حين لا نمتلك مفردات تترجم عاطفتنا... تحدّيات التواصل في مكاتب الاستشارة في برلين

الخميس 28 أبريل 202205:31 م

كنت مع صديقتي الإيطالية في مقهى برليني صغير نتحدث عن الحياة باللغة الإنجليزيّة، وفي أحد التفاصيل الجوهريّة للحكاية ارتبكت صديقتي ولم تجد أي ترجمة للمفردة في الألمانيّة أو الإنجليزيّة. وأنا طبعاً لا أتحدث الإيطاليّة، فكان أن ذكرت لي عدة كلمات رديفة للمعنى بالإنجليزية ولكنها رغم ذلك، لا تشبه تماماً معنى الشعور الذي أرادت إيصاله لي، حسب قولها. 

مثل هذه الحادثة تتطلب جهداً كبيراً بين الأشخاص بقصد الوصول إلى فهم مشترك دون إهمال أي تفاصيل تنتقص من المعنى. ويذكرني ذلك في كل مرة أردت الإسهاب في الحديث عما اعتراني من مشاعر أو عن انفعالي في موقف ما باللغة الألمانيّة ولكن أجدني أختصر الحديث ليكون مقتصراً على الصفات الأساسيّة مثل "جّيد" بدلاً من "بيطيّر العقل" أو "سيّىء"بدلاً من "بيجلط" أو "بيفقّع" وما شابه. ولا يقتصر الأمر على اللغة الألمانية فحسب، بل الإنجليزية كذلك، وغيرهما من اللغات التي هي ليست لغتنا الأم. وهذا بطبيعة الحال ليس عيباً أو قصوراً في لغة ما دون غيرها لكنها فقط مهارة غير متطورة إلى الحد الكافي في لغات مختلفة. والمضحك أن اللغة الأم قد تخوننا أحياناً في ترجمة ما يجول في أنفسنا من مشاعر وعواطف، وهنا قد يعزى الأمر إلى قصور ما في القدرة على التعبير عن العواطف والانفعالات بصورة واضحة. 
في كل مرة أردت الإسهاب في الحديث عما اعتراني من مشاعر في موقف ما باللغة الألمانيّة، أجدني أختصر الحديث ليكون مقتصراً على الصفات الأساسيّة مثل "جّيد" بدلاً من "بيطيّر العقل" أو "سيّىء"بدلاً من "بيفقّع".
حضرتني تلك التفاصيل اللغوية والعاطفية عند قراءتي كتاب التواصل اللاعنفي لكاتبه مارشيل روزنبرغ الذي يقترح في كتابه أن التواصل بين الناس يصير عنيفاً بسبب وجود حاجة متعذرة التلبية، وبالتالي علينا صياغة احتياجاتنا في جمل واضحة للآخرين، لنمنحهم حق معرفة ما نحتاج، وأن نتعلم في المقابل تقبّل الرد سواء كان إيجاباً أم سلباً. ولتحقيق ذلك، يزوّد روزنبرغ القارئ بقاموس من المفردات التي تعبر عن المشاعر التي قد تعترينا في حال تمت تلبية احتياجاتنا، أو لم تتم. هذه المفردات من شأنها أن تكون أكثر دقة من مجرد قولنا "أشعر بشعور جيّد" وبالتالي تعمل على تفنيد مفردة جيّدة لمشاعر أكثر وضوحاً كأن نقول "أشعر بالهدوء -بالامتنان – بالسلام الداخلي". وبمقاطعة ذلك مع مجال عملي في الاستشارة الاجتماعيّة، أرى أن تلك أداة فعّالة لتسهيل التواصل بين مقدّم الاستشارة وطالبها. ولكن كيف يصير المشهد حين تقف اللغة عائقاً أمام التواصل؟ وكيف تتأثر عملية الاستشارة حين يتضافر ضعف مهارتنا في التعبير مع مشاكل اللغة؟ وللحديث عن ذلك أحاور كل من (أ.ح) التي تعمل في مشاريع عدة تخص اللاجئين-ات ومن ضمنها الوساطة اللغوية في برنامج خاص بالتوجيه المهني. وكذلك مصطفى حسين وهو ناشط سياسي واجتماعي ومستشار قانوني للاجئين وهو لاجئ سياسي من السودان يقيم في برلين منذ ثلاث سنوات. 
تتعدد الصعوبات التي من شأنها أن تظهر في الاستشارة على اختلاف الغرض منها، سواء كانت اجتماعية أو مهنية أو قانونية أو مدرسية أو غيرها. لكن المشترك بين كل أنواع الاستشارات هو شكل التواصل الذي يستلزم وجود صاحب استفسار، أو سؤال أو حاجة، وشخص آخر يترتب عليه تقديم الإجابات أو الاقتراحات التي قد تكون حلاً أو خطوة نحو الحل. وكلّما كانت عملية التواصل أكثر وضوحاً، زادت إمكانية الوصول إلى الغاية المرجوّة من الاستشارة. وبالتالي، قد تشكّل اللغة العائق الأول أمام هذا التواصل الواضح لعدم قدرة كل الأشخاص على التعبير عن رغباتهم بلغة غير لغتهم الأم، أو حتى بلغتهم الأم، أو لقصور في عملية الترجمة التي لا تنقل المفردات مع محتواها العاطفي غالباً. 
حول هذه النقطة توضح (أ.ح):" كوسيط لغوي، عايشت حالات كثيرة لأشخاص يتحدثون بمستوى جيد جداً في الألمانيّة عند التعريف بأنفسهم، ولكن تبدأ التحديات حين ينحى الحديث نحو التعبير عن احتياجاتهم أو مثلاً أهدافهم وطموحاتهم". 
قد تشكّل اللغة العائق الأول أمام التواصل الواضح لعدم قدرة كل الأشخاص على التعبير عن رغباتهم بلغة غير لغتهم الأم، أو حتى بلغتهم الأم، أو لقصور في عملية الترجمة التي لا تنقل المفردات مع محتواها العاطفي غالباً
من ناحية أخرى، تظهر مشكلة اللغة في كونها تشكّل تصوّر الأشخاص وفهمهم لأنظمة الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها، وهذه التصورات قد لا تكون متشابهة بين البلدين أو الثقافتين، وهو ما يوضحه مصطفى حسين: "ترتبط اللغة ارتباطاً مباشراً مع طبيعة نظام الدولة وتكوينها الثقافي وطبيعة الشعب ومفهومه عن نظام الدولة. فمثلاً بالنسبة للاجئ من إحدى الدول العربية، فلغته الأم تشكل صورة عن نظام دولة مختلف وقد يتعارض هذا التصوّر مع الواقع الحالي-في ألمانيا- وتحديداً مثلاً في مسألة البيروقراطية، مما يصعّب نقل المعلومات القانونية".
تترك هذه الصعوبات أثراً واضحاً على كل أطراف عملية الاستشارة من محتاجها إلى مقدمها إلى الوسيط الثقافي واللغوي، وعن هذا توضّح (أ.ح): "تعتري الأشخاص مشاعر الخجل بالدرجة الأولى بسبب عدم معرفتهم باللغة، وبالتالي يشعرون كذلك بالارتباك لعدم قدرتهم على شرح احتياجاتهم".
 ومن واقع تجربته العملية يوضح مصطفى حسين: "ينتج عن التحديات اللغوية والتعبيرية بصورة تلقائية خليط من المشاعر، أبرزها الإحساس بعدم اهتمام الآخرين ورغبتهم في الاستماع، إضافة إلى عدم الشعور بالانتماء مما قد يؤدي في وقت لاحق إلى فقدان الأمل بتلقّي الدعم". ونظراً لأن عملية الاستشارة هي عملية تفاعلية ما بين أطرافها، فمن الطبيعي أن يترك ما سبق مقدمي الاستشارة أيضاً والوسطاء الثقافيين واللغويين في حالة شعورية معقدة، فبحسب (أ.ح) فإن ترجمة الأهداف أو أمنيات الأشخاص من الاستشارة تظل قاصرة ما لم تنقل ما يعتريهم من مشاعر وانفعالات. تشرح: "أشعر بنفسي كآلة تترجم الكلام من لغة إلى لغة دون التمكن من نقل مشاعر الأشخاص التي تكون في أغلبها على صورة فقدان الأمل، والحزن على ما تم فقده واليأس وغيرها من المشاعر، وهذا الموقف يضعني تحت ضغط كبير للقيام بمهمتي في عملية التواصل والاستشارة". 
هل تكمن المشكلة في أننا لم نتعلم أن نلحظ احتياجاتنا وبالتالي استبعدنا كل المفردات التي من شأنها أن تعزز صوتنا كأفراد؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف نستعيد قدرتنا على إدراك احتياجاتنا والتعبير عنها بأي لغة نحب؟
في المقابل يوضح مصطفى حسين حول النقطة نفسها: "من المؤسف كيف أن واقع المهاجرين-ات فيه الكثير من التفاصيل المؤلمة التي تتطلب تقديم الرعاية والاهتمام للأشخاص، ولكن ما نقوم به من وساطة لغوية لا يترجم المشاعر ويقدم المحتوى دون  أن ترافقه عاطفة وانفعالات". وفي الواقع تبدو الترجمة عملية مساعدة، ولكن غير كافية، فما هي الاقتراحات لتحسين عملية التواصل وبالتالي الوصول إلى استشارات أكثر فائدة وفاعلية لمحتاجيها؟ 
غالباً ما تتداخل عوامل عدة في جلسات الاستشارة، فحتى وإن تمحور الموضوع بصورة أساسية حول البحث عن عمل، أو متابعة الدراسة مثلاً، فليس من المستبعد أن تظهر خلال الاستشارة الكثير من النقاط التي من شأنها أن تؤثر في اتخاذ القرار المناسب، والتي قد تكون مرتبطة ارتباطاً غير مباشر بموضوع الاستشارة، فتكون مثلاً أقرب إلى التنشئة الاجتماعية التي مر بها الشخص، أو تجاربه العملية والعلمية السابقة، أو عدد اللغات التي يتقنها، أو مثلاً تعرضه إلى صدمة نفسيّة وغيرها من العوامل، وبالتالي من المجازفة ألا يكون مقدم الاستشارة على دراية جيّدة بكل العوامل التي من شأنها أن تؤثر في سير عملية التواصل، والاستشارة، واتخاذ القرار. ومن هذه الاقتراحات يذكر مصطفى حسين: "مفيد أن يكون من يعمل في هذا المجال هم المهاجرون-ات أو اللاجئون-ات بحيث يتم ضمان توافر عنصر الحساسية الثقافيّة" وهو ما تشير إليه أيضاً (أ.ح) في كلامها موضحة: "يمكن لذوي الخلفيات المهاجرة فهم ملامح التجربة بصورة أعمق، مما قد يساهم في تفادي تقديم بعض النصائح التي قد تشكّل صدمة لمتلقيها، أو أن يتم عمل دورات تدريبية للعاملين-ات في مجال الاستشارة بحيث تهدف إلى تنمية الحساسية الثقافية وفهم الصعوبات التي يمر بها المرء في البلد الجديد".
وفي الوقت الذي قد تكون فيه هذه المقترحات حلولاً معقولةً لتفادي الكثير من تحديات التواصل من الناحية الاجتماعية والتربوية والثقافية، ولكن كيف يمكن التعامل مع غيرها من العوامل التي قد تتطلبها عملية الاستشارة كالمعرفة القانونيّة ونظام الدولة الصحي والاجتماعي والتعليمي، وآلية تقديم الاستمارات والمصطلحات المهنيّة؟ وما السبب الذي يجعل المشهد يبدو على صورة ضفتين من غير الممكن اللقاء بينهما في الوقت الذي تحتاج كل منهما إلى الأخرى؟ وهل من الممكن أن تكون طريقة تعلمنا اللغة الأم أو أي لغة أخرى هي المشكلة، بحيث لا تذهب أعمق من التمكّن من تسيير الأمور الحياتية العامة دون التعمّق في مجال الانفعالات والعاطفة؟ 
وفي الوقت الذي قد تكون فيه هذه المقترحات حلولاً معقولةً لتفادي الكثير من تحديات التواصل من الناحية الاجتماعية والتربوية والثقافية، ولكن كيف يمكن التعامل مع غيرها من العوامل التي قد تتطلبها عملية الاستشارة كالمعرفة القانونيّة ونظام الدولة الصحي والاجتماعي والتعليمي، وآلية تقديم الاستمارات والمصطلحات المهنيّة؟
وهنا أتذكر طلبي من معلم اللغة الفرنسية أن يقدّم لي مجموعة من المفردات التي يمكنني من خلالها التعبير عن مشاعري، وشعوري بالغرابة في كل مرة قرر فيها حذف مفردة ما، لأن هذه المفردة لا تستخدم كثيراً في فرنسا. ثم إدراكي أن هذا الموقف قد تكرر في كل اللغات، بما فيها اللغة الأم، فالآن فقط أدركت غرابة الأمر في أن يتفق كل طلاب الصف على أنّ مشاعر الشاعر في البيت الخامس من القصيدة هي الغيرة، أو أن قصد الكاتب من النّص هو قيمة نتفق عليها كلنا دون أي نقد، أو نقاش، مضحك أليس كذلك؟ 
لكن، ماذا لو أردنا التعبير عما هو أبعد من ذلك؟ وهل تكمن المشكلة في أننا لم نتعلم أصلاً أن نلحظ احتياجاتنا وبالتالي استبعدنا -دون دراية- أو أبعدت عنّا -بدراية- كل المفردات التي من شأنها أن تعزز صوتنا كأفراد؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف نستعيد قدرتنا على إدراك احتياجاتنا والتعبير عنها بأي لغة نحب؟ 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard