أنا سعودي، ولكن حزين

السبت 21 مايو 202201:34 م

ليس الغرض من مقدّمة هذا المقال الترويج للسعودية. بل هناك حقائق أودّ نقلها باستمرار، ولا يعني لي "التطبيل" لأن الاسم مستعار. 

ثمة تغيير إيجابي حدث ويحدث. وهو يدعو للتفاؤل بمستقبل جميل. أنا من مواليد 1989 ولم أحلم بالرياض كما أراها اليوم. رياض أتنقل بين معارضها الفنية وفعالياتها الثقافية، رياض ابني فيها مشاريع تجارية من خلال خدمات تدعم النجاح. رياض أجد فيها خيارات سكنية تضمن لي جودة حياة حقيقية. رياض فاق الترفيه فيها أحلامنا البسيطة، ترفيه لا ينحصر في مجرد حفلة مؤقتة، بل هو حالة دائمة بمنتزهات نظيفة. لم أكن أتخيل يوماً أنّ زيارة المكاتب الحكومية ستتحول من كابوس إلى مهمة سهلة أنجزها من جوالي في معظم الأحيان. لم تتسع تطلعاتنا يوماً لإنتاجية حكومية تُنافس القطاع الخاص وتقف بالمرصاد لكلّ من يحاول العبث والفساد في تجسيد المواطنة الحقة والمصلحة العامة التي تعلو على كل شيء. 

ليس الغرض من مقدّمة هذا المقال الترويج للسعودية. بل هناك حقائق أودّ نقلها باستمرار، ولا يعني لي "التطبيل" لأن الاسم مستعار

خلال هذا العام، حضرت ليلة المعازيم، وركبت الكروز، وذهبت للفورميلا. الحقيقة هي أنّي سعيد، ولكني أيضاً حزين. حزين من أجل الداعية الإسلامي السعودي، سلمان العودة، والكاتب الاقتصادي السعودي، عصام الزامل، والصحافي السعودي، جميل فارسي، وغيرهم. ولا يمثلني كلّ من احتكر الحديث ودافع عنهم.  

من حقي، كمواطن شديد الانتماء والفخر ومحب لبلده، أنْ أقول، من داخل بلدي، إني أفتقد من غابوا ولم أنسهم. وبغض النظر عن أي ادعاء، فالسعودية لا تحتاج لاعتقال أي أحد حتى لا تتعطل تنميتها، ولا يصح أن يكون منع السفر فيها عقوبة يخاف منها أبناء جيلي، ويرتعدون كلما مرّوا من "كاونتر" الجوازات، ولأسباب واهية. 

التعاطف مع المقهورين من المعتقلين ليس فيه بالضرورة سياسة أو "تسييس"، بل أمر يتعلق بالأخلاق والمبادئ.

قد يكون هذا نداءً مكرراً للإفراج عن المعتقلين، وهو أقصى ما نستطيع فعله من أجلهم، فأسوأ ما يمكن فعله هو أن تأخذنا الأيام ونخذلهم بالنسيان. أرجو ألا نكون نحن وذاكرتنا القصيرة والزمن الأغبر عليهم. أحب أن أؤكد أني وكثيرين مثلي نعد الأيام حتى يعودوا إلينا. آمل أن يعلموا مدى محبتهم في قلوبنا، وأنْ يعلموا أننا لم نتخلَّ عنهم، ولن نتخلى. 

اليوم باتت هذه القضية أسهل مسطرة لتقييم إنسانية الشخص وقبحه. التعاطف مع المقهورين من المعتقلين ليس فيه بالضرورة سياسة أو "تسييس"، بل أمر يتعلق بالأخلاق والمبادئ. قد تكون كتابة هذه الكلمات لعباً بالنار وتوريطاً لي، وقد أدفع ثمن هذا المقال دون مكسب، إلا أنها تعكس حجم العزة والكرامة لدينا. أرجو أن يكونوا بخير من أجلهم ومن أجل أسرهم ومن أجلنا. تلك العتمة سيغادرونها يوماً ما، ولن نتوقف عن انتظارهم. ليست لنا إلا الأمنيات والدعوات بأن نصحو على خبر جميل عن أحدهم، ونسجد في كل الأماكن التي اشتاقت لهم، فتنتهي الغصة وتكون نهاية الأحزان. 

من سعودي بسيط لا هو مؤيد ولا معارض. إلى زوجات المعتقلين وأبنائهم وآبائهم وأمهاتهم، رسالتي هذه التي لن تسمعوها بلساني: وجعكم هو وجعنا، شعوركم بالوحدة يؤلمنا. في ليلة بائسة يؤخذ منكم هذا الغالي فيطغى حضوره على كل شيء وكأنه لم يغادر البيت قط. أن يكون الغائب في نظر دوائركم متهماً أو في أحسن الأحوال "زعَّل" الحكومة، فيخاف القريب ويحش البعيد ويتجنب الجار ويتحاشى الصديق ويشتم مجهول تويتر. ثم يلجأ الأغلب إلى إخفاء الخبر طمعاً في أمل خدّاع بأن الصمت سيسرع في خروجه. وسبب آخر نحرج من قوله: هو تجنب وصمة العار للسجن وخوف من نبذ المجتمع وإقصائه.  

من سعودي بسيط لا هو مؤيد ولا معارض. إلى زوجات المعتقلين وأبنائهم وآبائهم وأمهاتهم، رسالتي هذه التي لن تسمعوها بلساني: وجعكم هو وجعنا، شعوركم بالوحدة يؤلمنا

الحقيقة هي أنّ لا شيء يعوض غيابهم، هي غصة دائمة في الأوقات السعيدة وطبقة ألم إضافية إلى الأوقات الحزينة. الاعتقال يقتص من عافية الأهل، وُعود زائفة تلعب بنفسياتهم وتعلق آمالهم بأنها مجرد شهور والحياة المؤجلة من "عزايم وطلعات" ستعود لطبيعتها. ثم يأتي الواقع على شكل سحابة سوداء تتضخم فيها الخيبات وتصبح مكالمة هاتفية من ثلاث دقائق هي الغاية. 

نعلم أنّ هذا الغياب طويل ومربك، وأنّ هذا الوجع أتعب قلوبكم وأصبح اليأس هو الخيار المنطقي. لكنّنا نأمل ألا يكسركم هذا الاعتقال، وأن تتحقق العدالة التي تستحقونها. الهدف من هذه الكلمات هو أنتم، ليعلم من لا يعلم أنكم على البال وقلوبنا معكم. لم يتبلد الشعور فينا، ونحن نقرأ تغريدة منكم عمن فقدنا وفقدتم، أخباركم ليست هامشية. نود أن نشارك أفراحكم وأحزانكم في محاولة بائسة منّا للاعتذار عن قبح هذا الكوكب. 

في زيارة، يسأل زوجته: "كيف الحياة برا؟"  

"أجيبك أنا يا صديقي": "كلنا هنا خائفون، لا نثق ببعض ببعض، تويتر مسحناه، الأصحاب خسرناهم، الأقارب يرتابون منا إذا جبنا طاريكم، الأجواء عندنا مشحونة ومتقلبة، يُغلف الكلام بقوالب كثيرة عند الحديث عنكم. نتكلم ونكتب ونفكر بحذر خوفاً من أن نُفهم غلط. في أغلب الأحوال نحن سلبيون تجاه كل شيء إلا أننا أوفياء لكم. نمنع أنفسنا من رسم سيناريو بشع عن مصيركم. أزعم أن أغلبنا عاقل... تعثرنا في الحياة، تنازلنا عن أحلام ووقعنا في الحب. استطعنا تبرير أمور كثيرة إلا أننا لم نتجاوز غيابكم. نكره أنفسنا ونحن نمارس دور المتفرج، يؤرقنا هذا الظلم ويعجزنا عن الإنجاز ونظل نذكّر أنفسنا أن ما يحدث هو خارج منطقة سيطرتنا. نشعر أننا نكرات في أوقات، محاطون نحن بالتافهين، ونسمع كماً هائلاً من الهراء، نجاهد ما استطعنا على ألا نفقد قيمنا. الإنجاز حالياً هو أن نبقى كما نحن، نشعر بالمعاناة ولا نبرر الظلم". 

نعلم أنّ هذا الغياب طويل ومربك، وأنّ هذا الوجع أتعب قلوبكم وأصبح اليأس هو الخيار المنطقي. لكنّنا نأمل ألا يكسركم هذا الاعتقال، وأن تتحقق العدالة التي تستحقونها

هذا المقال لن يخرجكم من العتمة، لكنه كلمات سلوان جاءت متأخرة. اغفروا لنا هذا الصمت وترف الحروف. ملف المعتقلين يا وطني مكلف، كله خسائر ولا رابح فيه. أصدقاؤنا الغائبون: أدعيتنا ترافقكم، فاللهم يا نور السماوات والأرض أنر عتمتهم وزيّن القادم من الأيام. اللهم إنه قد طال بهم الأمد وتساوت لديهم الحياة والموت فآنس يا رب تلك الوحشة وطمن القلوب وهدئ الروعة واكفهم شرور هذا المساء. نستودعهم عندك يا الله فاحرسهم بعينك التي لا تنام وهبهم من القوة فلا ينطفئ منهم أحد. اللهم إنها قد بلغت الوحشة أقصاها فعجل بالفرج القريب، إنك على جمعهم مع أحبابهم إذا شئت قدير. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard