فاغنر... صراع البقاء على الأرض الليبية

الثلاثاء 10 مايو 202205:02 م

الوجود الروسي على الأراضي الليبية لم يعد أمراً مخفياً عن الأعين، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة التي شنّها المشير خليفة حفتر، مطلع العام 2019، على العاصمة الليبية طرابلس، والتي شاركت فيها مجموعة الفاغنر الروسية بشكل فاعل وحقيقي معززةً من قدرات القوات التابعة للقيادة العامة برئاسة حفتر. وعلى الرغم من تهرّب الرئيس فلاديمير بوتين، خلال المؤتمر الصحافي الشهير الذي جمعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في العاصمة التركية أنقرة، مطلع كانون الثاني/ يناير 2022، قائلاً: "إذا كان هناك مواطنون روس، فإنهم لا يمثلون مصالح الدولة الروسية، ولا يتلقون أموالاً من الدولة الروسية"، إلا أنّ التطورات السياسيّة أجبرت الفاغنر على الخروج إلى النور، إذ أقرّت بعثة الأمم المتحدة في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، خطّة عمل لإخراج المرتزقة من ليبيا، بمن فيهم قوّات الفاغنر الروسية، وقد عملت على تطبيقها اللجنة العسكرية 5+5، المكونة من ضبّاط رفيعي المستوى من طرفَي النزاع المسلّح شرقاً وغرباً.

لم تكن الخطّة سوى نقطة الانطلاق لإثبات الوجود الروسي الذي تم نكرانه مراراً وتكراراً من الأطراف المتورّطة فيه منذ البداية، والمتمثلة في معسكر شرق ليبيا الذي بدأت تواصلاته مع الدب القطبي في أول زيارة نفّذها المشير خليفة حفتر إلى موسكو عام 2016، في مبادرة للحصول على الدعم الروسي لمحاربة الجماعات الجهاديّة التي سيطرت على مدينة بنغازي بالتحديد في تلك الفترة، لتتبعها الزيارة الشهيرة إلى حاملة الطائرات الروسية "أدميرال كوزنيتسوف"، التي قام بها المشير مطلع العام 2017، والتي تم خلالها الاتصال بين وزير الدفاع الروسي والمشير لمناقشة قضايا محاربة الإرهاب في المنطقة، وقد ظلّت الاتفاقية التي تم توقيعها خلال تلك الزيارة مجهولة الأجندة حتى اللحظة.

لم ينتهِ ملف الفاغنر في ليبيا حتى اللحظة. وبالرغم من التقارير التي تشير إلى مغادرة الآلاف منهم وتصريحات اللجنة العسكرية 5+5 التي أفادت بمغادرة جزء كبير منهم، إلا أن الوجود الروسي لا يزال أمراً واقعاً وتأثيره أوضح على السياسة الليبية، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن النية الحقيقية لروسيا التي لطالما كررت الدعوة لإخراج المرتزقة والانتقال إلى التحوّل الديمقراطي في ليبيا من خلال صناديق الاقتراع. فهل فعلاً روسيا تلعب في الخفاء لإثبات وجودها أم أنّ الهدف أكبر من مجرّد الوجود العسكري؟ بعض التحليلات المحليّة تفيد بأنّ روسيا تضمر نيّة إنشاء قاعدة عسكريّة روسية في ليبيا عن طريق فاغنر. تقرير استقصائي أصدرته BBC عربي في آب/ أغسطس 2021، أفاد بتواجد قوات فاغنر خلال الحرب التي دارت في العاصمة طرابلس وضواحيها بعد العثور على مقتنياتها الإلكترونية التي كانت ترافقها خلال تنقلها في ليبيا.

لم ينتهِ ملف الفاغنر في ليبيا حتى اللحظة. وبالرغم من التقارير التي تشير إلى مغادرة الآلاف منهم وتصريحات اللجنة العسكرية 5+5 التي أفادت بمغادرة جزء كبير منهم، إلا أن الوجود الروسي لا يزال أمراً واقعاً وتأثيره أوضح على السياسة الليبية

التقرير ذكر بدقّة أماكن الوجود التي تمركزت فيها قوات الفاغنر، كما ذكر العدّة والعتاد التي كانت ترافق القوات خلال تنقلها في مواقع القتال المختلفة التي تم تعليمها على الجهاز اللوحي الذي تم العثور عليه. التفاصيل أكدت أيضاً التجهيز العالي الذي إن دل على شيء فإنّه يدل على وجود تنظيم عالي المستوى غير موجود إلا في التشكيلات العسكرية الحربية الروسية كما ذكر التقرير.

تثار قضيّة الفاغنر من جديد بعد تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنّ وجود الشركة الأمنية الروسية فاغنر، كان بناءً على دعوة السلطات الليبية في مدينة طبرق، وبأنّه وجود تجاري وفق الاتفاق المبرَم مع هذه الشركة الأمنية، وهو ما أثار موجة غضب عارمةً لدى أعضاء البرلمان الذي أخرجت كتلة لا للتمديد المنبثقة عنه، بياناً يندد بالتصريحات الحساسة لوزير الخارجية الروسي، نافياً نفياً قاطعاً وجود أي تعاملات تجارية أو تعاون مع الشركة الأمنية، وقد طالبوا النائب العام الليبي بضرورة فتح تحقيق فوري وعاجل حول هذه الاتهامات.

فيما تعلو الأصوات الرافضة للبرلمان الليبي المنتهية ولايته، لأنّ هذا الفعل ليس غريباً على برلمان صوّت ودعم إطلاق حرب هوجاء على عاصمته، وعرّض حياة الملايين للموت، يأتي بعد انقضائها وتحقيق مصالح أعضائه، رئيسٌ مصرّحاً بأن الحرب كانت خياراً خطأً وبأن الندم يعتريهم لما حدث.

هل يستمر استعمال الأراضي الليبية كساحة لتصفية حسابات إقليمية عجزت دول العالم الكبرى عن حلها بالديمقراطية المزعومة؟

تخبّط في ردود الفعل حول التصريحات

شائعات أخرى دارت حول مغادرة قوات الفاغنر إلى أوكرانيا، عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة، ولكن لا تأكيدات حتى اللحظة حول حقيقة هذه المزاعم، إلا أن حقيقة الانحسار الروسي في ليبيا ليست محض صدفة وفق رؤية المحللين الليبين الذين أعادوه إلى نقطتين مهمّتين وهما: الاتفاق الروسي التركي حول تقاسم النفوذ على الأراضي الليبية والذي عُزز بالمصالحة الخليجية التي تلعب دوراً مهماً في الصراع المسلّح الدائر في ليبيا منذ العام 2011. أمّا النقطة الثانية والأهم والتي استجدت على الساحة فهي ضعف القوة الروسية بعد دخولها الحرب الأوكرانية، وانتقال التركيز إلى هذه الحرب التي تُعدّ الأَولى والأهم في الوقت الحالي لروسيا، والذي من شأنه أن ينقل قوات الفاغنر إلى مناطق الاقتتال الروسية-الأوكرانية؛ ولكن هل يعني هذا أن تغامر روسيا بالعمق الذي صنعته لنفسها في ليبيا وعملت لأجله بجد؟

يشكل الخلاف الناشئ بين لجنة 5+5 العسكرية، التي تمثّل الجهة الرسمية المسؤولة والمخولة محلياً ودولياً متابعة انسحاب كافّة القوات الأجنبية من ليبيا، حجر عثرة أمام متابعة هذه العملية. فبعد الانشقاق الحاصل في دفّة السلطة التنفيذية الليبية مجدداً وانقسام الحكومات إلى وحدة وطنية واستقرار، باتت عمليات الضغط المستعملة من قبل الطرفين تطال تسلسل عمليات إخراج المرتزقة، والذي ينذر في نقطة ما ربّما بانهيار هذه العمليات، خصوصاً وأن شبح الحرب المحلية يعود للتلويح من جديد بوجوده كواقع يلازم الليبيين ما دام الانقسام لم ينتهِ، خصوصاً وأنّ البرلمان يحاول الضغط بكل ما يملك لفرض حكومة الاستقرار برئاسة وزيرة الخارجية الأسبق.

ويبقى السؤال: هل يستمر استعمال الأراضي الليبية كساحة لتصفية حسابات إقليمية عجزت دول العالم الكبرى عن حلها بالديمقراطية المزعومة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard