لماذا تخرج أصوات ضد إلهام شاهين وليس ضد داعش؟

الجمعة 6 مايو 202202:14 م

لعبت الممثلة المصرية إلهام شاهين، شخصية "أم جهاد"، القيادية في تنظيم داعش الإرهابي، ضمن شخصيات مسلسل "بطلوع الروح" الذي تم عرضه في ماراثون رمضان 2022 الدرامي، لتتلقى بسببه الكثير من الشتائم، وتُتّهم بتشويه الإسلام والمسلمين. فلماذا كل هذا الغضب؟ وهل الهجوم على المسلسل أم على الممثلة نفسها؟

يحكي مسلسل "بطلوع الروح" الذي قدّمته المخرجة كاملة أبو ذكري، قصة زوجة مصرية، تُدعى "روح"، يقترح عليها زوجها السفر إلى تركيا، وعندما تسافر معه يستدرجها حتى تجد نفسها في وكر إرهابي داخل سوريا، لكنها تحاول الهرب وتنتهي بها المحاولات إلى معسكر الهاربات من التنظيم.

شن السلفيون حملاتهم ضد إلهام شاهين، بعد الإعلان عن المسلسل، إذ يرون فيها عدواً للإسلام بسبب خلافات قديمة حدثت بينها وبين شيوخ السلفية.

هجوم قبل العرض

القصة بدأت عندما ظهرت صورة إلهام شاهين، وهي ترتدي الحجاب، قبل بداية العرض. من هنا انتشرت مطالبات بوقف المسلسل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ثم انتهت بشائعة إيقافه.

اتُهمت إلهام شاهين، بتنفير الناس من الإسلام وحدوده وشريعته، بعد مشهد كانت تجلد فيه امرأةً، بالرغم من أن هذا ما تطبقه مقاطعة آتشية التي تقع في إندونيسيا وتحكم بالشريعة الإسلامية، وقد كانت نفذت حكم الجلد بواقع مئة جلدة على امرأة مارست الجنس خارج الزواج.

شن السلفيون حملاتهم ضد إلهام شاهين، بعد الإعلان عن المسلسل، إذ يرون فيها عدواً للإسلام بسبب خلافات قديمة حدثت بينها وبين شيوخ السلفية، كان أبرزها خلافها مع الداعية الإسلامي عبد الله بدر، صاحب قناة الحافظ، الذي حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بعد اتهامه بنشر صور عارية مزيفة لها، ثم تم اتهامه بعد ذلك بالتحريض ضد فناني مصر، إلى جانب الكثير من شيوخ السلفية الذين "طعنوها في شرفها".

دولة الخلافة

هل ينبع الهجوم على المسلسل من فكرة الدفاع عن دولة الخلافة التي لطالما أصبحت حلم كل من يتبنون أفكاراً متطرفةً، وقد قُصفت الصورة الذهنية المأخوذة عنها بسبب بعض المشاهد الدرامية؟ إذ يتصورون أنها المأوى لهم من الظلم وفيها يتنشر العدل والسلام، فكيف تكون هي منبع الظلم نفسه؟ وما أن أشار لهم هذا العمل الفني من بعيد إلى مناطق القبح حتى تسبب لهم بحالة من الغليان والسعار حينما سحب البساط من تحت أقدام الدولة الدينية.

هل ينبع الهجوم على المسلسل من فكرة الدفاع عن دولة الخلافة التي لطالما أصبحت حلم كل من يتبنون أفكاراً متطرفةً، وقد قُصفت الصورة الذهنية المأخوذة عنها بسبب بعض المشاهد الدرامية؟ 

يحاولون إلصاق وصمة عار، بالممثلة إلهام شاهين، بسبب دورها في فيلم "لحم رخيص"، الذي عرض قصصاً لبعض الفتيات القرويات اللواتي كان يتم استغلالهن جنسياً، وفيه قدمت شخصية "توحيدة مسألش" التي قدمت إلى القاهرة للعمل كخادمة في منازل الأجانب، بعد أن كانت تعيش عالةً على أسرة خالتها، ورفضت استغلالها بأي طريقة، وبعد رحلة من الكفاح تمكنت من فتح مشغل للحياكة واستقدمت فتيات القرية للعمل معها، فأين وجه العار في هذا؟

هل يرى الغاضبون من خلال مسلسل "بطلوع الروح"، أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل صحيح الدين الإسلامي؟

الخطاب الديني المتشدد

هل يرى الغاضبون من خلال مسلسل "بطلوع الروح"، أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل صحيح الدين الإسلامي؟ ربما قد لا تكون داعش نتيجة صحيح الدين الإسلامي بقدر ما هي نتيجة واضحة لحالة التدين التي طغت في المجتمع المصري خاصةً، والمجتمعات العربية والإسلامية عموماً، والتي ساعد في نموها الخطاب الديني المتشدد الذي صعد نجمه مع صعود ما عُرف باسم "الصحوة الدينية" في سبعينيات القرن الماضي، وقد شهد قمة أدائه خلال منتصف التسعينيات وحتى السنوات الأخيرة التي انتشرت فيها شرائط الخطب السلفية وقنواتها التلفزيونية، فكان من الطبيعي أن تكون هذه هي النتيجة، إلى جانب كتب التراث التي كانت سبباً رئيساً في قيام الفكر الجهادي.

جملة واحدة، وهي "نصرة الإسلام"، خدعت آلاف الشباب المصريين الذين يزيد عددهم عن 8،000 شاب، للانضمام في صفوف إرهابيي داعش والقاعدة، تلك التي استخدمها الوسطاء في عمليات تجنيد المصريين من أمام بوابة الجامع الأزهر، ليذهبوا للجهاد في سوريا بعد تأشيرة سياحة إلى تركيا. أي نصرة هذه التي يُقتل فيها الأبرياء وتخرب فيها الديار وتهلك فيها البلاد؟

كان الأجدر أن يتم نقد العمل نفسه فنياً، لأنه يكشف ممارسات داعش، لكنه على العكس واجه معارضةً كبيرةً من منطلق أن المسلسل هدفه تشويه صورة الإسلام والمسلمين ولكن معارضة شخص الممثلة إلهام شاهين، في الحقيقة هي رد فعل عاطفي يضع الغاضبين من حيث لا يدرون في موقف الدفاع عن داعش!

التعاطف مع داعش

يحزنك تعاطف البعض مع تنظيم داعش. ربما لولا خوفهم من فوهات الدبابات وطلقات الرصاص، لانضموا إلى التنظيم الجهادي الذي صنع لنفسه دولةً تستقطب كل الذين يحلمون بقيام دولة الخلافة، فهم أبطال في نظرهم يحاربون ويضحون بأنفسهم من أجل الإسلام. لقد أصيب العقل المصري بسرطان الوهابية الذي دمّره وخلق كيانات مشوهةً تعاني من أمراض اجتماعية، فلك أن تتخيل أنهم غاضبون من ممثلة معيّنة لأنها قدمت نموذجاً عن نساء داعش اللواتي يؤمنّ بجهاد النكاح وتبادل النساء؟ المخيف أنهم انتفضوا ضد المسلسل ولم ينتفض أحدهم أبداً ضد قاطعي الرؤوس وسافكي الدماء وأصحاب أسواق النخاسة. حتى الملابس والرايات والشعارات الدينية، كلها تخص داعش، وليست من تأليف صناع المسلسل.

كان الأجدر أن يتم نقد العمل نفسه فنياً، لأنه يكشف ممارسات داعش، لكنه على العكس واجه معارضةً كبيرةً من منطلق أن المسلسل هدفه تشويه صورة الإسلام والمسلمين ولكن معارضة شخص الممثلة إلهام شاهين، في الحقيقة هي رد فعل عاطفي يضع الغاضبين من حيث لا يدرون في موقف الدفاع عن داعش!

أحياناً أشعر بالخوف إن اكتشفت أن شخصاً ما يسكن جواري، أو زميلاً في العمل، أو من تربطني به صلة قرابة يتبنى فكراً متطرفاً. أخاف من أن يقتل زوجي أو يخطف ابنتي، أو يغتصبني، حتى أنني أستشيط غضباً من كتابات المتشددين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أريد أن أرفض ما يكتبون؛ أنتقد أو أعلّق أو أقدّم النصيحة، لكني أخاف وأتراجع، وهذا ما يدفعني إلى أن أقول إننا بحاجة إلى إعادة تأهيل المجتمع فكرياً ليتخلص من سموم الفكر المتطرف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard