شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ألواح الطاقة الشمسيّة في سوريا: ربما هي في حقيقة الأمر منقذ، ولكنه منقذ مكلف

ألواح الطاقة الشمسيّة في سوريا: ربما هي في حقيقة الأمر منقذ، ولكنه منقذ مكلف

رأي

الثلاثاء 17 مايو 202209:18 ص

عندما نقول ساعة واحدة من الكهرباء سيفهم هذه العبارة كل من يعيشها. وأما من يقرأ العبارة ولا يعلم بها فسيصاب بالذعر ربما، أو سيحسبها فيلماً كوميدياً، أو قد يقول: "الحمدالله عندي كهرباء". 

مع استمرار الحرب في سوريا، ازداد التقنين الكهربائي بصورة شديدة، وثبت هذا الوضع على ساعة واحدة من الكهرباء في اليوم فقط. هي ساعة، ولكنها مونولوغ سوري يدخل في صميم الحياة اليومية. تلك الساعة نستطيع أن نفعل فيها الكثير، ففيها نتحدى الوقت والزمن وعطل الكهرباء المفاجئ، وفيها نتحدى القدر، وفيها نركض لأعمالنا مدفوعين بقوة عظيمة جشعة لا تكل أو تمل، بقوة تقذف بنا نحو الاستمرار. ربما هذه القوة هي الأمل، لا أعلم. أو ربما هي غريزة البقاء الموجودة في جميع الأجناس البشرية.  

مع استمرار الحرب في سوريا، ازداد التقنين الكهربائي بصورة شديدة، وثبت هذا الوضع على ساعة واحدة من الكهرباء في اليوم فقط. هي ساعة، ولكنها مونولوغ سوري يدخل في صميم الحياة اليومية

هذا لا يعني أننا دائماً على أهبّة الاستعداد لاستقبال تلك الساعة ومتابعة عملنا. لا، ليس كذلك. فقد تتخللها بعض الأيام التي يسيطر فيها اليأس علينا فتتشابه  الساعات، ولا نحفل بمجيء الكهرباء أو انقطاعها. ولكن تلك الأيام معدودة، ليس بإرادتنا، ولكن لأنّ ضريبة رفاهية التأجيل ليست متاحة لنا. 

ساعة الكهرباء هذه هي سيمفونية من الأعمال التي ترى الناس فيها تجري بسرعة لفعلها. فما إن يرى أحد منّا أنّ الكهرباء جاءت، حتى تتسابق الأرجل لشحن الهاتف، واللابتوب، وتسخين الحمام، وتسخين الطعام في حال عدم توفر الغاز، أو حتى شحن البطارية - التي لها قصة أخرى فهي المؤنس في الليل. ستجد نفسك - بينما تجلس في الليل قبالة شاشة اللابتوب الذي يصارع شحنه وينذر بالإطفاء - تقوم في كل دقيقة لإصلاح البطارية التي لم تعد تأخذ شحناً كافياً لتضيء تلك "الليدات" اللعينة، والتي صارت المكون والمقوم الأساسي لحياتنا. 

ربما تستمر الكهرباء ساعة كاملة، وربما تتخللها بعض عمليات القطع المفاجئ خلال تلك الساعة المضيئة الجميلة. 

سيمفونية دخلت في صميم حياتنا اليومية. ربما باتت عادة، أو ربما كابوساً...  

الغريب هو أنه في الفترة الحالية، درج مصطلح "ألواح الطاقة الشمسية"، وباتت الناس تندفع لشرائها وتركيبها. وبالـ "الناس"، أقصد أصحاب النفوذ والطبقات الاجتماعية المرموقة. لماذا؟  

ساعة الكهرباء هذه هي سيمفونية من الأعمال التي ترى الناس فيها تجري بسرعة لفعلها. فما إن يرى أحد منّا أنّ الكهرباء جاءت، حتى تتسابق الأرجل لشحن الهاتف، واللابتوب، وتسخين الحمام، وتسخين الطعام في حال عدم توفر الغاز، أو حتى شحن البطارية - التي لها قصة أخرى فهي المؤنس في الليل

في بادئ الأمر، جميع الناس، بمختلف فئاتها الاجتماعية، أحبت فكرة ألواح الطاقة الشمسية، لأنها تدعم الحلول التي تؤدي إلى حماية البيئة وتقليل انبعاث الكربون وتحقيق الاستدامة. 

ما يغريك في الإعلانات عن تلك الألواح الخارقة أنها ستحل محل الكهرباء. ستنسى تلك الساعة من الضوء وساعات الظلام، فهم يصورونها على أنها المنقذ، أو ربما هي في حقيقة الأمر منقذ، ولكنه منقذ مكلف نوعاً ما. 

ما يفاجئك هو أن هذه الفئة من الناس التي اندفعت لشرائها، قد تراجعت خطوة إلى الخلف لأنها علمت بتكلفتها الغالية. 

لماذا يا ترى؟ أليست موجودة لحماية البيئة ولتحقيق الاستدامة؟ هل هذا يعني أنّ الاستدامة مكلفة؟ ربما تكون كذلك، وربما تكون العودة للروتين المعتاد أفضل وأسهل.  

لذلك، قررت أغلب الفئات الاجتماعية الفقيرة البعد عن الاستدامة بحجة حبها للروتين الماضي، أو بحجة اعتيادها عليه وعلى مشاكله، فباتت تعرف كل أعطال البطاريات التي استخدمتها. والحجة الأصدق هي أنّ تلك الفئات الاجتماعية الفقيرة لا تملك ثمن تركيب ألواح الطاقة الشمسية. 

قررت أغلب الفئات الاجتماعية الفقيرة البعد عن الاستدامة بحجة حبها للروتين الماضي، أو بحجة اعتيادها عليه وعلى مشاكله، فباتت تعرف كل أعطال البطاريات التي استخدمتها. والحجة الأصدق هي أنّ تلك الفئات الاجتماعية الفقيرة لا تملك ثمن تركيب ألواح الطاقة الشمسية

"بطارية، ليدات، ساعات من الصفن، وأحياناً ساعات من الجلوس في الكافتيريا لإنجاز عمل نقوم به، أو دراسة ربما، تأجيل بعض الأعمال لمجيء الكهرباء". تلك الدوامة السابقة يختارها الفقراء، أصحاب الدخل المحدود، لأنهم وجدوا أنّ الاستدامة - التي رحبوا بها في السابق - مكلفة جداً، لا بل حلم تاريخي يجب العمل عليه لسنوات مديدة. 

هل يا ترى ألواح الطاقة الشمسية المكلفة هي الاستدامة أم حلم هذه الفئات هو المستدام؟ 


فهل يا ترى ألواح الطاقة الشمسية المكلفة هي الاستدامة أم حلم هذه الفئات هو المستدام؟ 

اللافت هو أنك سريعاً تستطيع معرفة التقسيم الطبقي الذي ظهر اليوم بين من ركّب ألواح الطاقة الشمسية وبين من لا يملك هذه الألواح. ولكنك ستقول ربما كل ما يحصل طبيعي، فالخطأ موجود في تعريف مصطلح الاستدامة. 

الاستدامة ليست العصا السحرية التي تغير أحوال الناس بين ليلة وضحاها. ولا تفاجأ حين تعلم أنّ بعضاً ممن يقوم بتركيب تلك الألواح اليوم ويتباهى بأنه يواكب الحداثة ويطبق الاستدامة بحذافيرها، لا يفقه عن تلك العملية شيئاً، ولا يبالي بأهميتها للبيئة. لذلك، باتت الاستدامة مصطلحاً متعارفاً عليه لدى فئة من الناس لترسيخ الصورة التي رسموها في أذهانهم. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard