"أبناء مع وقف التنفيذ"... رحلة البحث الشاقّة عن وثائق هوية الأطفال بعد "الطلاق"

السبت 14 مايو 202203:58 م

لم تضع إلهام في حسبانها أن طفلتها، البالغة من العمر 16 سنةً، ستصبح بلا هوية في بلد المهجر، بعدما رفض طليقها منح الإذن لها لإعداد جواز السفر وبطاقة التعريف الوطنية لابنته، التي تتابع حالياً دراستها في إسبانيا من دون أي وثيقة تثبت هويتها.

بدأت معاناة إلهام، عندما عادت ذات صيف برفقة زوجها السابق وطفلتهما التي لم تكن سنّها آنذاك تتجاوز السنتين، من إيطاليا حيث كانت الأسرة الصغيرة تقيم، لقضاء عطلة الصيف في مدينة بني ملال (وسط المغرب)، فنشبت خلافات بين الزوجين، دفعت الزوج إلى تجريدها من كافة الوثائق حتى لا تتمكن من العودة إلى بلاد المهجر، فتمت مباشرة إجراءات الطلاق وحصلت على حضانة طفلتها، لتظل رغماً عنها في المغرب.

قبل ثلاث سنوات، استطاعت إلهام الهجرة إلى إسبانيا برفقة طفلتها، وبعدما حصلت على وثائق الإقامة في هذا البلد، ظلت طفلتها من دون أي وثيقة.

المال مقابل الهوية

سبب معاناة إلهام وطفلتها، هو أنه بالرغم من حصول المرأة المغربية على الحضانة بعد الطلاق، فإنها تظل تحت رحمة طليقها في كل شأن إداري يتعلق بأطفالها، وتحتاج إلى موافقة رسمية منه بصفته الوصي القانوني.

إنها حضانة "ناقصة ومعلقة"، لأن الطليقة إذا أرادت إعداد أي وثيقة تتعلق بمن تحت حضانتها، من قبيل بطاقة التعريف الوطنية أو جواز السفر، فإنها مطالبة بأن تبدأ برحلة البحث عن إذن الأب، سواء عبر التواصل المباشر معه، أو عبر وساطة، وقد تلجأ في بعض الحالات إلى القضاء، لتكون الضحية الأولى والأخيرة هي ذلك الطفل أو الطفلة اللذان لا ذنب لهما سوى أنهما كانا ثمرة زواج انتهى بالانفصال.

تحكي إلهام لرصيف22، قائلةً: "وُلدت ابنتي في إيطاليا، وبعد طلاقي تابعت دراستها في المغرب حتى العام الأخير من الابتدائي. بعدها هاجرنا إلى إسبانيا بطريقة سرية، وعقب حصولي على وثائق الإقامة، ظلت ابنتي بلا أي وثائق".

لم تضع إلهام في حسبانها أن طفلتها، البالغة من العمر 16 سنةً، ستصبح بلا هوية في إسبانيا، بعدما رفض طليقها منح الإذن لها لإعداد جواز السفر وبطاقة التعريف الوطنية لابنته المغربية

تسرد إلهام معاناتها المستمرة ومحاولاتها من أجل الحصول على إذن طليقها، بهدف إعداد وثائق هوية لطفلتها قائلةً: "حاولت الطفلة مباشرةً مع والدها، فكان شرطه أن أشتري منه الموافقة عبر التنازل عن الحقوق المادية للحضانة لمدة ثماني سنوات. رفضت ذلك لأنني لم أقبل أن تكون مصلحة ابنته محل مساومة"، وأردفت: "طرقت باب القنصلية المغربية هنا حيث أقيم، وأيضاً باب السلطات المحلية في بني ملال، ولجأت إلى القضاء المغربي عبر محامٍ، لكن كانت النتيجة لا شيء، وبعدها فوّضت الملف لمدرسة ابنتي التي تتابع الملف خاصةً أن ابنتي متفوقة في دراستها".

انتقام وتجريد من الوثائق

إلهام حالة من حالات نساء كثيرات يتجرعن مرارة الحصول على رخص من أزاوجهن السابقين، بهدف إعداد وثائق هوية أطفال في حضانتهن.

فاطمة، سيدة مطلقة مقيمة في المغرب، لم تتصور أن تدخل في دوامة الحصول على إذن لنقل طفلها البالغ من العمر ثماني سنوات، من مدرسة إلى أخرى بعد تغيير محل إقامتها.

قصة فاطمة لا تختلف كثيراً عن قصة إلهام، إذ وصفت تجربتها بالسيئة، وعدّت ما تعيشه ظلماً ينبغي أن يُرفع في أقرب الآجال.

تقول المرأة، وهي تبوح بمعاناتها لرصيف22، إنه "لم يكن لديّ اطلاع على القانون وبعد تغيير محل الإقامة باشرت إجراءات نقل طفلي ففوجئت بضرورة الحصول على موافقة والده. لم أتقبل ذلك نفسياً، لأنه كيف يُعقل أنني أسهر على كل شؤون ابني من البداية إلى النهاية، ووالده لا يأبه له، وفي الأمور الإدارية يستوجب الأمر الحصول على موافقة الأب الذي لا يعيره أي اهتمام"، ثم واصلت سرد حكايتها: "حاولت التواصل المباشر مع طليقي لكنه رفض ذلك، قبل أن تتدخل أسرته في النهاية لأنقل ابني".

الطليقة إذا أرادت إعداد أي وثيقة تتعلق بمن تحت حضانتها، مطالبة بأن تبدأ برحلة البحث عن إذن الأب، سواء عبر التواصل المباشر معه، أو عبر وساطة، وقد تلجأ في بعض الحالات إلى القضاء

محمد إشماعو، محام في هيئة المحامين في الرباط، يرى أن "هناك معاناةً مركبةً تعاني منها المرأة المغربية في هذا الباب. نساء كثيرات اضطررن إلى الاستقرار في المغرب رغماً عنهن، وحُرم أطفالهن من الدراسة خارج المغرب بالرغم من أنهم وُلدوا في بلدان المهجر، ويتم انتزاع كل الوثائق التي تؤكد ذلك".

يوضح إشماعو، في تصريح لرصيف22، أنه "حتى عندما تمنح المحكمة الإذن بالحصول على جواز السفر بحكم قضائي، فإنه تستحيل مغادرة البلاد من دون إذن الأب الذي تظل الأسرة تحت رحمته، لأنه هو الوصي وهو المالك للتوقيع. هناك آباء يمارسون نوعاً من التعسف المقصود للإضرار بالأسرة في هذا الباب فلا تحصل الأم على الإذن بالسفر للأبناء".

وتابع إشماعو، وهو ناشط حقوقي أيضاً، أن "الأخطر من ذلك هو أن عدداً من الآباء يحملون جنسيات دول أجنبية، وعندما يقع الخلاف يتم استقدام الزوجة إلى المغرب، وتُنتزع منها كل الوثائق الخاصة بها، بما فيها بطاقة الإقامة في الدولة الأجنبية ثم يتركون الأم وأطفالها ويعودون إلى بلاد المهجر بعد تطليقها. تعجز الأم عن السفر بأبنائها إلى خارج المغرب، لأن الأمر يتوقف على شروط وضوابط معينة من الأب، وليس فقط الإذن المكتوب، بل عبر إذن صريح ووثيقة عدلية يقر فيها بأنه يتنازل للأم عن الحضانة وعن الحق في متابعة الشؤون الإدارية المرتبطة بالطفل".

تنص المادة 231 من مدونة الأسرة المغربية، على أن "النيابة الشرعية تكون للأب الراشد، وتعود للأم عند عدم وجود الأب أو عند فقدانه الأهلية".

كما تمنع المدونة أيضاً، السفر بالقاصر من دون إذن نائبه الشرعي، لكنها في المقابل تعطي حق اللجوء للقضاء المستعجل للحصول على إذن بعد التأكد من الصفة العرضية للسفر، ومن عودة المحتضَن إلى المغرب.

ابتزاز مصالح الأطفال

جاءت مدونة الأسرة بأحكام متقدمة، تناولت مواضيع عديدةً، لكن ماذا عن هذا الملف؟ تجيب سميرة موحيا، رئيسة فيدرالية رابطة حقوق النساء، رصيف22، بالقول: "عددنا المدونة ثورةً هادئةً وأنها قامت بمأسسة المساواة بين الرجل والمرأة، لكن يكون ذلك خلال قيام ميثاق الزوجية، وبعد انحلاله تصبح الولاية القانونية من حق الرجل بالرغم من منح الأم الحضانة، لكن هذه الحضانة تكون ناقصةً، إذ لا أحقية لها في التصرف في الأمور ذات الطبيعة الإدارية للأطفال سواء المتعلقة بإعداد جواز السفر أو بطاقة التعريف الوطنية، بل الأنكى من ذلك إذا فتحت أمّ حساباً بنكياً للطفل تضع فيه مبلغاً شهرياً، ورغبت في سحب ذلك المال، فإنه ليس من حقها، بل لا بد لها من الحصول على إذن الأب وموافقته لسحبه".

الحقوقية النسائية تحدثت بحرقة إلى رصيف22، عن أحوال عدد من النساء المطلقات اللواتي يتعرضن للابتزاز من لدن أزواجهن السابقين، ولكل أنواع العنف اللفظي والمعنوي لا لشيء إلا لأجل الحصول على موافقتهم لإعداد وثائق لأطفالهن الذين تصبح مصلحتهم عرضةً لكل أنواع المقايضة والابتزاز ويضيع بذلك العديد من مصالحهم.

 إذا فتحت أمّ حساباً بنكياً للطفل تضع فيه مبلغاً شهرياً، ورغبت في سحب ذلك المال، فإنه ليس من حقها، بل لا بد لها من الحصول على إذن الأب وموافقته لسحبه

أضافت وهي تكشف عن مفاتيح الحلّ: "تتطلب المراجعة الشاملة لمدونة الأسرة أن تكون المساواة بينهما في تدبير كل شؤون الأسرة سواء في أثناء استمرار ميثاق الزوجية أو في أثناء انحلاله".

في هذا الصدد، يقول المحامي إشماعو، إن "معاناة النساء المطلقات مريرة جداً وينبغي التعامل مع هذا الملف بمرونة"، مضيفاً أن القضاء مطالب بأن تكون له المبادرة كما كانت له في مسألة نقل الأطفال من المدارس.

واسترسل بالقول: "ينبغي إلغاء هذا الأمر لأنه إذا كانت الحضانة للأم فينبغي أن تكون شاملةً، بما فيها السهر على الشؤون الإدارية للطفل. هذا هو المبدأ القانوني والشرعي السليم، أما أن نعطي للمرأة الحضانة ونقيّدها بموافقة الأب وتوقيعه فهذا أمر لا يجوز ولا يُستساغ مطلقاً، وهو أمر غير مقبول بتاتاً".

إشماعو، نبّه إلى وجود نساء يناضلن ويكافحن من أجل توفير شروط جيدة لأبنائهن ويرغبن في أن يتابعوا الدراسة خارج المغرب، لكنهن يجدن اعتراضاً من الأب، من "باب الانتقام"، ولا يمنح الإذن لطفله أو طفلته لإنجاز جواز السفر أو مغادرة التراب الوطني.

حل حكومي؟

رداً على سؤال كتابي داخل مجلس النواب، وُجِّه إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، حول الموضوع، كان جوابه أن وزارته تدرس بتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج إمكانية وضع إطار قانوني يمنح الأمّ حق إعداد جواز سفر لفائدة طفلها القاصر من دون موافقة صريحة مسبقة من الأب.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج تتيح لمصالحها القنصلية "إمكانية منح الأم المطلقة الحاضنة حق طلب جوازات سفر أبنائها وسحبها في حالة غياب الأب وتعذر الاتصال به، وذلك مراعاةً لتحقيق مصلحة الأطفال القاصرين، خاصةً أن استصدار جواز السفر أو تجديده شرطان أساسيان لتجديد الإقامة في ديار المهجر وإنجاز خدمات أخرى، فضلاً عن المحافظة على الارتباط بالوطن الأم"، حسب ما ورد في جواب وزير الداخلية، الذي اطّلع رصيف22 على نسخة منه.

لكن يظل جواب الحكومة خاصاً بإعداد جواز السفر فحسب، أما المشكلة الأعمق بكثير فهي أن الشؤون الإدارية للأطفال لا ترتبط فقط بهذه الوثيقة، ولكن بوثائق أخرى من أبرزها بطاقة التعريف الوطنية (بطاقة الهوية)، والتصرف في الحساب البنكي وشؤون المدرسة وسفر الأطفال إلى الخارج، وهو ما دفع الحركة الحقوقية في المغرب للمطالبة بمنح الحضانة للأم كاملةً غير منقوصة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard