"الست" أم كلثوم... نقلت الغناء العربي من الفكاهة والخلاعة إلى الطرب والفخامة الكلاسيكية

الثلاثاء 21 يونيو 202204:36 م

الموهوبون الكبار في كل زمان ومكان هم أولئك البشر الذين يمتلئون طاقةً، ويمتلكون قدرة في الوقت نفسه على إشعال تلك الطاقة لإنتاج المميز والمختلف واللافت والمتجاوز في الفنون والعلوم والآداب.

وفي الغناء العربي، هناك ما يشبه الإجماع بين النقاد والموسيقيين والمستمعين على أن السيدة أم كلثوم هي أعظم مَن غنّى باللغة العربية حتى الآن.

تحتل "كوكب الشرق"، أو "سيدة الغناء العربي"، قمة هرم المطربين العرب من حيث درجة طبقات الصوت (الأوكتافات)، فمساحة صوتها تبلغ 3.6 أوكتاف بفارق واضح عن أقرب منافسيها. والأوكتاف هو المسافة بين قرار النغمة الواحدة وجوابها، فحين يستطيع الصوت أن يتدرّج بين نغمات السلّم الموسيقي صاعداً من "الدو" إلى "السي" إلى "الدو" مرة أخرى، فهو يمتلك أوكتافاً واحداً، وعليه فإن السيدة أم كلثوم تجتاز السلم 3.6 مرات.

مع ذلك، فإن ما يجعل أم كلثوم تحتل قمة الغناء العربي في كل تاريخه ليس قوة الصوت فقط، وإنما الموهبة الطاغية والذكاء.

رق الحبيب وواعدني يوم

الموهبة، أولاً، مكّنت "الست" من الذهاب مباشرة إلى منبع الإبداع، إلى المنطقة التي تضمن لها البقاء لسنوات طويلة في وجدان المستمعين ومتذوقي الفن. لذلك، خرجت سريعاً من دائرة الغناء الذي يحمل إشارات جنسية وغنجاً، ذلك الذي يصلح للمسامرة ومداعبة حواس السكارى، إلى الأغنية الرومانسية الكلاسيكية الرصينة، خاصة أن المزاج العالمي في تلك الفترة كان رومانسيّاً في كل شيء: في الشعر والرواية والسينما والفن التشكيلي والموسيقى، إلخ.

جلست أم كلثوم وهي لا تزال طفلة يافعة، وشابة في بدايات تفتحها، بين أيدي ملحنين موهوبين يمتلئون موسيقى ونغماً. بدأت من الشيخ أبو العلا محمد (1884-1927)، ثم رياض القصبجي (1892-1966) الذي لحن لها أغنيات فخمة موسيقيّاً، مثل: "إنتِ فكراني" (1931)، "ليه تلاوعيني" (1932)، "ما دام تحب بتنكر ليه" (1940)، ثم لحنه الفارق "رق الحبيب" (1941)، وهي من كلمات أحمد رامي ويقول مطلعها: "رق الحبيب وواعدني يوم/ وكان له مدة غايب عني/ حَرَمت عيني الليل م النوم/ لجل النهار ما يطمِّني/ صُعُب عليَّ أنام/ أحسن أشوف في المنام غير اللي يتمناه قلبي"، وغيرها من الأغاني.

كانت أم كلثوم تغني هذا الشعر الفخم في الوقت الذي كانت تغني فيه منيرة المهدية، أهم منافساتها في ذلك الوقت، من كلمات محمد يونس القاضي وألحان الشيخ زكريا أحمد "ارخي الستارة اللي ف ريحنا/ لاحسن جيرانك تجرحنا/ يا مبسوطين يا مزقططين/ يا مفرفشين أوي ياحنا".

كانت "رق الحبيب" أغنية فارقة في مسيرة أم كلثوم الغنائية، وفي التاريخ الغنائي المعاصر عموماً، فاللحن الذي وضعه القصبجي شكَّل طفرة كبيرة في موسيقى زمنه، وصوت أم كلثوم العريض العميق أعطى للحن الفخامة التي يسعى إليها، فكان أن حسمت "الست" العرش وانفردت به، بعد أن كان كثيرون يسعون إلى مزاحمتها.

"أم كلثوم ليست مجرد مطربة غنت غناءً جميلاً جيداً، ولكنها نقلة في تاريخ الغناء العربي، فقد استطاعت أن تنقله من الهزر والفكاهة والخلاعة إلى الطرب والفخامة الشعرية واللحنية، كما استطاعت أن تكون صورة لزمنها"

خفة الظل والشقاوة الناعمة

لكي تصل أم كلثوم إلى منبع الإبداع، استعانت بكبار شعراء عصرها ممّن يكتبون شعراً حقيقيّاً له جمالياته، وليس مجرد كلام موقَّع رنان ومبتذل مثل "ارخي الستارة"، فكتب لها أحمد رامي بالعامية، ثم كتب لها أحمد شوقي، واستعانت ببيرم التونسي الذي قدَّم لها أغنيات مهمة فيها خفة ظل وشقاوة ناعمة مثل ما فيها من عمق رومانسي، ومن أهم أغنياته للست: "الحب كده"، "غنيلي شوي شوي"، "الورد جميل"، "يا صباح الخير"، "أهل الهوى"، "أنا في انتظارك"، "شمس الأصيل"، "هو صحيح الهوى غلاب"، "حبيبي يسعد أوقاته"، و"القلب يعشق كل جميل".

صورة المجتمع القاهري الليبرالي

الذكاء، ثانياً، جعل السيدة أم كلثوم تفهم مبكراً أن صوتها وحده ليس كافياً ليجعلها تعتلي القمة وتستمر فوقها في كل حياتها. أدركت أن "الثقافة" بشكل عام، و"الثقافة الموسيقية" خاصة، هي التي تضمن لها ذلك. ولأنها آتية من بيئة فقيرة في ريف مدينة المنصورة ولم تتعلم، وبدأت حياتها الغنائية وهي طفلة "صييتة" ترافق أبيها وأخيها لإحياء الموالد، حيث يغنون أغنيات دينية، فقد علّمت نفسها بنفسها.

كان الشاعر أحمد رامي يتولى تثقيفها في الشعر، فكانت تجلس إليه في "حصة" أسبوعية، يقرأ لها الشعر ويشرح لها جمالياته، ويدرِّسها اللغة العربية نحواً وصرفاً، كما جلست بين أيدي كبار الملحنين لتتعلم منهم المقامات الموسيقية: أبو العلا محمد ورياض القصبجي وصولاً إلى محمود الشريف... وفي صالونها الأسبوعي الذي كانت تعقدة في "فيلتها" في أبو الفدا في ضاحية الزمالك، ويحضره وجهاء الثقافة والفن والإعلام والصحافة، كانت تستمع وتتعلم، إلى أن أصبحت تشارك وتناقش مما تقرأ من كتب.

"أدركت أم كلثوم أن الثقافة بشكل عام، والثقافة الموسيقية خاصة، هي التي تضمن لها اعتلاء القمة والاستمرار فوقها... كان الشاعر أحمد رامي يتولى تثقيفها في الشعر... كما جلست بين أيدي كبار الملحنين لتتعلم منهم المقامات الموسيقية..."

أم كلثوم كانت تدرك أنها مطربة، وأن رسالتها هي تجويد الأغنية لإمتاع مستمعيها، وتقديم أفضل ما يمكن من كلمات وألحان، لذلك تحولت حفلاتها الشهرية التي تنقلت بين الأزبكية وسينما قصر النيل والنادي الأهلي إلى صورة للمجتمع القاهري (الشيك) الراقي. فالآلاف يصطفون أمام مسرحها بملابس السهرة، يجلسون برقي وهدوء على مقاعدهم، ينتظرون وجبة فنية دسمة تليق بـ"الست" وتليق بهم كصفوة المجتمع الذي كان يتطلع إلى الليبرالية، ويمدّ بصره إلى أوروبا، الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط حيث الحضارة الغربية الطاغية.

مطربة الفلاحين والعمال والطلبة

لم تخص "الست" فقط هذا المجتمع الراقي الذي تنبعث منه روائح أغلى العطور الباريسية، وتُستعرض فيه الأزياء الحديثة القادمة من أوروبا، ولكن حفلاتها كانت مناسَبة لتجمعات ريفية حول الراديو، يسهر الفلاحون والعمال والطلبة وكل فئات الشعب ليستمعوا إلى ثلاث وصلات غنائية مشبِعة، تنوِّع في أدائها بحيث لا تشبه أي مرة سابقة للأغنية نفسها، ولا أي مرة قادمة.

هذه الفخامة شهدها الملوك والرؤساء وشاركوا في صناعتها. فقد كان الملك فاروق يحضر حفلاتها من آن إلى آخر، وكانت تغيّر كلمات أغنيتها لتحييه بالغناء برقي ليس فيه شبهة ابتذال. وكذلك حضر حفلاتها جمال عبد الناصر، فقد كانت تعرفه قبل ثورة تموز/ يوليو 1952، وأهدته أغنية هو ومجموعته أثناء حصار الفالوجا في فلسطين، عام 1948، حين أرسلوا إليها يطلبون أن تغني لهم "غلبت أصالح". لكنها بعد الثورة غنت لعبد الناصر "قصيدة السد" للشاعر عزيز أباظة ومن ألحان رياض السنباطي، وتقول فيها: "حقق المعجزاتِ عزمُ جمالٍ/ فاحمدوا الله أن حباكم جمالا/ هو والنيل واهبا السد/ هذا سال تبراً وذاك فاض نضالا".

وبالطبع، دور أم كلثوم معروف في جمع الأموال للمجهود الحربي بين هزيمة حزيران/ يونيو 1967 ونصر تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حين طافت كل البلاد العربية وغنت فيها، وخصصت دخل حفلاتها لبناء الجيش وتسليحه، وهو دور وطني ونادر.

من أبو فراس الحمداني إلى نزار قباني

في رحلاتها إلى الدول العربية، كانت أم كلثوم تختار شاعراً من كل دولة لتغني إحدى قصائده، فقد غنت للشاعر السوداني الهادي آدم "أغداً ألقاك"، وغنت للأمير السعودي عبد الله الفيصل "ثورة الشك" و"من أجل عينيك"، وللشاعر اللبناني جورج جرداق غنت "هذه ليلتي"، ولنزار قباني "أصبح عندي الآن بندقية"، كما غنت من الشعر العربي القديم لأبي فراس الحمداني والشريف الرضي، وغنت قصائد مترجمة للشاعر الباكستاني محمد إقبال، والإيراني عمر الخيام.. وغيرهم.

"في رحلاتها إلى الدول العربية، كانت أم كلثوم تختار شاعراً من كل دولة لتغني إحدى قصائده، فقد غنت للشاعر السوداني الهادي آدم وللأمير السعودي عبد الله الفيصل وللشاعر اللبناني جورج جرداق ولنزار قباني..."

في لقاء مع التلفزيون الكويتي، قال الموسيقار رياض السنباطي، أكثر مَن لحّن لها أهم أغنياتها على الإطلاق، إنه حين ذهب لها بلحن "الأطلال"، أهم أغنية عربية، فاستمعت له، ثم قالت: أعد تلحينها على مقام كذا، ففعل.. وهي لم تكن تتدخل في الألحان فقط، وإنما كانت تعدل الكلمات، فحين جاءها أحمد شفيق كامل بكلمات أغنية ‘انت عمري’ التي يقول مطلعها: "شوقوني عنيك لأيامي اللي راحوا/ علموني اندم على الماضي وجراحه/ اللي شفته قبل ما تشوفك عينيَّ/ عمر ضايع يحسبوه إزاي عليَّ/ إنت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه"، قالت له: كيف (يشتاق) الإنسان إلى أيام يندم عليها؟ واختارت بديلاً لها كلمة ‘رجعوني’. كما أنها شاركت في اختيار الأبيات التي غنتها في ‘الأطلال’ من قصيدتين لإبراهيم ناجي ‘الأطلال’ و‘المساء’".

أزمة جلال معوض على مسرح أولمبيا في باريس

بقيت حكاية أخيرة سمعتها من الكاتب الكبير محمد سلماوي، الذي رافق كوكاتريس مدير مسرح الأولمبيا في باريس في زيارته لأم كلثوم، مترجماً، عام 1966، حين عرض عليها أن تغني على المسرح الشهير، وسألها كم تطلب مقابل الحفل، فسألته بدورها عن الأجر الذي حصلت عليه المطربة الفرنسية الشهيرة إديث بياف، فقال، عشرة ملايين فرانك، فقالت الست: سآخذ 20 مليوناً، ورغم اندهاش الرجل فقد حصلت على المبلغ بالفعل.

يقول سلماوي إن الإذاعي الشهير جلال معوض وهو يقدم وصلاتها قال إن "الست" ستغني اليوم في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وقريباً في القدس المحتلة، وهنا انتفض كوكاتريس وذهب إليها قائلاً إنهم يقدمون فنّاً ولا يدخلون السياسة في عملهم، فأشارت "الست" إلى أعضاء فرقتها الموسيقية أن يجمعوا آلتهم ليرحلوا دون غناء، فارتعب الرجل أكثر، وانصاع لبرنامجها كما هو.

أم كلثوم ليست مجرد مطربة غنت غناءً جميلاً جيداً، ولكنها نقلة في تاريخ الغناء العربي، فقد استطاعت أن تنقله من الهزر والفكاهة والخلاعة إلى الطرب والفخامة الشعرية واللحنية، كما استطاعت أن تكون صورة لزمنها، وضعت أصول الأغنية الكلاسيكية العربية وجلبت لها أفضل مَن يصنعها من شعراء وملحنين، كما كانت قاسماً مشتركاً في جلسات المثقفين والأدباء والشعراء، وأيقونة عصر سُمِّيَ باسمها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard