يوم كشفت ملكة سبأ عن ساقها…

الأربعاء 25 مايو 202212:30 م

وصل الهدهد إلى أرض ملكة سبأ، يستقصي عن الملكة بلقيس، كما ذكر في التراث العربي. ولهذه الملكة أسماء كثيرة في ثقافات عديدة كانت قد تبنّت قصتها كسردية مؤسسة. تقول القصة بأن الهدهد عاد إلى ملكه النبي سليمان وأخبره عن تلك الملكة، فدعاها النبي سليمان لزيارته، فأجابت دعوته، وسافرت إلى أرضه.

ملكة سبأ، وهدهد الملك سليمان، من مخطوطة من العصر الصفوي من نهايات القرن السادس عشر. 

وعندما وصلت قصر النبي سليمان أدخلها عبر ممر من ماء؛ هكذا خيّل إلى بلقيس، فكشفت عن ساقيها، كيلا يبتلّ ثوبها. وبعدما أدركت أنّه ممر مصنوع من زجاج، عرفت مقدار حكمة سليمان وصنعته الكبيرة، فآمنت بالله. لكن التراث نسج خلفيات أخرى لهذه القصة، ففي التوراة نجد أنّ سليمان وبلقيس تباريا في حلّ الألغاز. وفي أحد الألغاز تأتي بلقيس بأطفال متشابهين؛ صبية وبنات. وتطلب من سليمان أن يميّز الصبية من البنات. وهنا يأمر سليمان حاشيته أن يلقوا ثمار البندق أمام الأطفال، فهمّ الأطفال جميعهم بجمع الثمار، لكن البنات منهن تخلفن عن ذلك، كيلا يجمعن الثمار بأطراف أثوابهن خوفاً من أن تنكشف سيقانهن. وبهذه الطريقة استطاع سليمان تمييز الأطفال الصبية من الأطفال البنات.

لا يشير القرآن إلى أن بلقيس جنية أو شيطانة، لكن التراث توسّع في ذلك الأمر معتمداً على على أن الكشف عن ساقي بلقيس عندما خاضت في الممر الذي بدا كالماء العميق، كان حيلة من النبي سليمان ليكشف إن كانت بلقيس أنسية أو جنية وحتى شيطانة. وقد ذكر التراث بأنّ ساقي بلقيس كانتا مملوءتين بالشعر، وبحافري ماعز. لكن ماذا يعني ذلك؟ إن ما تشير إليه صفات ساقي بلقيس، هي أنها جنية، فالشيطان كان يصور بساقي وحافري ماعز.

بعد أن فقد أخيه، تبدّل مظهر أبي الهذيل زفر بن الحارث وهو شاعر إسلامي، فانتقل من حال إسبال الشعر على الكتفين وإرخاء الإزار خلفه دلالة رغد الحياة وعيشة اللهو إلى مظهر المحارب

هذه المعضلة التي أوجدتها طبيعة ساقي بلقيس بعد الكشف عنهما، وجد لها حلٌّ في أثيوبيا. فهم يعتقدون بأن إحدى القبائل الأثيوبية قدمت أضحيات إلى التنين، ومن تلك الأضحيات كانت فتاة تدعى ماكيدا، وهي بلقيس في الأسطورة العربية. لكن تم إنقاذ الفتاة من قبل سبعة قديسين استطاعوا قتل التنين، وأثناء ذلك سقطت قطرة دم من التنين على قدمي الفتاة، فحولتهما إلى ساقي عنزة. وعندما سمعت ماكيدا بالنبي سليمان وعرفت قدرته على شفاء الأمراض، ذهبت إليه فأعاد ساقيها إلى طبيعتهما. أقام سليمان علاقة مع ماكيدا، وبعد أن حملت من سليمان عادت إلى أرضها، وأسس ابنها سلالة حاكمة في أثيوبيا.

ذكرنا أنّ بلقيس كشفت عن ساقيها عندما عبرت الممر الذي بدا كالماء، وهنا علينا أن نربط بين اللغز الذي طرحته بلقيس على النبي سليمان بشأن الأطفال وبين الكشف عن ساقيها، والتدليل أن اللغز الذي طرحته بلقيس، كان يحمل في ثناياه مضمرات أخرى في عقل بلقيس. كان لبلقيس أن تخوض الماء بثوبها، لكن مكر بلقيس بالكشف عن ساقيها تضمن إجابتين للنبي سليمان: الأولى أنها ليست جنية، والثانية بأن تظهر مقدار جمال ساقيها.

لقد كان للكشف عن ساق بلقيس معان عديدة كما رأينا، لكن لتشمير الثياب أو الكشف عن الساق أو تمزيق الثياب قصص أخرى في التاريخ.

تمزيق ثياب المعشوق حبّاً

كان للثياب دور في التعبير عن الحالة النفسية العاطفية، فهناك من يشق ثوبه حزناً، وهناك من يشق ثوبه عشقاً. لقد كانت زليخة متيمة بالنبي يوسف، وعندما لم يطاوعها تعلقت بقميصه ما أدى إلى تمزّقه. لم يكن تمزق القميص مجرد نتيجة عرضية للشد والجذب بين زليخة ويوسف، بل هو نتيجة لتقاليد عشقية يكمن معناها بأن يقوم كل عاشق بتمزيق ثياب معشوقه حتى تدوم المحبة. فها هو الشاعر سحيم بن عبد الحسحاس يقول مؤكداً ما ذهبنا إليه في معنى شق الثياب:

فكم قد شققنا من رداء محبّر/ ومن برقع عن طفلة غير عانس

إذا شقّ بُرد شُق بالبرد برقع/ دواليك حتّى كنّا غير لابس

وقال آخر:

شققت ردائي يوم برقة عالج/ وأمكنني من شقّ برقعك السحقا

فما بال هذا الودّ يفسد بيننا/ ويمحق حبل الوصل ما بيننا محقا

لقد شقت زليخة ثياب النبي يوسف ولو بادلها شقشقة الثياب لكان ثبت عليه العشق، ومع ذلك لقد أنصف التراث زليخة إذ أعيد إليها صباها وتزوّجت من النبي يوسف. 

"وَلا أُرخي مِنَ المَرَحِ الإِزار"

هذا العنوان الفرعي هو عجز بيت الشاعر الجاهلي قيس بن الخطيم، المشهور عنه أنّه قد تتبع قاتلي جده وأبيه حتى قتلهما وثأر لنفسه ولقبيلته. والمعنى من هذا المقطع أنّه شخص جاد، لا يخرج عن طوره حتى وهو فرح، فيرخي إزاره خلفه فخراً وعجرفة وتيهاً. هذا في الفرح، فماذا عنه في الحدثان التي يذهل بها الشخص عن نفسه، فلا نجد تغيّراً في شخص الشاعر، فيقول في صدر البيت: وَلا يُنسينِيَ الحَدَثانُ عِرضي.

يظهر لنا الخطيم تقليداً جاهليّاً كان فيه الرجل إن أراد أن يظهر فرحه، تبختر وأرفل ثيابه خلفه؛ أي جرّها على الأرض دلالة العزّة والجاه. إنّ إرخاء الثياب ثيمة رمزية يبتغيها الجاهلي كي يعبّر عن علوّه على صروف الزمن، ومن تبعاتها التبطّل والكسل، وأخذ الحياة باللهو والتفكّه وشرب الخمر، فإن جدّ الجدّ، كان لا بدّ من تغيير هذا المظهر.

يعرض لنا أبو الهذيل، زفر بن الحارث، وهو شاعر إسلامي، بعد أن قُتل أخوه، التبدّل في مظهره الخارجي، نتيجة حزنه على أخيه، وطلبه الثأر له والجدّ فيه. فقد انتقل من حال إسبال الشعر على الكتفين وإرخاء الإزار خلفه دلالة رغد الحياة وعيشة اللهو، إلى مظهر المحارب. وهو إن أغفل ذكر التشمير عن الساق كما فعل الطائي، إلّا أنّ التقليد الثقافي في إسبال الثوب أو تشميره ما زال حاضراً في أذهان الناس فيقول:

ولمَّا أن نعى النّاعي عُمَيْراً/ حسبتُ سماءهم دُهِيت بليلِ

وكنتُ قبيْلَها يا أُمَّ عمروٍ/ أُرَجِّلُ لِمَّتي وأجرُّ ذيلي

فلو نُبِش المقابرُ عن عمير/ فيخبَرَ مِنْ بلاء أبي الهذيل

ولكي تتّضح لنا الرؤية أكثر، فلنتبع معنى (سَبَلَ) في المعاجم. نجد في لسان العرب في مادة سبل: أَسْبَل فلان ثيابه إِذا طوّلها وأَرسلها إِلى الأَرض. والمسبل إزاره؛ وهو الذي يطيل ثوبه ويرسله حتى يلامس الأرض. وذيل الثوب والإزار؛ ما جرّ منه على الأرض إذا أسبل. ويقال امرأة رافلة ورفلة؛ أي تجرّ ذيل ثوبها على الأرض إذا مشت. وإزار مرْفَل؛ أي مرخى. لقد اتضح لنا معنى الإسبال والإرخاء للثوب لغويّاً، لكن هذا الإيضاح لا يتم إلا إذا كشفنا عن معناه الاجتماعي. يقول زهير بن أبي سلمى:

يَجُرّونَ البُرودَ وَقَد تَمَشَّت/ حُمَيّا الكَأسِ فيهِم وَالغِناءُ

من خلال هذا الشاهد الشعري، نجد أن جرّ الثوب مرتبط بالشرب والطرب، فعندما تلعب الصهباء في رؤوسهم يتخيّلون بأنّهم كالملوك أو السادة الكبار، فيرخون ذيول أثوابهم خلفهم تبختراً وتيهاً وخيلاء. وقد ذكر السّري الرّفاء لأحدهم:

ولقدْ شربتُ الخمرَ حتى خِلتُني/ لمّا خرجتُ أجرُّ فضلَ المِئزَرِ

قابوسَ أو عمرو بن هندٍ جالساً/ يُجبى له ما بينَ دارةِ قيصرِ

ولأنّ هذه الصورة أصيلة في الشعر العربي سنلقى أبا العتاهية يعيدها في الزمن العباسي:

يا رُبَّ يومٍ رأيتُني مَرِحاً/ آخُذ في اللهو مُسبِلَ المِئزرْ

بين ندامَى تحُثّ كأسَهُمُ/ عليهمُ كفُّ شادِنٍ أحوَرْ

وإذا عدنا إلى منبع الشعر الجاهلي نجد ذات التقليد الاجتماعي عند امرئ القيس في جرّ الثوب، لكنّه يضيف إلى ما ذكرناه من أسباب جرّ الثوب على الأرض الشباب وميعة الصبا، فيقول:

عَهِدَتْنِي ناشئاً ذا غِرَّة/ رَجِلَ الجُمَّةِ ذا بَطْنٍ أقبّ

أتَبعُ الوِلدانَ أُرخِي مِئزَرِي/ ابنَ عَشْرٍ ذَا قُرَيْطٍ من ذهبْ

ويكرّر جميل بثينة ذات الموضوعة المرتبطة بالشباب وجرّ المئزر: وَإِذ أَنا أَغيَدُ غَضُّ الشَبابِ/ أَجُرُّ الرِداءَ مَعَ المِئزَرِ.

كان جرّ الثوب مرتبطاً بالشرب والطرب... فعندما تلعب الصهباء في رؤوس الناس يتخيّلون بأنّهم كالملوك أو السادة الكبار، فيرخون ذيول أثوابهم خلفهم تبختراً وتيهَاً وخيلاء

"شمَّرت مِئزَري"

إنّ استقراء الشواهد الشعرية التي ذكرناها، يكشف لنا، بأنّ جرّ الثوب وإسباله قد ارتبط عند العرب في جاهليتهم وإسلامهم بفتوة الشباب، وميعة الصبا، والخمر، واللهو، والطرب، وكلّ ذلك يعني البعد عن حالات الجدّ، لذلك نجد المعنى المعاكس عندما تضرب طبول الحرب، أو يأتي زمن العمل. ونستشهد فيما ذهبنا إليه بقول سلمة بن عياش:

على حينَ ودعَّت الصبابةَ والصبا/ وفارقتُ أَخْداني وشمَّرت مِئزَري

ورد أنّ الكشف عن الساق دلالة على هول يوم القيامة... وفي دلالة الشدّة، بقول حاتم الطائي: "أَخو الحَربِ إِن عَضَّت بِهِ الحَربُ عَضَّها/ وَإِن شَمَّرَت عَن ساقِها الحَربُ شَمَّرا"

لقد كان ابن عياش في زمن الصبا يحيا لاهياً بين أقرانه، وعند جدّ الجدّ، شمّر عن ساقيه وخاض بحر الحياة. وفي رثاء دريد بن الصمة لأخيه نلقى ذات المعنى بشكل قطعي، فقد كان أخوه رجل جدّ وعمل وحرب: كَمِيشُ الإِزَارِ خَارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ/ بَعيدٌ مِنَ الآفاتِ طَلاَّعُ أنْجُدِ

ما بين إرخاء الإزار على الساق حتى يجرّ على الأرض، وتشميره، فتنكشف الساق إلى نصفها؛ عبّر العرب بذلك عن مرحلتين عمريتين: الشباب والمرح، والرجولة والجد. مع بدايات الإسلام، ودخول منظومة أخلاقية جديدة أثرت في شكل المسؤوليات والقيم الاجتماعية، بدأت العادات الجاهلية تنحسر، وبدأت مفاهيم كالتواضع والعمل تكتسب قيمة جديدة. وقد كان لهذا المنحى أن يظهر بالسلوك والتصرّفات وحتى في الثياب.

وأمام الواقع الجديد الذي أوجده الإسلام، فقد تواترت الأحاديث النبوية التي تحضّ على الاتضاع ونبذ التباهي والخيلاء، فقد جاء في المسند: "عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ الأَسَدِىِّ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ (ص): نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ يَا خُرَيْمُ لَوْلاَ خَلَّتَانِ فِيكَ. قُلْتُ: وَمَا هُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِسْبَالُكَ إِزَارَكَ وَإِرْخَاؤُكَ شَعْرَكَ". وجاء في صحيح البخاري،عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ (ص) قَالَ: مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِى النَّارِ.

هذا الخطاب الإسلامي الذي يأمر بالتواضع ونبذ الخيلاء وما يصاحبهما من مظاهر، كإرخاء الإزار حتى يجرّ على الأرض، لم يكن ليكون له صدى في أوائل الدعوة لولا معرفة المخاطبين به بالفرق الاعتباري بين إرخاء الإزار وتشميره.

ورد أنّ الكشف عن الساق دلالة على هول يوم القيامة... وفي دلالة الشدّة، بقول حاتم الطائي: "أَخو الحَربِ إِن عَضَّت بِهِ الحَربُ عَضَّها/ وَإِن شَمَّرَت عَن ساقِها الحَربُ شَمَّرا"                                                                

ومن هنا، عندما ذكرت الآية القرآنية الكشف عن الساق–"يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ"– في معرض الإخبار عن يوم القيامة، كان المعنى اللغوي للتشمير والإرخاء حاضراً في ذهن المتلقين، كذلك المعنى الاعتباري الذي يفرّق بين الجدّ والتباهي والغرور.

 لعبت الثياب أدواراً كثيرة في حياة الإنسان حتى أنه صنع منها خيال المآتة كي تحرس حقوله من الطيور، لكن في زمن الأوبئة والحروب واللجوء لا يبقى للثياب من دور غير ستر العورات ومنح الدفء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard