في منزل ضحية "داعش"... "القطب" سافر إلى سيناء في سبيل الأرض فأريق دمه عليها

الخميس 5 مايو 202204:08 م


لم يعرف القطب هلال طوال حياته سوى الأرض. حاول رفاقه إغراءه بفرص عمل في البحر أو في ورش الأثاث المنتشرة في دمياط، حيث ولد ونشأ، إلا أن أحلامه ظلت مرتبطة بالأرض.

لم يكن لدى قطب مانع من أن يغترب عن الأرض من أجلها، فقد تلخصت أهدافه في امتلاك قطعة أرض صغيرة يفلحها متعجلاً إنهاء حقبة العمل بالأجرة في أراضي الغير. فلما لاحت الفرصة لشراء قطعة أرض في شمال سيناء، لم يفكر القطب طويلاً، وتمكن من إقناع إخوته بوضع مدخراتهم القليلة لشراء 16 فداناً واستصلاحها، ليشارك في قطعة الأرض الصغيرة 8 أخوة وأخوات، ظنوا أن تلك النقلة نحو الشرق، ستكفل للعائلة التي عانت طويلاً من شظف العيش بعض الوجاهة المرتبطة في مصر بامتلاك الأرض وفلاحتها.

لما لاحت الفرصة لشراء قطعة أرض في شمال سيناء، لم يفكر القطب طويلاً، وأقنع إخوته بوضع مدخراتهم القليلة لشراء 16 فداناً واستصلاحها. ظنت العائلة أن تلك النقلة نحو الشرق ستكفل لهم بعض الوجاهة المرتبطة في مصر بامتلاك الأرض وفلاحتها

أحد عشر عاماً قضاها القطب هلال في سيناء مكافحاً في الأرض، تسرب أخوته واحداً بعد الآخر عائدين إلى مسقط رأسهم في مركز كفر البطيخ بدمياط، خاصة مع تعاظم خطر تنظيم الدولة الإسلامية "ولاية سيناء" في المحافظة الحدودية، ووضعهم حياة المدنيين، خاصة القادمين منهم من الوادي، على المحك. وبقي القطب ومحمود يحتاطان للخطر وينتظران الثمار، لكن الخطر كان له قصب السبق، ولم يعرف العالم كفاح القطب حتى بعد أن سالت دماؤه على أرض لا تبعد كثيراً عن أرضه إذ اغتالته رصاصات تنظيم داعش، الذي أعلن عن اغتياله القطب في فيديو بثته وكالة "أعماق" الرسمية التابعة له.  

 حياة محفوفة بالمخاطر

 "طوال السنوات الماضية لم يتعرض أي منا لاعتداء أو تهديد أو عنف من قبل الجماعات الإرهابية. برغم سماعنا أصوات التفجيرات بين الحين والآخر، كنا نشعر بالأمان لأن جميع الجيران هناك أصدقاءنا"، يقول محمود هلال (42 عاماً) شقيق الشهيد لرصيف22، ويضيف "اعتاد شقيقي الأكبر (القطب) العودة إلى دمياط كل فترة في إجازة للاطمئنان على أحوال والدتنا وزوجته وأبنائه الثلاثة، ولكن لم يعلم أن زيارته في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي هي الأخيرة، وسيكون مصيره القتل على يد داعش بدعوى تعاونه مع الجيش المصري وإبلاغه عن الإرهابيين".

 أحد عشر عاماً قضاها القطب هلال في سيناء مكافحاً في الأرض، تسرب أخوته واحداً بعد الآخر عائدين إلى مسقط رأسهم في دمياط، خاصة مع تعاظم خطر تنظيم "ولاية سيناء"، ولم يعرف العالم كفاح القطب حتى بعد أن سالت دماؤه بفعل رصاصات تنظيم داعش

 يوضح هلال أنه عقب عودة شقيقه إلى أرض العائلة بمنطقة الجلبانة شرق قرية العزيمة بشمال سيناء لمتابعة أعمال الفلاحة، تم اختطافه في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والاستيلاء على سيارة نقل المحاصيل المملوكة للأسرة. لاحقاً، وصل الخبر إلى أشقائه عن طريق أحد التجار المتعاملين معهم، لتتقدم الأسرة ببلاغ رسمي إلى وحدات الأمن في القنطرة شرق (منطقة في سيناء تتبع محافظة الإسماعيلية إدارياً)، وهي المنطقة التي تقع فيها أرض الأسرة.

يضيف هلال: "إلى الآن لا نعلم سبب اختطاف وقتل شقيقي، إذ ليس لنا عداوات مع أحد، وطوال سنوات عمره تمنى أن يموت شهيداً، وقد نال ما تمنى. فهو لن يعز على الله وبلدنا، ولا هو أقل من الشهداء الذين يدافعون عن بلدنا ضد الإرهابيين". 

سجادة الصلاة

يقول محمود هلال شقيق القطب: "مقطع الفيديو الذي بثه داعش لإعدام شقيقي يؤكد أنه استشهد في الشهر الأول من اختطافه، فالملابس ذاتها التي شاهدناه بها آخر مرة، ولم تكن متسخة. والشارب لم يكن طويلاً، مما يؤكد أن إعدامه جرى في وقت مبكر عقب اختطافه، ولكنهم تعمدوا بث الشريط تزامناً مع عرض مسلسل الاختيار، فحينما سافرنا يوم اختطافه، وجدنا باب الغرفة التي كنا نقيم بها مفتوحاً، وسجادة الصلاة على الأرض، والتلفزيون يعمل. مما يعني أنه تم اختطافه بين المغرب والعشاء". 

ويختم محمود: "لم نقم عزاءً كبيراً، خاصة أننا لم نحصل على جثمانه بعد، كما أن القطب كان أكثر واحد فينا يباشر الأرض ويرعاها، ومنذ إعلان داعش إعدامه قبل ستة أيام، لم يذهب أي منا إلى الأرض لأننا نخشى أن نتعرض للإيذاء". مؤكداً أنه تلقى وأسرته "تطمينات من الأجهزة الأمنية" بالحماية.

فراق مبكر

 في بيت العائلة في دمياط، تجلس السيدة إنعام عبدالرازق والدة ضحية تنظيم الدولة الإسلامية وحولها من تبقى على قيد الحياة من أبنائها وزوجة ابنها الراحل وأبنائه، تشرد كثيراً، ثم يضربها الإدراك فتصرخ: "يا ولدي تركتني ورحلت يا ابن عمري يا ولدي".

 كانت "الحاجة انعام" وأحفادها الرابط القوي الذي يعيد القطب إلى دمياط مرة كل بضعة أشهر، مبتعداً عن حلمه في سيناء.  

لا تنسى الأم آخر مرة التقت فيها ابنها الأكبر قبل اختطافه بيومين، إذ جاء ليطمئن عليها، ويقضى أياماً معها ومع أبنائه قبل أن يعود إلى شمال سيناء. تقول الأم: "يوم 8 نوفمبر علمنا بخبر اختطافه من جيران له هناك من أهل قريتنا، حيث اعتاد القطب زيارتهم في كل إجازة للاطمئنان على أحوالهم".

 بعينين تملؤهما الدموع، تقول إيمان زكريا زوجة القطب هلال لرصيف22: "لم يكن زوجي فحسب، بل هو ابن عمي أيضاً، تزوجنا قبل 22 عاماً وأنجبنا ثلاثة أبناء أكبرهم في الفرقة الثانية بالجامعة، والبنت في الصف الثالث الثانوي والصغير عمره 12 عاماً. طوال سنوات عمره لم يكن لزوجي أي انتماء سياسي. كان رجلاً بسيطاً يعيش ليعمل ويربي أبناءه ويرعى والدته". وتؤكد الزوجة فقدان ابنتها الكبرى النطق منذ أن علمت بخبر مقتل والدها لتدخل في حالة نفسية سيئة. وتضيف: "ليلة الحادث اتصل بنا ليطمئن علينا وأوصى أبناءه باستذكار دروسهم".

تؤكد الأم المكلومة أن ابنها "لم يكن له عداوات"، وأن جيرانه هناك في الأراضي المجاورة من أبناء دمياط أيضاً، "لم نسمع من قبل خبر اختطاف أحدهم أو تعرض أي منهم لإيذاء. وقد يكون ما تعرض له القطب هو الحادث الأول لمزارع يعمل هناك، كما لم يشكُ من أحد يوماً ما طوال سنوات عمله".

المكالمة...

 تروي الأم تفاصيل المكالمة التي حبست أنفاس العائلة بأكملها، حينما أبلغهم أحد التجار بالخبر المشؤوم: "لما التليفون جه كان قلبي مقبوض. كان التاجر يسأل: هو القطب عندكم؟ قلنا له لا، ده هو عندكم في الأرض، قال لا هو مش موجود. فرد شقيقه: إزاي أنا كنت سايبة فى البيت". وتتابع: "على إثر ذلك سافر شقيقه ليتقدم ببلاغ رسمي إلى قسم شرطة القنطرة، عندما تأكدنا من خلال اتصالات أجريناها أنه تم اختطافه على يد داعش هو وسيارته من الأرض ليلاً. وللأسف لم يشاهده أحد لحظة الاختطاف".

يا ليتهم طلبوا فدية 

"يا ريتهم طلبوا فدية وكانوا تركوه لحال سبيله، هو عمل إيه عشان تكون نهايته معدوم على يد داعش؟" يتساءل إبراهيم عبد الرازق، 70 عاماً، خال القطب في حديثه لرصيف22، ويضيف: "علمنا بخبر وفاته من الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. حينما عرفت الخبر من ابني، كنت أنوي ألا أبلغ شقيقتي إلا بعد انقضاء العيد نظراً لحالتها الصحية، لكن الخبر وصلها فعلاً". ويتابع: "للأسف ابنته الكبرى كانت أول من شاهد الفيديو، وعلى إثر ذلك لم تعد تنطق". 

ويختم عبد الرازق: "أكثر من 30 فرداً من قريتنا سافر للعمل بالزراعة بسيناء، اشتروا أراضي وعملوا هناك، منهم خمسة يقيمون بالقرب منا، وهذا هو الحادث الأول من نوعه. لا نريد غير حق ابننا ممن قتلوه غدراً". 

تخليد ذكراه

النائب أحمد البلشي عضو مجلس الشيوخ المصري أكد لرصيف22 تحرك الجهات المعنية لمعرفة من المتهمين بقتل القطب والسبب الكامن وراء ذلك، مشيراً إلى تحرير شقيق الضحية بلاغاً رسمياً عقب اختفائه "لم نعلم بخبر مقتله إلا بعد تداول مقطع الفيديو الخاص بقتله قبل أيام". ويضيف: "نتمنى إطلاق اسمه على أي مؤسسة حكومية، على سبيل المثال مدرسة بمسقط رأسه، خاصة أنه قتل بدعوى تعاونه مع الجيش، وهو ما يؤكد وطنيته. وننتظر حقه الرسمي من الدولة وصرف راتب له".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard