رواية "أم ميمي" لبلال فضل... تجاوز القسوة بالسخرية والضحكات

الأربعاء 27 أبريل 202205:32 م

الضحك حد القهقهة

لعل أجمل ما منحتني إياه رواية "أم ميمي"، لكاتبها بلال فضل، هي جرعة الضحك، الذي وصل أحياناً إلى حدّ القهقهة، طوال الساعات القليلة التي قرأت فيها الرواية. وتلك منحة، يُدرك قيمتها من تَعيَّنت عليه -بحكم عمله- متابعةً شبه يومية لكمٍ هائلٍ من قصصٍ وأخبارٍ بائسة حزينة، وليس مصادفةً أن يكون أشدها بؤساً -بالطبع- ما يمس منطقتنا العربية المنكوبة.

يدخل الراوي شقة أم ميمي "المفروشة"، دخولاً يُمثل انتقالاً من مجتمع إلى مجتمع، ومن طبقةٍ إلى طبقةٍ، دخولاً يفتح ذهنه على عالمٍ آخر غير الذي يعرفه، عالمٍ شديد القسوة والانحطاط معاً.

و"أم ميمي" لمن لا يعرفها هي باكورةُ أعمال كاتِبها، وهي الرواية الأولى من بين ثلاثيةٍ يَنوي بلال إكمالها ليوثّق بها، لا جزءاً من سيرته الذاتية فحسب، بل ليوثّق بالتوازي معها، سيرة شريحةٍ من الفقراء والمهمشين، القابعين في قاع المجتمع المصري، خلال حقبةَ تسعينيات القرن الماضي وما بعدها.

عائلة ميمي

و"أم ميمي"، بطلة العمل، هي صاحبة شقة مفروشة في شارع "خلف كازينو إيزيس"، هكذا هو اسم الشارع! في منطقة الهرم، حيث شاءت الأقدارُ أن يسْكن الراوي، حين قرَّر، بعد دراسته الثانوية، ترك أسرته في محافظة الإسكندرية، والانتقال إلى جامعة القاهرة، ملتحقاً بكلية الإعلام هناك.

يدخل الراوي شقة أم ميمي "المفروشة"، دخولاً يُمثل انتقالاً من مجتمع إلى مجتمع، ومن طبقةٍ إلى طبقةٍ، دخولاً يفتح ذهنه على عالمٍ آخر غير الذي يعرفه، عالمٍ شديد القسوة والانحطاط معاً، يلتقي فيه كائنات بشريةً، غير تلك التي عَهِدَها، كائنات تصارع من أجل البقاء، صراعاً لا مكان فيه لقيم، ولا عمل فيه لأخلاق، ولا رسوخ فيه لمعاني الأبوة والبُنّوة أو الأمومة، ولا لذوي الأرحام والقربى.

تأخذك الرواية، ببراعة كاتبها، الحكّاء المبدع والقاصّ المسلّي، لتتعرف على حيوات "أم ميمي وأبو ميمي وميمي نفسه"، وبقية أفراد الأسرة -غير الكريمة- وجيرانهم المشبوهين، "أبو سامية" وبناته، من مقدمي خدمات الدعارة، فتتبدّى لك أخلاق الفقر، الذي قد يُخرج من الناس أسوأ ما فيهم، وتتعرى أمامك حقيقة بؤس العيش تحت خطوطه المُدقعة.

و"أم ميمي" لمن لا يعرفها هي باكورةُ أعمال كاتِبها، وهي الرواية الأولى من بين ثلاثيةٍ يَنوي بلال إكمالها ليوثّق بها، لا جزءاً من سيرته الذاتية فحسب، بل ليوثّق بالتوازي معها، سيرة شريحةٍ من الفقراء والمهمشين، القابعين في قاع المجتمع المصري، خلال حقبةَ تسعينيات القرن الماضي وما بعدها

حين تختصك الأيام بأكثر تجاربها عبثيةً

في الرواية، تتبدى قدرة الكاتب المدهشة على تطويع اللغة، بل وعلى تسطير لغتين متجاورتين داخل نصٍ واحد، الأولى تُمثّل الراوي بفصاحته، والثانية تُمثّل أبطاله بعاميتهم، فتراه يتنقّل ببراعة من الفصحى التراثية إلى العامية المبتذلة، تنقّلاً لا تنقصه السلاسة ولا الحرفية ولا الأريحية، فتتدفق داخل سطور الرواية، تشبيهاتٌ قرآنيةٌ وتراثيةٌ أصيلةٌ، جنباً إلى جنب مع أقذعِ الألفاظ والشتائم السوقية، التي تطال الأعضاء التناسلية جميعها، وتتعالى فيها "المسبّات" و"الشخرات"، وهو ما تمكًّن، في نهاية المطاف، من خدش حياء شريحة من قرائها، خدشاً يبدو لي مفهوماً، فهؤلاء -على الأرجح- لم يُتعسهم الحظ، ولم تجبرهم الأيام على العيش مع -أو قريباً من- مجتمعات تُشبه مجتمعات أم ميمي، في عشوائيات القاهرة والجيزة، كتلك التي عاش فيها الكاتب "أكثر تجاربه عبثيةً"، ولو عاش هؤلاء تجارب مماثلةً، لربما رأوا شخوص الرواية شخوصاً حقيقيةً من لحمٍ ودمٍ، وأيقنوا أن لغة الحوار بين دفتي الرواية، هي بالفعل لغة حوار حياتهم اليومية، ولك أن تصدق ذلك أو تكذّبه!

ذلك لا يمنعني من القول إٍني لمست في الرواية، استعراضاً لقاموس من الشتائم، وهي وإن كانت مُوظّفةً على لسان شخوصها، إلا أن بعضاً منها شعرت فيه بتزايد قابلٍ للاستغناء عنه، من دون أي تأثير على النص.

أعادتني الرواية إلى فترة من فترات حياتي حين انتقلت من قريتي في محافظة المنوفية، إلى إحدى المناطق الشعبية في القاهرة، حيث سكنتُ وعملتُ –في أثناء إجازات الدراسة الصيفية- هناك، فالتقيت أناساً لا يَتخيّرون عن عائلة أم ميمي، وهي تجربة جعلتني أؤمن لاحقاً، بأن لغةَ الإنسان، كما أخلاقه، هي بنتُ ظروفهِ وبيئتهِ التي يعيش فيها، وحاصل تفاعلاتها، وأن عائلة أم ميمي وجيرانها وأشباهها، قد يستحقون الشفقة أكثر مما يستحقون اللعنات، وبأنهم في نهاية المطاف بشر، أقرب إلى ضحايا من كونهم جُناةً.

لكن ذلك لا يمنعني من القول إٍني لمست في الرواية، استعراضاً لقاموس من الشتائم، وهي وإن كانت مُوظّفةً على لسان شخوصها، إلا أن بعضاً منها شعرت فيه بتزايد قابلٍ للاستغناء عنه، من دون أي تأثير على النص.

ثقوب في البناء

تسحبك الرواية بأسلوبها المُشوق سحباً، فما أن تبدأها حتى تجد نفسك لاهثاً وراءها، صفحةً وراء صفحةٍ، لكن هذا اللهاث على جماله، لا توازيه سرعة مماثلة في تطور الأحداث التي تسير ببطء داخل العمل.

ومما استوقفني في بنائها، تلك العلاقة المضطربة بين الراوي وأبيه، فقد جرى التعريج عليها تعريجاً فهمنا منه أن علاقةً سيئةً تجمعهما، لكن جذور ذلك وأسبابه لم تأخذ حقها من الإيضاح داخل العمل، بالرغم من أنها تُمثّل ركيزةً انطلق منها الكاتب في بناء قصته، التي تبدأ برغبته في الفرار من الأسرة.

ثمَّة غموضٌ يلفّ حالة الراوي المادية، فهو متعثر ويكابد شظف العيش، ويحسب حساب القرش قبل الجنيه، وهي حالة لا تبدو منسجمةً مع عمل والدته كمعلًّمة في إحدى دول الخليج، مع ما يعنيه ذلك -في تسعينيات القرن الماضي- من وضع اجتماعي جيد ووفرة مادية لا بأس بها.

ظاهرياً تبتعد الرواية عن القضية السياسية، لتغوص في أعماق القضية الاجتماعية، لكن بين سطورها تحضر السياسة، عبر أحداثها وشخوصها، كرجل الشرطة، وضابط الآداب، الذي يُؤمِّن لأبي سامية استقرار عمله في تقديم خدمات الدعارة، مقابل تلبية نزواته أسبوعياً

السياسة بموازاة الاجتماع

ظاهرياً تبتعد الرواية عن القضية السياسية، لتغوص في أعماق القضية الاجتماعية، لكن بين سطورها تحضر السياسة، عبر أحداثها وشخوصها، كرجل الشرطة، وضابط الآداب، الذي يُؤمِّن لأبي سامية استقرار عمله في تقديم خدمات الدعارة، مقابل تلبية نزواته أسبوعياً، وتحضر حين يضطر الراوي إلى تأليف سيناريو عن ارتباط أسرته بالجماعات الإرهابية، كحيلة يتخلص بها من "أبو ميمي"، "فلم يكن هناك في تلك الأيام (حقبة التسعينيات) ما يُخيف أحداً أكثر من الارتباط بالجماعات الإرهابية". والسياسة حاضرة في شخص العجوز الخليجي، الذي يلعب دور المنقذ من الفقر لأسرة لا تتورّع عن بيع جسد ابنتَيها مقابل المال. وهي حاضرة في المواقف الهزلية المضحكة للتحرشات الطائفية التي قامت بها "أم ميمي"، ضد طاقم المستشفى القبطي، بالرغم من بعدها كلياً عن الدين والتدين، معرفةً أو سلوكاً.

تصطفّ الرواية مع أخواتها "وكالة عطية" لخيري شلبي، و"الخبز الحافي" لمحمد شكري، لتقدّم لنا واقعاً شديد القسوة والانحطاط، لواحد من العوالم السفلى، لم نكن قادرين على تجاوز قسوته إلا بهذا القدر من السخرية والضحكات، وتتركنا أمام صورة -نَجبُن عن النظر إليها- لشريحة من مجتمعنا، الذي وصلت نسبة الفقر فيه إلى 30 في المئة وفق الإحصاء الرسمي فقط. فإن لم تكن قرأت الرواية فهذه دعوة لقضاء وقت ممتع في قراءتها، وإن كنت قرأتها فالدعوة قائمة لانتظار صدور أختها "حارة سمكة"، الرواية الثانية في هذه الثلاثية "البِلالِية" البديعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard