الإنسان وأصله... سجالات أونلاين عن نظرية التطور

الخميس 12 مايو 202211:34 ص

قبل ظهور الإنترنت، كان الصراع في المنطقة العربية، ولا سيما في مصر، خفياً، بين مؤيدي العلم ونظرياته والمتدينين من المسلمين الذين يعتقدون أن الدين هو مصدر العلوم ويرفضون الأفكار المتعارضة معه. لكن بعد شيوع وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت من مفاصل الحياة الرئيسية، أخذ هذا الصراع يتخذ جانب العلن أكثر، وعلى مستوى شعبي.

ولم يعد الطرف الأول يتحرج من التعبير عن أفكاره ولا سيما في ما يتعلق بالنظريات المفسرة لأصل الحياة، بل وارتفع صوته المشكك بالطرح الديني حيالها، واتهم المؤمنين بها بالتخلف.

في المقابل، يصرّ الطرف الثاني على إنكار تلك النظريات، وأبرزها نظرية التطور لتشارلز داروين، ويتهم المعتقدين بها بالكفر والإلحاد، لكونها تربط الإنسان بالقرد من حيث الأصل، وتذهب في اتجاه يتعارض مع ما ورد في القرآن والأحاديث النبوية.

مالك عزي (22 عاماً)، حاصل على بكالريوس من كلية التجارة في جامعة طنطا، هو واحد من الذين يعتقدون بأن الطروحات المتعلقة بالنظرية الداروينية كما يحب وصفها، تحمل طابع الخبث، وهي موجهة بالأساس للنيل من الإسلام.

لذلك، ينشط عبر حسابه على فيسبوك للتعبير عن رفضه لها، واتهام مؤيديها بتنفيذ مخطط "صهيو أمريكي لهدم ثوابت المسلمين وفصلهم عن الدين"، كما يقول بإصرار، ويكرر في تعليقاته شبه اليومية.

على مقلب آخر، يقف المحامي الشاب أدهم محمد (24 عاماً)، من محافظة الشرقية. يؤيد النظرية النشوء والارتقاء ويجد أنها "تنمّي الوعي في المجتمع لمواجهة الأساطير الدينية المتحكّمة بعقول الناس".

يروي لرصيف22 بشيء من الانفعال: "تفتّحت عينيّ على الدنيا لأجد نفسي مكبّلاً. فكل شيء مخالف للقناعة السائدة ممنوع الحديث فيه، والغالبية في المجتمعات العربية تحدد لنا، بل وتفرض علينا، ما ينبغي التحدث به أو غض الطرف عنه، كأننا بلا إرادات أو عقول".

أدهم اعتاد على نقد المجتمع بعبارات موجزة، يدوّنها على حسابه على فيسبوك، دون الخوض في تفاصيل يعتقد أنها تفضي إلى "جدال ونقاشات عقيمة". وتماشياً مع ذلك، يختصر الأمر برمته في ما يخص نظرية داروين بقوله: "لا مشكلة بالنسبة إليّ إنْ كان للإنسان والقرد سلف مشترك".

في كتابه "أصل الأنواع" الصادر سنة 1859، افترض العالم الإنكليزي تشارلز روبرت داروين (1809-1889) حدوث تغيير في التركيب الجيني للكائنات الحيّة عبر الزمن يؤدي إلى نشوء سلالات جديدة. والبشر ليسوا استثناء لهذه القاعدة فهم والقرود يشتركون في سلف قديم مشترك.

بين النظرية والدين

النقاش بين الخصمين اللدودين، المتدينين واللادينيين بشأن هذه النظرية، يحتدم على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد كل منشور مؤيد أو رافض لها. ويسجل المدون ياسر ظاهر ملاحظات عدة على طبيعة أغلب هذه النقاشات وأطرافها.

يقول لرصيف22: "كثيراً ما طرحتُ سؤالاً في التعليقات على المنشورات التي أصادفها تناقش أو تذكر النظرية، حول إذا كان هناك أحدٌ من بين المتحاورين قد قرأ كتاب أصل الأنواع لداروين، لكن لم أكن أحصل على إجابة واضحة، فتشكلت قناعة راسخة لديّ بأن الغالبية في مجتمعنا العربي لا تعرف عن النظرية إلا عموميات والمفهوم السائد أنها تقول إن الإنسان أصله قرد، والحقيقة فإن داروين لم يقل ذلك، بل أشار إلى أن لهما سلفاً مشتركاً والفرق بين الأمرين كبير".

"تشكلت قناعة راسخة لديّ بأن الغالبية في مجتمعنا العربي لا تعرف عن نظرية التطور إلا عموميات والمفهوم السائد أنها تقول إن الإنسان أصله قرد، والحقيقة فإن داروين لم يقل ذلك"

نقاشات مثل هذه، بحسب ما يراه ياسر، تكشف أثر الجهل بموضوع النقاش. ويشير إلى أن نسبة القراءة السنوية المتدنية جداً للفرد العربي "غير كافية لمحو المفاهيم المغلوطة، بل يتم الترويج لهذه المفاهيم من خلال الترديد الببغائي لمعلومات متلقاة دون تحرٍ لدقتها".

ترفض المعلمة رضوى أحمد (31 عاماً)، من القاهرة، التصديق بأن للإنسان والقردة سلف مشترك، وتقول لرصيف22: "القرآن والكتب السماوية الأخرى تذكر أن الله خلق الإنسان على هيئته الحالية، ليس لديّ دليل مادي على ذلك، لكن الإيمان أقوى دليل بالنسبة إليّ، ولهذا فلن أصدّق كلام العالم الذي هو إنسان عادي، وأكذّب ما قاله الله".

بدوره، يصف محمد عبد الله، إمام وخطيب مسجد الإيمان في محافظة القاهرة، نظرية التطور بأنها مجرد كلام لا يستند إلى حقيقة أو قانون.

ويقول "إنها تحاول إثبات كون الإنسان حيواناً من بين جملة الحيوانات الموجودة على الأرض، وتنفي صفة الخلق عن الله، والله يقول في كتابه {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم}، و{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، ومن هاتين الآيتين نعتقد اعتقاداً جازماً أن الله خلق الإنسان وأن الإنسان لم يتطّور وإنما خُلق في أحسن تقويم على هيئته تلك، وأن الإنسان لم يشهد خلقه لكي يحاول الجزم بكيفيته".

النظرية لا تدرَّس في مصر

بين الطرفي، هنالك مَن يحاول التقريب بين الرؤيتين، ومنهم الطبيب شريف طه (40 عاماً) من القاهرة، فهو يثني على نظرية التطور ويقول إنها "قوية، ومن أهم النظريات في علم الأحياء".

لكن في الوقت نفسه، يعدّها "دليلاً على أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، أي أنه أفضل مخلوق على وجه الأرض".

وجهة النظر التوافقية هذه يعارضها محمد جلال (35 عاماً)، وهو مهندس برمجيات. يعتقد أن لا توافق بين الدين ونظرية التطور بخصوص خلق الإنسان ويشدد على أن "القول بعكس ذلك مجرد ادّعاء لا غير".

"للأسف، جهات حكومية مصرية كانت لها اليد في منع تدريس نظرية التطور التي تُعَدّ أفضل وأقوى تفسير علمي تجريبي للتنوع البيولوجي لكافة أشكال الحياة على كوكب الأرض"

ويضيف لرصيف22: "أنا أرجّح كفة العلم، لأن الإيمان في نظري ليس له قواعد واضحة ولا يمكن اعتباره كلاً واحداً بحيث نأخذه كله أو ننفيه كله".

يتفق معه الصحافي معتز حجاج. يقول لرصيف22 إن "الدين مجموعة من الدوافع الأخلاقية التي تهذّب الإنسان، وليس مطلوباً منه تقديم حقائق علمية للعالم".

ويشبّه ما يحدث من سجالات على المستوى العربي بشأن نظرية التطور بما حدث في أوروبا في عهود سابقة، لكنه يعتبر أن "وتيرته لدينا أسرع بكثير، وللإنترنت الدور الأبرز في ذلك".

ويشير حجاج إلى أن نظرية التطور غير موضوعة في مناهج التعليم الأساسي والثانوي في مصر، وأن دعوات أطلقت مؤخراً عبر ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي لتدريس النظرية وغيرها من النظريات التي يعدّها طيف واسع من الناس مخالفة لمعتقداتهم الدينية.

"لكن تلك الدعوات قوبلت بتجاهل حكومي تام مع انتقادات شعبية واسعة، بحكم الخلفية الدينية لغالبية أفراد المجتمع المصري"، يعلّق.

ويذكر حجاج أنه سمع أول مرة بنظرية التطور من خلال خطبة دينية، خصص جزء منها للهجوم عليها، ويتابع: "مجتمعاتنا لا تهتم بالعلوم عادةً، وهي ليست صناعية منتجة، وإنما اقتصاديات ريعية لذلك هي غير منتجة للعلوم ولا تهتم بها وتلك هي المشكلة الأكبر".

يوضح الباحث في علم الأحياء التطوري في جامعة غوتة في فرانكفورت في ألمانيا محمد صلاح سرور أن هنالك حالياً برنامجين أو ثلاثة لدراسة بيولوجيا التطور في مصر، أبرزها مركز الحفريات الفقارية في جامعة المنصورة، أول مركز مخصص لهذا النوع من الدراسات في الشرق الأوسط.

لكنه يتفق مع حجاج حول أن هذا غير كافٍ، ويقول: "للأسف، جهات حكومية مصرية كانت لها اليد في منع تدريس مثل تلك النظرية التي تُعَدّ أفضل وأقوى تفسير علمي تجريبي للتنوع البيولوجي لكافة أشكال الحياة على كوكب الأرض، فعملية التطور تحدث بالفعل بآليات متعددة منها الانتخاب الطبيعي والجنسي والعبور الجيني والانحدار الجيني".

وفي ما يخص الهجوم على نظرية التطور، يرى سرور بأنه لا يقتصر على معتنقي الإسلام فقط، بل وحتى بقية الأديان. والسبب برأيه يكمن في أن الكثيرين من معتنقي الأديان "لا يعرفون الفرق الكبير بين المنهج العلمي التجريبي وما عداه، والخلط يحدث دائماً من محاولات البعض إيجاد حلقة اتصال بين ما يؤمن به وبين ما يعلم، وعليه فالقضية لا تعدو بالنسبة إليه أكثر من اختلافات في وجهات النظر، وهذا خطأ في منهج التفكير والبحث".

"ربّنا يطوّرنا كلّنا"

يدير سرور من ألمانيا صفحة على فيسبوك باللغة العربية سماها "ربنا يطورنا كلنا"، يكتب عليها شروحات مبسطة، وقصصاً علمية عن بيولوجيا التطور.

يوضح أنه يهدف من صفحته إلى "تغذية العقول بمفهوم التفكير العلمي وجدوى استخدامه في كافة الأمور الحياتية الهامة، لأن ذلك سيسهم في بناء مجتمع متماسك أكثر ومقاوم لانتشار الخرافات، كما سيساعد في التثقيف في مختلف المجالات وعلى رأسها العلوم".

سرور، كما غيره من مؤيدي نظرية التطور، يتعرض لبعض المضايقات من المعارضين لها، لكنه يؤكد أنه سعيدٌ لأن صفحته الفيسبوكية باتت تحظى بمتابعين كثر، أخذ العديد منهم يطلبون منه عناوين كتب ومراجع يستطيعون من خلالها الاطّلاع على نظرية التطور وسِواها بغية التعلم أكثر.

أحمد بخيت (37 عاماً)، هو مهندس مقيم في القاهرة. اطلع على نظرية التطور واعتقد بها، لا بل يرى أنه كان لها "الفضل في تغيير أفكار الكثير من الناس، كما كان لها يد في تطوير رؤية آلاف من البشر للحياة ولأنفسهم".

يعتبر أحمد أن نظرية التطور واحدة من بين ثلاث ثورات علمية حدثت في التاريخ إلى جانب نظرية كوبرنيكوس لدوران الأرض حول الشمس واكتشاف اللاوعي على يد سيغموند فرويد.

هي بالنسبة إليه تأريخ جديد للبشرية لأنها غيرّت نظرة البشر لطبيعة الخلق واتساعه وبعده الزمني السحيق المتجاوز لما في الروايات الدينية الواردة في العهد القديم والقرآن والتي تقول إن تاريخ الحياة لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين في أقصى تقدير وإن البداية كانت من آدم.

ويضيف لرصيف22: "لا ينبغي تطوّيع النصوص الدينية لكي تناسب أي شيء، كما يفعل البعض بما يطلقون عليه تسمية ‘الإعجاز العلمي في القرآن’. وأنا أعتقد أن الأزمة في التفسير وليس المصدر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard