"الحقّ في الجَرح والحقّ في الخِياطة"... مسيرة الأعلام في القدس ومسرَحة الصراع

الأربعاء 8 يونيو 202203:46 م

لمسيرة الأعلام تاريخ طويل بدأ منذ عام 1967 كاحتفالٍ إسرائيلي سنوي بـ"ذكرى توحيد القدس"، أعلنت فيه إسرائيل سيطرتها على القدس الشرقية. ووسط انتشار أمني مكثف، انطلقت مسيرة الأعلام في التاسع والعشرين من أيار/ مايو، من القدس الغربية إلى البلدة القديمة، ونشبت مواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين في باحات المسجد الأقصى والبلدة القديمة ومناطق شتى من القدس المحتلة، حيث تزامن ذلك مع رفع الفلسطينيين للعلم الفلسطيني فوق منازلهم، رداً على هتافات المستوطنين ورفعهم للعلم الإسرائيلي، تحت حماية شرطة الاحتلال في أرجاء المدينة المقدسة.

خلال العام المنصرم، امتد الصراع في مسيرة الأعلام لـ11 يوماً، وطالت أبعاده مدينة غزة، واليوم، وبعد مضي أسبوع تقريباً على مسيرة الأعلام، لا تزال المناوشات واعتداءات المستوطنين مستمرة في القدس، وفي مدن وقرى فلسطينية أخرى. لطالما سعى الاحتلال إلى خلق تناسب عكسي مع الفلسطيني، عبر تعزيز آليات السيطرة لتضييق الحيز، فكلما اتسع الحيّز الإسرائيلي تقلص الحيّز الفلسطيني، وفي المحصلة، لم تعد إسرائيل تناقش موضوع الأرض، كما لم تعد تُناقش القانون. إن استباحة الأرض هي نتيجة حتمية لاستباحة القانون، وتطبيع المؤسسات الدولية والحقوقية مع العنف المقنن هو نتاج قبول مفهوم "أهون الشرين"، الذي طرحه المعماري إيال وايزمان في مقالته "وسائل الموت" بحيث تصبح سياسات السيطرة على الحياة عبر حواجز التفتيش، مثلاً كحاجز قلنديا، سبيلاً إلى أنسنة العنف والاحتلال. وبالتالي، أصبحت إسرائيل تستهدف الجسد كمحطة أخيرة لتحقيق مشروعها الاستعماري. سنقرأ في هذه المقالة كيف أصبحت مسيرة الأعلام وسيلةً لتهريب الذات ومصادرَتها في الوقت نفسه.

الموت العاري والحياة العارية

يُنظر إلى حالة الاستعمار في فلسطين ضمن سياق "الاستعمار الاستيطاني الخلاق" الذي يبدأ بأنماطٍ استعماريةٍ مستقاة من دول العالم الأخرى مثل أستراليا وأفريقيا، ثم يخلق أنماطاً جديدة تتماشى مع الهدف النهائي: الاستحواذ على الأرض وإفراغها من سكانها الأصليين. من هذه السياسات، توظيف السلطتين التأديبية والحيوية، إذ تهدف الأولى لخلق حالةٍ من الانضباط المكاني والذاتي، فيما تقرأ الأخيرة عالم الانضباط بقولبته في إطار سياسات الحياة والموت التي تحدد من يملِك الحق في الحياة ومن يجب عليه أن يموت.

مثلاً، حوّل الاحتلال القدس إلى "حيز إماتة مزدوج" باستخدام الأرض والأجساد الفلسطينية، كأداةٍ لشرعنة القانون تحت ذريعة حفظ الأمن، وهنا، تتجلى سياسات الحياة والموت بتفضيل حياة الإسرائيلي وأمنه على حياة الفلسطيني وأمنه، مقابل الصمت العالمي تجاه القانون الذي قُدمت له عمليات الاعتداء بوصفها إرهاباً وإخلالاً بالنظام. هكذا، وجدَت مسيرة الأعلام طريقها لقمع الفلسطيني من جهة، واستخدام مقاومته كأداة لشرعنة اعتقاله أو قتله من جهةٍ أخرى.


أصبح "الموت العاري" نتيجة حتمية للحياة العارية، كما يقول جورجيو أغامبين. ولكن مسيرة الأعلام تذكرنا بحالةٍ ثالثة خلقها الاستعمار في سبيل مواجهة الفلسطينيين الذين يقاومون عري الموت والحياة: تحويلهم إلى زومبي – "أجساد دون أعضاء" بالمفهوم الدولوزي الذي فصل بين الجسد البيولوجي والجسد كمركب عاطفي، بحيث ندمر كفلسطينيين داخلياً ومشاعرياً فلا يبقى منا سوى أجسادنا المادية

العمليات القيصرية الهوياتية

تقول خالدية صوف لرصيف22: "أذهب إلى عملي بشكلٍ يومي من قرية حارس قضاء سلفيت إلى رام الله، في سيارتي الخاصة. في معظم الأيام تكون الطريق جيدة، لكن مروري عبر مستعمرة أريئيل، حاجز زعترة، قرية اللبن ومستعمرة شيلو يجعلني في حالة قلقٍ مستمرة، بسبب اعتداءات المستوطنين على السيارات في أوقاتٍ غير متوقعة، فضلاً عن الإغلاقات الصباحية للطرق مما يعرضني للتأخير عن عملي. منذ يوم الأحد/ يوم المسيرة حتى الثلاثاء، انتشرت جيبات الاحتلال وسيارات الشرطة بشكلٍ مكثف على طول الشريط الواصل بين أريئيل ورام الله. فضلاً عن محاولاتهم إغلاق الطرق الرئيسية التي لا أعرف سواها، مما اضطرني إلى متابعة سيارات الأجرة والدخول إلى مدينة سلفيت حتى أصل إلى قريتي على الجانب الآخر".

 في معظم الأيام تكون الطريق جيدة، لكن مروري عبر مستعمرة أريئيل، حاجز زعترة، قرية اللبن ومستعمرة شيلو يجعلني في حالة قلقٍ مستمرة، بسبب اعتداءات المستوطنين على السيارات في أوقاتٍ غير متوقعة

مع تأملنا لهذا المشهد، نستطيع بسهولة تبيان محاولات الاحتلال لتشويه علاقة الفلسطيني بالمكان والزمان والجسد الذي يضطر للتعامل مع هذه التشوهات "غير العنفية بالضرورة" بطرقٍ مختلفة، تكون أكثر صعوبة أحياناً عندَ مقاربتها جندرياً كما في حالة خالدية. ولكن ما لفتني، ليس الإغلاق وقت المسيرة، بل تحول هذا المشهد إلى حالةٍ طبيعية عند خالدية، وكأنه جزءٌ من روتينها اليومي. هذا بالضبط ما يسعى الاحتلال لاستهدافه بعد تطبيع المؤسسات الدولية والحقوقية مع العنف. إنه يسعى الآن، عبر هذه السياسات، إلى تطبيع الفلسطيني نفسه مع "أهون الشرين"، بحيث يصبح قادراً على فصله عن ذاته وانتزاعه من سياقه الوطني والقومي والتاريخي بإقصائه عن فكرة المقاومة، وبالتالي التحرر. لكنني أحب التنويه هنا إلى أن تطبيع الفلسطيني مع "أهون الشرين" ليس تطبيعاً واعياً، مقارنةً بالسلطة الفلسطينية التي طبعت بشكلٍ واعٍ بتبنيها أوسلو أولاً وببحثها عن الشرعية الشكلية ثانياً. من جهةٍ أخرى، على الفلسطيني أن يرفض مبدأ "أهون الشرين" بشكلٍ مطلق، لأن قبوله يعني ضمنياً قبول العنف كما قالت حنة آرندت.


طور بوغليسي مفهوم العمليات "القيصرية البيولوجية" عن ميشيل فوكو، إذ ربطها بالعنصرية والقوننة ودورهما في تعزيز الاستعمار لمحو الانضباط السياسي والبيولوجي للدولة. وهذا يضمن الحفاظ على الأمة الإسرائيلية نقية. وبالتالي، إذا اعتبرنا القدس جزءاً من حيز إماتة متواصل تكون فيه عمليات العنف أكثر مباشَرة، فإن مدن الضفة الغربية حيز إماتة متواصل على المستوى الرمزي غير المباشر مثل استباحة الوقت والروتين. إلا أن وجود حيز إماتة رمزي لا يعني الغياب المطلق لمباشرية العنف، بل قد يصبح وجوده المفاجئ مربِكاً نظراً لصعوبة تخمين وقت وآلية حدوثه.

نبَذنا الاحتلال ضمن سياق العمليات القيصرية البيولوجية عن الإطار الأخلاقي والقانوني، ومنحَ نفسه الحق في جرحنا بعمق، بحيث طالَ هذا الجرح عِظامنا المشاعرية، قاصداً بذلك "عملياتٍ قيصرية هوياتية". وهذا ما يقودنا إلى تعليق الذاتية.

مسيرة الأعلام وتعليق الذاتية


ما اللافت في هذا الفيديو؟ يبدو للوهلة الأولى أن الجندي يلاحق الفتيات اللواتي يحملنَ العلم الفلسطيني، ولكننا نكتشف في نهاية الفيديو أنه يلاحق العلم الفلسطيني. بالطبع سيعتقل الفتيات لاحقاً، لكنه معني في وقت المسيرة بالحفاظ على مشهدٍ خالٍ من العلم الفلسطيني "أمام مواطنيه والعالم". وكأن طقوس مسيرة الأعلام أصبحت أهم من الهدف الأساسي الذي أقيمت من أجله. هنا، يظهر استعراضاً واضحاً لذاتية الدولة بحيث يمثل العلم الإسرائيلي قدرتها على ضبط السكان وسيادتها على الأرض والجسد من جهة، مقابل إقصاء الفلسطيني وحرمانه من تمثيل هويته وعلمه فوق أرضه المسلوبة من جهةٍ أخرى. ولكن، ما هو موقِف الفلسطيني من مسيرة الأعلام الفلسطينية في شارع صلاح الدين؟

 نكتشف في نهاية الفيديو أنه يلاحق العلم الفلسطيني. بالطبع سيعتقل الفتيات لاحقاً، لكنه معني في وقت المسيرة بالحفاظ على مشهدٍ خالٍ من العلم الفلسطيني "أمام مواطنيه والعالم".

يقول محمد كيلاني لرصيف22: "قد يبدو الاشتباك بالأيدي بين الفلسطيني والمحتل إثر مسيرة الأعلام الفلسطينية في شارع صلاح الدين وكأنَه صراع بين شعب واحد، لكن الحقيقة هي أن هذا الصراع أعاد لنا مفهوم الأرض المحتلة. رغم تحفظي على مسيرة الأعلام الفلسطينية؛ فإنّ معظم من خرجوا في القدس، خرجوا من باب التحدّي، وليس شرطًا أنّ جميعهم يعرفون معنى "رفع العلم الفلسطيني في وجه العلم الإسرائيلي" بين الفعل وردّة الفعل، أو معنى "السجدة المحلمية" ‘يقصد بها اقتراب تهويد الأقصى’. غالبية الفلسطينيين يعتقدون أن هدم الأقصى يعني هدم قبة الصخرة، لكننا نتحدث هنا عن المسجد القبلي. ولكن، حتى التهويد لا يُعتبَر نهاية للفلسطيني، لأن كل ما هو داخل السور نعتبره ‘أقصى’".


ويضيف كيلاني: "مشكلتنا أن كل أفعالنا عبارة عن ردات فعل، منذ 1987 ونحن نقولِب المقاومة داخل حيز رد الفعل، كما انتفضنا في هذا التاريخ 1987 استنكاراً لاغتيال إسرائيل أربعة عمال في جباليا. لذا، نحن لا نحتاج إلى مسيرة أعلام تذكرنا بقضيتنا. مثلاً في جنازة شيرين أبو عاقلة، دخلنا إلى القدس ورفعنا العلم، ولم ننتظر علماً إسرائيلياً يحثنا على رفع علمنا. كان بإمكاننا البناء على هذا الحدث لكننا عدنا إلى ما كنا عليه قبل اغتيالها وكأن شيئاً لم يكن".

يرى كيلاني أن الرد على مسيرة الأعلام الإسرائيلية بواحدة فلسطينية ليست إلا مجرد شكليات وردود فعل عاطفية. وإذا حاولنا ربط موقف كيلاني وحديثه عن "السجدة الملحمية" مع ملاحقة المحتل للعلم بدلاً من الجسد، نكتشف أن الصراع انتقل من صراعٍ على الأرض إلى صراعٍ على الجسد ثم إلى صراعٍ على آليات تمثيل هذا الجسد. وهذا ليس المثال الوحيد الذي يُظهِر أن الهم الاستعماري الجديد هو تعليق ذاتية المستعمَر بخلق آليات تعليق التمثيل. مثلاً، حملات الاعتقال التي ستشنها إسرائيل بعد هذه المسيرة توجِب أحكاماً نتيجتها دفع غراماتٍ مالية وتوقيع تعهدات بتجنب أي نوعٍ من الممارسات السياسية، وقد تلجأ إلى إبعاد شخصياتٍ بعينها عن القدس كما اعتادت أن تفعل في سياقاتٍ أخرى غير مسيرة الأعلام. وبالتالي، فإن مسيرة الأعلام ليست استثناء إسرائيلياً، وإنما وسيلة مستغلة لتعزيز تعليق التمثيل. مثلاً، بعض الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يُحكَمون فترات قصيرة نسبياً فيما تكون شروط استعادتهم لحريتهم شديدة التركيز على تجميد الأنشطة السياسية لهؤلاء الأسرى المحررين بحيث يُعبر كلّ منهم عن انتمائه السياسي بعد خروجه بكلمةٍ واحدة: "مستقل".

مسرَحة الصراع

بعد أن قدمنا شرحاً لطريقة فصل المستعمِر للجسد البيولوجي عن الجسد المشاعري بمقاربته مع مفهوم دولوز للـ"جسد دون أعضاء"، يمكن القول إن الصراع بين الجسد الفِصامي "المفصول عن ذاته" وجسد المستعمِر، أخذ طابعاً باروكياً أو "تفخيمياً". ولتوضيح المعنى، دعونا نشاهد هذا الفيديو لمسيرة أعلام فلسطينية وأخرى إسرائيلية في جامعة بن غوريون.


نلاحظ هنا كيف اكتسبت المسيرة طابعاً مسرحياً شبيهاً بعالم المصارعة الذي تحدث عنه رولان بارت في كتابه "أسطوريات – أساطير الحياة اليومية". يقارِن بارت بين الملاكمة والمصارعة، بقوله إن الملاكمة عبارة عن قصة تحاك تحت أنظار المشاهِد، أما المصارعة فكل لحظة فيها واضحة لكن المدة ليست كذلك، كما تحكمها الصورة المؤقتة للانفعالات. تُلزِمنا المصارعة بعددٍ من المشاهد التي لا صلة بينها، بحيث تَبعُد وظيفة المصارع عن الفوز لتقتصر على إنجاز الحركات المطلوبة منه. هذه الوظيفة التفخيمية للمصارعة هي ذاتها وظيفة المسرح القديم. وكأن المستعمِر والمستعمَر يقفان على مسرحٍ واحدٍ يتصارعان فيه على نحوٍ يظهر اللاتكافؤ السيادي والعنفي.

من جهةٍ أخرى، هذا الاستعراض التفخيمي لكل من العلمين الفلسطيني والإسرائيلي يجعلنا نتساءل لا عن طبيعة ردات الفعل المتوقعة في الأيام اللاحقة فحسب، بل وعن أسباب استعادة العلم الفلسطيني لرمزيته "في المناسبات"، بينما غاب بشكلٍ كلي عن انتخابات جامعة بيرزيت قبل أقل من شهر. لماذا لا يحتاج المستوطِن إلى سياقٍ لإظهار علمه بينما يكون ظهور علمنا مرهوناً بسياقِ رد الفعل دائماً؟

إن مسيرة الأعلام مثالٌ على محاولة تعليق الذاتية وتشويه الحيز الطَقسي للفلسطيني، لكنها تدلل أيضاً على قبولنا بالجرح العميق حين نعتقد أن اكتفاءنا برد الفعل المؤقت "التلويح بالعلم الفلسطيني" يكفي ليكون بمثابةِ خياطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard