها إلا حين تنضب من تلقاء نفسها، رغم كل الموروث الخانق والإيعازات العسكرية الناهرة التي ترعرعت على أنغامها.   

كلنا نعلم أسباب تعقيداتنا وآلامنا وموروثنا النفسي، ففي كل مناسبة وداع أعود لتلك الطفلة الصغيرة المختبئة داخلي والتي احتضنها جدها في المطار مودّعاً للمرة الأخيرة، ولم يعد، لم أدرك حينها أن مرض جدي كان شريراً لدرجة اختطافه من طفولتي.

يلوح في أذني عند الوداع، صوت النشيج الذي اخترق قلبي يوماً عندما فارقتُ والديّ، لأنجو بأولادي من براثن الحرب وعويل الأمهات، لم أسمع بكاء أمي قبلاً إلا في ذلك اليوم، وهي تهمس في أذني مودعة: "اذهبي ولا تعودي".

 ظلت دموع جدي ونظراته الأخيرة لي في تلك اللحظة تلاحقني إلى عمرٍ متأخر، تلك البرهة التي أدركت فيها أن الكبار أيضاً يحزنون ويبكون، كم حقدت على سذاجتي الطفولية واعتقادي الحالم بأنه سيشفى، لو أني علمت منذ البداية لما غادرت حضنه. 

ويلوح في أذني عند الوداع أيضاً، صوت النشيج الذي اخترق قلبي يوماً عندما فارقتُ والديّ، لأنجو بأولادي من براثن الحرب وعويل الأمهات، لم أسمع بكاء أمي قبلاً إلا في ذلك اليوم، وهي تهمس في أذني مودعة: اذهبي ولا تعودي. في الحرب تُثكل كل الأمهات إما موتاً او اغتراباً. 

المرة الأخيرة حزينة إلى أقصى الحدود في حال فقدان ما ومن نحب، وسعيدة في حال الانتهاء من ألم أو محنة. في حالتنا لا أعلم أهي سعيدة لنجاتنا من ويلات الحرب أم تعيسة لأننا خسرنا كل شيء. 

هل نحن من تركنا الوطن أم هو الذي هجَرَنا؟

حان وقت العودة، لم يشقّ الفجر طريقه بعد، كان الصمت مطبقاً لم يشُبهُ سوى ضجيج محرك السيارة وارتطام الهواء بزجاجها المتعالي، تقتحم بأضوائها عباءة الظلام دون استئذان، والطريق المهجور يتململ من ثقل العجلات، وعلى طرفيه أشباح أشجارٍ مائلة تحدق بالسيارة دون اكتراث، وتختبئ خلف مساكن خجولة تخشى أن يفضح النور عريها، ويبدو أن القناص ما زال نائماً.  

تشوب الظلام بين الفينة والفينة أضواءٌ متراقصةٌ لنيرانٍ يائسة، تحاول عبثاً رسم ظلالها الدافئة على يدين باردتين لجنديٍّ مترقّبٍ أصابت البرودة قلبه قبل يديه، وهو ينتظر حدوث أي شيء منذ أعوام. يمتد الطريق ويزداد الظلام سواداً حتى أكاد لا أميز إن بقيت عيناي مفتوحتين، فيوقظني من غفلتي ضوء شهابٍ سماويٍ هاربٍ يلوّح لي بذيله، وأرفع مقلتيّ إلى السماء ممتنة. 

تهدّىء السيارة من روعها وتزفر بقلقٍ ثم تتوقف، وتتهاوى النافذة الزجاجية عائدة إلى مخبأها، فتطل يدٌ طويلةٌ تتحلى بزيٍ عسكري، أدس فيها وثيقة انتمائي وحفنةً من النقود، أستطيع تمرير ما أرغب بواسطتها، فيباغتني بلهفةٍ مصباحٌ مشتاق، وتطلّ خلفه عينان متوهجتان تبحثان عما يطمئنهما، ثم أسمع زمجرة خائفة: "من أين أتيتِ؟". فأشير بيدي إلى الخلف: "من هناك".

يعلوا صوت خفقان قلبه وكأنه ولد من جديد: "كنت يوماً هناك".

أفكر وأنا أغادر، هل نحن من تركنا الوطن أم هو الذي هجرنا؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard