شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هذه طريقة أخرى للعيش مع عمر الخيّام

هذه طريقة أخرى للعيش مع عمر الخيّام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأربعاء 18 مايو 202205:26 م

غنيٌّ عن التعريف هذا الرجل المولع بالحياة والحكمة معاً، الذي جمع بين العلم والشعر، فمرة نجده واضعاً لأهم وأدق تقويم ما زال يستخدمه الإيرانيون، والمعروف بـ"التقويم الجلالي"، ومرة يثنى على علمه كواحد من أهم علماء الرياضيات، وحيناً آخر نسمع صوته مردّداً بين ردهات التاريخ: "أولى بهذا القلب أن يخفقا/وفي ضرامِ الحبِّ أن يُحرَقا".

هنا، وتحيةً لاسمه، في اليوم الذي سمّي بيوم عمر الخيام، وفي إحياء صغير لذكراه التي طالما عطّرت أرواحنا، نتطرق إلى شعره المغنّى، فقد غنى رباعياته الشهيرة كثيرٌ من المطربين/ات الفرس والعرب، أهمّهم طبعاً أم كلثوم في العربية، ومحمد رضا شجَريان في الفارسية. لأم كلثوم لحّن عملاق الموسيقى العربية رياض السنباطي، وجاءت الرباعيات بترجمة فائقة الجمال من الفارسية إلى العربية من أحمد رامي؛ اما شجريان فشاركه في ألبومه الجميل الملحن فِريدون شَهبازيان، وجاء الألبوم مزيّناً بصوت الشاعر الإيراني الشهير أحمد شامْلو.


سوى ذلك، في كلا العربية والفارسية، غنّى شعر الخيام مطربات أخريات ومطربون آخرون، وكان من أجمل ما سمعت مرافقة المطربة التونسية درصاف الحمداني والمطرب الإيراني علي رضا قُرباني في غنائهما للخيام.


ولا ينحصر غناء رباعيات الخيام في هؤلاء المطربين الکبار الذين نعرفهم وحسب، فقد تكون معلومة جديدة أن تعرفوا أن غناء الخيام وما يسمّى بالفارسية "خيام خواني" طقس شعبي وعريق في جنوب إيران، وتشتهر به مدينة ومحافظة بوشِهْر، المدينة الحافلة بالموسيقى والبحر والأطباق البحرية الشهية وأناس يشتهرون برحابة الصدر وحسن الاستضافة.

"وصل الخيّام إلى عتبة الملكوت بعد كثير من العناء والتعب، ثم عاد إليهم، وقال: لا شيء يوجد هنا! حياتكم في بوشِهر مشحونة بالمحَن والمشقات بما يكفي، فلا تصعّبوها أكثر من هذا!"

في بوشهر، الموسيقى طقس دائميّ من طقوس الحياة اليومية؛ لا يحتاج سكان هذه المدينة لمناسبة خاصة أو لعدد كبير كي يقيموا شعيرتهم برنينها الهادئ أو الصاخب؛ يكفي أن يبدأ أحدهم بالغناء لكي يتناول آخرُ "طبلةً"، ويشجعه الآخرون بتصفيقهم المعروف وكأنهم يعزفون على آلات موسيقية هي أيديهم.


سفينة شعر الخيام، من طرفها المحبّ للحياة، ملتصقة بميناء بوشِهر. مجارو البحر، وبما أنهم يطلون على أفق لا نهاية له، بات الزوال معتقداً أزلياً وخفياً بنفس الوقت في أرواحهم.

مجلس غناء الخيام، مدينة بوشِهْر- تصوير حسين حيدر بور

فكيف يمكن لمدينة مطلة على البحر أن تتجاهل كلمات رجلٍ يؤيد رؤيتهم الذاتية تلك؟ فرغم أن نيشابور (في شمالي شرق إيران) هي مسقط رأس عمر الخيام، إلا أنه يعيش بين سكّان بوشهر في حياتهم اليومية ويتخلل كلامهم المعتاد.

ليس ثمة ليلة تمرّ في هذه المدينة دون أن ينبعث الخيام في سهرة صغيرة في ركن أحد البيوت أم في زاوية مقهى شعبيّ أم في خلايا العتمة والضوء الخافت في زقاق، لتتناثر كلماته في سماء ليل المدينة.

هذه الطريقة للحياة يمكن أن تجلب غبطة أي شاعر/ة، بل أي فنان/ة.


استمرار مجالس غناء الخيام (خيّام خواني) له مسوغ اجتماعي أيضاً؛ فهو المجلس الوحيد الذي لا يُنظر فيه إلى الحضور إن كانوا صغاراً ام كباراً في العمر، ورجالاً أم نساء؛ إن كان التصفيق والرقص أمراً غير محبّذ في نوع آخر من الموسيقى وفي مجلس آخر، فالوضع مختلف في "خيّام خواني"، والعيار هنا شيء آخر؛ التصفيق والرقص هنا، ورغم الصخب، هما بمثابة تأمل وتأييد على زوال العالم العابر الذي لا بدّ أن تُغتنَم لحظاته بالفرح وصفاء القلب. هكذا تصبح مجالس الخيام في هذه المدينة طقساً صوفياً شعبياً بامتياز.

المجلس الذي تجلس فيه النساء إلى جانب الرجال، مجلس شكيل ومحتشم في أوج الوله المخيّم عليه، والإيقاعات الموسيقية التي تزيد من ذلك الوله؛ كأنهم جالسون لينظروا في المفاهيم العليا للحياة والنظريات الفلسفية العميقة في الإنسان والقدَر والكون؛ نظرة مدوزنة ومحلقة كطائر رشيق.

كيف يمكن لمدينة مطلة على البحر أن تتجاهل كلمات رجلٍ يؤيد رؤيتهم الذاتية تلك؟ فرغم أن نيشابور هي مسقط رأس عمر الخيام، إلا أنه يعيش بين سكّان بوشهر في حياتهم اليومية ويتخلل كلامهم المعتاد

هذه اللعبة الإلهية أو الفلسفية الليلية، متاحة ومشرعة الأبواب أمام الجميع.

من الخلاف على كون عمر الخيام متشرعاً عارفاً أو أبيقورياً محضاً، يحدث سلوك شقيّ ومرح في مجالس غناء الخيام في بوشِهْر. هنا تُغنى عشرات من الرباعيات المنسوبة إلى الخيام دون أن يكون الخيام عارفاً بها! فالرّوح الخيامية هي المهمة هنا، وليس ما وجدوه في الكتاب فقط. فقد نسبت إلى الخيام كثيرٌ من الرباعيات يؤكد الباحثون أنها غير مكتوبة على يده.

عن ذلك كتب ذات مرة الكاتب والمخرج الإيراني، إحسان عبدي بور، المنحدر من هذه المدينة: "لا أعرف أن الخيام الشهير لدينا اليوم هو الأصح، أم الخيام المزيف هو الأشهر، لكنني أعرف أن في بوشهْر، قد مرّر الكثيرون ما تراكم في قلوبهم في قالب الرباعيات، من بين تلك الشروخ بين القراءتين للخيام، ونسبوها إليه.

وقد يكون الحكيم نفسه ممهّداً لذلك، (فقد فتح باب المزاح بنفسه) كما يقال، وقد وصل إلى عتبة الملكوت بعد كثير من العناء والتعب، ثم عاد إليهم، وقال: لا شيء يوجد هنا! حياتكم في بوشِهر مشحونة بالمحَن والمشقات بما يكفي، فلا تصعّبوها أكثر من هذا!.

لذلك عادة ما تبدأ الجلسات الخيامية في بوشِهر بـ(سمعت صوتاً هاتفاً في السّحر)، وأبيات فلسفية أخرى، ثم تنحدر نحو (ما شفت بنت مثلك/ تلبس عباية وتروح للمُلّا)، وإلخ". 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard