الهدف المعلن لمشروع "ماكيت القاهرة"... الأكثر شهرة بين روايات القائمة القصيرة

الثلاثاء 31 مايو 202212:00 م

الدهشة التي تباغت القارئ بمشهدية الطفل الذي يقتل أباه برصاصة من إصبعه في الصفحة الأولى مطلًا علينا من زمن لم يأتِ بعد "عام 2045" لندخل في عالم متحرك من الفانتزاتيك منذ الصفحات الأولى في رواية "ماكيت القاهرة" لطارق إمام، الصادرة عن دار المتوسط لعام 2021، عندما أقحمنا بزمن لم نعاصره بعد، وجعلنا نقبل أول شرط في مخاتلته السردية. لذلك كان من العبث مساءلة سيل الغرائبيات المتتالي، بل لعله جعلنا في حالة افتتان لقدرة مخيلته على اجتراح المزيد والمزيد من التقابلات الفنية غير المنطقية، والاكتفاء بدلالتها ورمزيتها في نص متجدد ينتمي لما بعد الحداثة بما فيه من غرائبية وفانتازيا لأحداث بعيدة عن الواقع وموازية له بذات الوقت في تشظي وتداخل للزمان بين أحواله الثلاث، المستقبل والماضي والحاضر.

الهدف المعلن للمشروع

الهدف المعلن لمشروع "ماكيت القاهرة" هو إحياء ذاكرة المدينة في التقاط المشهد المتحرك لموضوع المكان. فالصورة التي تتوهج في الحاضر هي صدى لحدث في ذاكرة المكان الذي حصلت فيه، وتركت بصماته على وعي من عاصره بمستويات عدة بين بداية الحدث ونهايته؛ بين حدوثه وتكراره؛ ومن هو الحدث البدئي أو العلة الأولى له، في محاولة لتجسيد ملامح المدينة بأماكنها العريقة مثل "ميدان التحرير، وشارع محمد محمود، وبرج القاهرة، وملامح الثورة"، في مراوغة السؤال هل هو نوع من محاولة تخليد الأصالة فيها نظراً لمحاولات المحو المستمرة؟ أم العكس؟ والنقاش حول حالة المحاكاة التي تعيدنا إلى الصورة الأولية بالذهن البشري، أي ما نحفظه في ذاكرتنا عن المدينة الأولى والبيت الأول بكل معاني الألفة.

الهدف المعلن لمشروع "ماكيت القاهرة" هو إحياء ذاكرة المدينة في التقاط المشهد المتحرك لموضوع المكان. فالصورة التي تتوهج في الحاضر هي صدى لحدث في ذاكرة المكان الذي حصلت فيه، وتركت بصماته على وعي من عاصره بمستويات عدة بين بداية الحدث ونهايته

بخطوة استباقية من الزمن المستقبلي لعام 2045، يطلب إعداد مشروع لتجسيد ماكيت مدينة القاهرة عام 2020، يستحضر من خلاله أحداث عام 2011 "ثورة يناير" في عمل فني متداخل، يجمع بين عمل فنان المصغرات ورسام الحوائط إلى مصورة الفوتوغراف وتنتهي بفنانة الكوميكس التي ستروي حكاية ما قبلها، في محاولة لتخليد المدينة وصلبها في حالة الحركة والحياة في حواريات استغرقت جل العمل، وكأن الكاتب يهدم ويعيد ويهدم ثانية ويعيد رغبة منه في تجاوز التهاوي والزوال المهدد لجوهر وجود المدينة.

يقول مارتن هيدغر  "اللغة مأوى الكينونة" ولكن في الرواية يرى الكاتب أنّ "اللغة كلها مجاز للعالم، فلا توجد لغة تساوي الواقع" وهو في ذلك يحاول النبش في جذور الجذور وأصل الأصول. غير أن هذا الواقع ما كان ليدرك لولا اللغة ذات الدلالة في ارتباطها بدرجة تطور الإنسان في وعيه لمحيطه ومحاولته محاكاة ما يرى ويشاهد ويسمع ويحس، ومن هنا كانت أغلب الفنون ناجمة عن المحاكاة بانزياح ما. تحت ستار الفانتازي، يطرق الكاتب أفكاراً فلسفية لطالما شغلت سابقيه. فأصل نظرية المحاكاة عند أفلاطون محاكاة عالم المُثل لأن الأشياء أو عالم الجمال الكامل موجود في العالم غير الحسي، أي أن المحاكاة هي وسيلة لتصوير الكمال المطلق. أما أرسطو، فقد اعتبر أن المحاكاة غريزة في الإنسان تظهر فيه منذ الطفولة، والإنسان يختلف عن سائر الكائنات في كونه أكثر استعداداً للمحاكاة وبها يكتسب معارفه الأولية، كما أنه يعد المحاكاة فنًا بحد ذاتها لأن الفن برأيه محاكاة لكل ما هو جميل فهو يقول: المحاكاة تعلّمٌ، والتعلّم لذيذ، لا للفلاسفة وحدهم، بل وأيضاً لسائر الناس، وإن لم يشارك فيه هؤلاء إلا بقدر يسير. فنحن نُسَرُّ برؤية الصور، لأننا نستفيد من مشاهدتها علماً، ونستنبط ما تدل عليه.

فصاحب "الحوائط اللانهائية" يلعب على فكرة فانتازيا الخيال والحقيقي والمحاكاة بينهما. أي منها الأصل والأساس وإياها صورتها؟ ليعود بفكرة الأصالة إلى جذورها قبل أن تُقلَّد، وهي الفكرة في عقل الإنسان. وكل تجسيد آخر هو محاكاة للفكرة الأصلية، ليقود التداعي إلى فكرة المكان، فالمكان ليس بخالد، بل يتعرض للهدم والهتك باستمرار. الخالد هو الفكرة وأين هي، هي في عقل الإنسان غير الخالد، هي دوامة الاحتمالات غير المنتهية حول الأصالة والتقليد.

ورغم أن الراوي يتلبس شخوصه كلها، إلا أنه لا يعلم إلى ما تؤول إليه الحكاية، ولا يقدر أن يفسر ما يحصل من غموض وغرابة لحدث واحد يحصل بأزمان عدة، منها ما عبر ومر، ومنها لم يأت، ومنها يحصل الآن، في عملقة حضور الفنان ليكاد يكون خالق ولكن مَن يخلق مَن؟ فما يتذكره شخص، ما هو إلا تاريخ شخص آخر في لعبة الذاكرة المتنقلة في جميع الأزمنة.

في المقطع الأخير من النص تظهر شخصية مانجا ذات الذاكرة المزدوجة بين ما حدث وبين ما لم يحدث والتي زمنها جاء بعد عام 2045، فنانة الكوميكس أوما عرفناه كفن تصويري أو قصة مصورة، سُمي بالفن التاسع بوسائله التعبيرية ( بالونات، إطارات، أيقونات، رموز) حيث مهمتها أن تروي قصة أسرة بعلاقتها بالغاليري خلال ثلاثة أزمان، في مشروع تحدي كوميكس 24 ساعة حيث تتداخل حكاية ضمن حكاية مثل لعبة الماتريشكا، ورغم الاعتراض على عدم كفاية الزمن لإنجاز مشروع من هذا النوع فهم يقبلون معها لأن النص غير المكتمل هو الحقيقي والمعبر أكثر في مجازات التأويل والاحتمال.

لكل شخصية رئيسة قصة

لكل واحد من الشخصيات الرئيسة قصة تركز فيها على المشهد الأولي الطفل "أوريجا" وهو يضغط بإصبعه على زناد غير موجود لتنطلق الرصاصة القاتلة، فالطفل بقتله المجازي للأب يعبر عن فكرة أدبية وسيكولوجية بذات الوقت، عقدة أوديب عند فرويد وقتل الأب في الأدب وأشباهها بموت المؤلف.

يقول هيدغر في كتابه جمالية المكان "اللغة مأوى الكينونة" ولكن في الرواية يرى الكاتب أنّ "اللغة كلها مجاز للعالم، فلا توجد لغة تساوي الواقع"

ومشهد "نود مصورة الغرافيك" مع صورة رجل يظهر معها في المرآة، حيث إنها لن تكون وحيدة في المرايا، ومشهد "بلياردو رسام الحوائط" ذي  العين الواحدة محاطًا بالدبابات في ميدان التحرير بينما يقوم بالتقاط عين كبيرة من الأرض، هم بالنهاية أب وأم وطفل وحيواتهم مستلة من بعضهم وتشابك مصائرهم كشخصيات مهمشة تحمل في جنباتها تشوهات أو نقائص أو ارتكاب ما، بنواياها أو سلوكها تتقاسم الخوف والرهبة من محيطها بالإضافة للرؤيا الفنية، كل بأسلوبه لمشهد المدينة.

ورغم تشابك أقدار نود وبلياردو وأوريجا فإن دور مانجا جاء لتكمل تنوع تجسيد الحالات الفنية المرسومة بذهن الكاتب، وليته جعلها حفيدة لتكون سلالة ممتدة من جذر واحد لتفسر حلول ذاكرة شخص بآخر.

الشخصية الروائية التي يتحكم بمصيرها شخص أو قوى أخرى، وهذه القوى ثمة آخر يحركها لدرجة تحار من هي القوة العليا في هذا الأمر، الموضوع الذي يحاكي أشباهه في الواقع سواء الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي حيث تتبلل الرؤيا لنعرف من يحرك من، ودائمًا ثمة أيادٍ تحرك هياكل من وراء الكواليس وتصيغ وجود الآخرين وأفكارهم وحياتهم، فشخصية المسز الغامضة التي تدير كل المشاريع وتقرأ الأفكار وتجيب عنها، والتي تعرف كل الحقائق التي تطلع عليها من كتاب منسي عجرم وكأنه كتاب القدر الذي يرى كل من يقرأ فيه سير حياته الخاص في ازدحام الحقيقة والواقع مع التاريخ والوهم والمتخيل، والجو الكابوسي في وقوفهم أمام المسز الذي يذكر بالوقوف أمام محقق، ولكنها هنا شخصية ذو قدرات ماورائية تلج إلى سريرة من تقابله وترد على السؤال وهو يدور في عقل صاحبه قبل نطقه، المسز الموجودة في كل زمن واللكنة الأجنبية للآيات القرآنية التي تتمتم بها ما هي إلا إشارة لكونها غريبة عن المكان، تؤول أهدافها لمروحة واسعة من الاحتمالات.

الذاكرة المزدوجة لمانجا هزها وجه المسز الذي ماثل وجهها وكأنها محاولة لسرقة ذاكرتها وذاكرة المدينة، ما جعلها تصرخ بـ "لا" طويلة في نهاية النص والآتية من الزمن القادم وبها تكون العبارة الأولى المضادة للمسز بتلويناتها المختلفة، حيث المسز وصورتها الجدارية الطفلة تشكيل من التلاعب بالزمن، زمن الكائن ذاته في أطواره المختلفة، المسز التي أعطتها مانجا صورة بلا وجه كي تستوعب معانيها في الكوميكس.

المونولوج والتداعي الحر أسلوب الكاتب في الولوج إلى أعماق الشخصيات، والحفر في ممكنات الوعي لديها، ومعرفة تاريخها في نص عالي المستوى والتشويق يجمع بين الغموض والعفوية، فهذا الكم من التحشيد المعرفي المثار في العمل، نص لا ينتهي بانتهاء القراءة، بل يبقي المتلقي في الدوامة التي وضعه بها طارق إمام، وربما هذا ما يهدف إليه، وهي خلق الأسئلة غير المنتهية في عقل القارئ وتحفيز التساؤل حول معاني كل الأشياء وكل القضايا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard