هل سيتحوّل مسلسل "بطلوع الروح" إلى فيلم؟ وهل سيصل إلى الأوسكار؟

الثلاثاء 10 مايو 202202:18 م

يُقال الثالثة ثابتة. لبنان وصل مرتين إلى حفل جوائز الأوسكار، ونافس مرتين في سنتين متتاليتين على جائزة "أوسكار أفضل فيلم أجنبي" من خلال فيلمي زياد دويري "القضية رقم 23" عام 2017، ونادين لبكي "كفرناحوم" عام 2018. فهل تكون الثالثة ثابتة مع فيلم "بطلوع الروح" للمنتج اللبناني صادق الصبّاح وشركة "سيدرز آرت برودكشن"، ومن إخراج المصرية كاملة أبو ذكري؟

نعم! أعلم أن "بطلوع الروح" مسلسل تلفزيوني وليس فيلماً سينمائياً. ولا نيّة للإنتاج والإخراج في إعادة تصوير أحداث سينمائية جديدة من وحي المسلسل المقسّم 15 حلقة، والذي عرض في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك الماضي على منصة شاهد. وحقق نجاحاً كبيراً في تصوير رحلة درامية إنسانية إلى الرقة، عاصمة تنظيم داعش ووكره في سوريا، برفقة الشخصية الرئيسية المصرية "روح"، التي لعبت دورها الممثلة منّة شلبي. وكان ذلك بعدما خدعها زوجها الملتحق – دون علمها – بجند دولة الخلافة الإسلامية بزعامة الأمير عمر، صديق زوجها من أيام الدراسة في مصر، والمغرم بها سراً.

وصل لبنان مرتين إلى حفل جوائز الأوسكار، ونافس مرتين في سنتين متتاليتين على جائزة "أوسكار أفضل فيلم أجنبي" من خلال فيلمي زياد دويري "القضية رقم 23" عام 2017، ونادين لبكي "كفرناحوم" عام 2018. فهل تكون الثالثة ثابتة مع فيلم "بطلوع الروح"؟

في الأصل، لا يحتاج المسلسل وصنّاع المسلسل لإعادة التصوير، فالعمل التلفزيوني يمتلك موادَّ فنية تشبه كنز مغارة علي بابا. وإذا قرر كل من صادق الصبّاح وكاملة أبو ذكري اقتطاع ساعتين من حوادث المسلسل، وتحويلهما شريطاً سينمائياً ملحمياً، فستكون للفيلم حظوظ كبيرة في المشاركة الثالثة للبنان في الأوسكار، وبخاصة أنّ إنتاج الفيلم لبناني.

ماذا؟ الفكرة مستحيلة؟ الفكرة لا يمكن تنفيذها؟ من قال ذلك؟ بعد الانتهاء من مشاهدتي للمسلسل، اتصلت فوراً بالمنتج صادق الصبّاح، وعرضت عليه الفكرة. فوجىء أولاً، ولكنه عاد وابتسم ووعدني أن يعرض الفكرة على المخرجة كاملة أبو ذكري. لأنه اقتنع مثلي أنّ من الصعب التغافل عن اللمعان السينمائي الكفيل بقطف جوائز عالمية، حتى ولو كان مغلفاً بقالب تلفزيوني. الفكرة طبعاً ممكنة، فالمسلسل مبني على موضوع يثير اهتمام المهرجانات السينمائية العالمية. لماذا؟ لأن السينما تعتبر من أكثر وسائل الاتصال تأثيراً، لأنّ دورها لا يقتصر على الفن وحسب، بل يتخطاه أيضاً لمُحاكاة الواقع. وهذا العمل يهدف إلى دحر الإرهاب من خلال تسليط الضوء على قبائحه بهدف إحداث التغيير المرجو.

تهتم المهرجانات السينمائية العالمية عادة بالأفلام التي تضيء على موضوعات حساسة وخطيرة اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً على مستوى العالم بشكل عام. ومن أبرز هذه الموضوعات الخطيرة تنظيم داعش.

انطلاقاً من هذا الواقع، تهتم المهرجانات السينمائية العالمية عادة بالأفلام التي تضيء على موضوعات حساسة وخطيرة اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً على مستوى العالم بشكل عام. ومن أبرز هذه الموضوعات الخطيرة تنظيم داعش. هذا الخطر لا يعني العالم العربي وحسب، بل العالم كله أيضاً. فعلى الرغم من جهود المجتمع الدولي لمنع الإرهاب ووقف تدفق المقاتلين الأجانب للالتحاق بداعش، تؤكد تقارير الأمم المتحدة أنّ أكثر من 30 ألف شخص انضموا إلى صفوف داعش بصفة مقاتلين إرهابيين أجانب قادمين من أكثر من 100 بلد، أي أكثر من نصف مجموع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

من هنا، سيكون لإظهار الإرهاب في العالم العربي من خلال فيلم عربي وقع أقوى بكثير في المحافل السينمائية الدولية، رغم صعوبة تناوله في عالمنا مع ما يترافق معه عادة من أصوات منددة تتهم العمل بأنه يسعى لتنفير الناس من الدين. وهنا تكمن أهمية تحويل "بطلوع الروح" إلى فيلم سينمائي، فحظوظه بالوصول إلى جوائز عالمية كبيرة، وبخاصة أنّه نجح في تقديم وثيقة تاريخية إنسانية مؤثرة وجريئة تعرض حقبة مأسوية عانت منها منطقتنا من تنظيم داعش الذي استخدم الدين بوحشية لأهداف ليس لها أي علاقة بدين التسامح والرأفة والإنسانية. حقبة مخيفة استوحاها كاتب السيناريو محمد هشام عبيّة من تحقيق صحافي بعنوان "نساء داعش في مخيم روج تحت رقابة صارمة... وينتظرن العودة إلى بلادهن" للصحافي السوري، كمال شيخو. وطبعاً، التحقيق مستمد من كلّ ما روته أولئك النساء الناجيات، وهنّ في عداد الأكثر تضرّراً لما عانينه من تهديد، وجلد، واغتصاب، وقتل. والنساء أنفسهن ونضالهن بشتى الميادين هدف السينما والمهرجانات العالمية الساعية لتمكين المرأة.

أصرّت أبو ذكري على التصوير في سوريا. وبعدما أدركت استحالة الأمر، قامت بعملية بحث وتفتيش شبراً شبراً، في منطقة بعلبك الهرمل في البقاع اللبناني الشبيه بطبيعة الداخل السوري، لإيجاد المكان المناسب للتصوير

إضافةً إلى ذلك، تلقى الموضوعات المعالجة بنفسٍ إنساني صدى كبيراً في المهرجانات العالمية، فكيف إذا كانت شبيهة بـ "بطلوع الروح"؟ وهو عمل فنّي كامل متكامل بدءاً من التصوير السينمائي البانورامي الساحر، إلى الضخامة الإنتاجية التي توازي أهم الإنتاجات "الهوليوودية"، التي ترجمتها المخرجة كاملة أبو ذكري بأفضل طريقة. ذلك لكونها لم تستسهل يوماً، بحسب المنتج الصباح.

أولاً، أصرّت أبو ذكري على التصوير في سوريا. وبعدما أدركت استحالة الأمر، قامت بعملية بحث وتفتيش شبراً شبراً، في منطقة بعلبك الهرمل في البقاع اللبناني الشبيه بطبيعة الداخل السوري، لإيجاد المكان المناسب للتصوير. وأخيراً، وقعت على معمل ضخم ومهجور، فاهتمت مع فريق مصممي الديكور والاكسسوارات والملابس والمكياج والمعارك بجميع التفاصيل، من أكبرها إلى أصغرها، ومن أبسطها إلى أعقدها. وذلك بهدف إعادة خلق نسيج منطقة الرقة ومركز الخلافة والزي الشرعي. المجاميع (الكومبارس) الذين زاد عددهم عن الآلاف في الكثير من المشاهد، شكّلوا أيضاً تحدياً كبيراً للعمل، إضافةً إلى مشاهد الدمار والمعارك التي تقشعر لها الأبدان لمدى واقعيتها.

في ما يتعلق بالتمثيل وإدارة الممثلين، هناك مجموعة رائعة من الممثلين، ترفع لهم ولأدائهم القبعات، وتمنح لهم جوائز الأوسكار، بدءاً من الممثلة منة شلبي - التي تصبح عيناها المليئتان بالصدمة والضياع من وراء نقاب شبيه بقضبان سجن لا مفر منه - دليلنا في هذه الرحلة، مروراً بالممثل أحمد السعدني الإرهابي والرومنسي المهتم بإثبات نفسه أمام طريدة أهانت مشاعره، ولا ينتظر سوى الانقضاض عليها، إضافةً إلى الممثلة إلهام شاهين العائدة بقوة بدور صادم (زعيمة لواء الخنساء الشرسة). وقد كان هذا الدور صعب جداً عليها نظراً لمواقفها المعادية للتيارات الإسلامية المتشددة.

سيكون لإظهار الإرهاب في العالم العربي من خلال فيلم عربي وقع أقوى بكثير في المحافل السينمائية الدولية، رغم صعوبة تناوله في عالمنا مع ما يترافق معه عادة من أصوات منددة تتهم العمل بأنه يسعى لتنفير الناس من الدين

ومن لبنان، برز عادل كرم - الذي سبق أن وصل إلى حفل الأوسكار مع فيلم "القضية 23" - بشخصية الصحافي. كما برزت الممثلة ديامان بو عبود بشخصية امرأة أوروبية تجسد دور الإصرار والنضال. وظهرت الممثلة رلى بقسماتي بدور محاربة كردية شرسة، يتماشى مع شخصيتها في فيلم Broken Keys (إخراج جيمي كيروز عام 2021). وأخيراً وليس آخراً، الممثلة السورية اللبنانية دارينا الجندي بشخصية أم سعود صاحبة صالون الحلاقة والتجميل سابقاً، التي تميزت بتجاعيدها وضحكتها ومزجت بين الأمل والتشبث بالأرض والحياة رغم الدمار والموت والعنف المحيط بها.

وتبقى الموسيقى التصويرية، بشجنها وملحميتها ورقتها وسط القسوة، رائعة وملائمة للعمل الفني، فهي من إبداع المؤلف الموسيقي والموزع وعازف البيانو المصري تامر كروان. وسبق أن أنجز موسيقى مسلسلات مثل "خمسة ونص" و"سجن النسا" و"الاختيار" و"2020".

مع كل هذه المقومات الفنية الضخمة، ومع مونتاج متقن للساعتين اللتين قد يتم اختيارهما في حال أقنع صادق الصباح كاملة أبو ذكري بالفكرة، "بطلوع الروح" قد يتحوّل إلى فيلم سينمائي قريباً، وقد ينتزع الأوسكار.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard