بعد 70 عاماً على حركة يوليو... انتهى العدل الاجتماعي وبقي الصوت الأوحد

الأربعاء 20 أبريل 202211:00 ص

بعد أسابيع قليلة، سيكون قد مرَّ سبعون عاماً بالتمام على نجاح "حركة الضباط الأحرار" في 23 تموز/ يوليو 1952. هذا اليوم مفصلي في تاريخ مصر والمنطقة العربية لأسباب كثيرة، منها أنه أنهى التجربة الليبرالية.

وكانت التجربة الليبرالية قد بدأت قبيل ثورة 1919، وأتت تتويجاً لنضال المصريين من أجل إصدار دستورهم ليكون مرجعاً لنظام الحكم، ولحقوق المواطنين وواجباتهم، بعد فَشَل مشروع عام 1879 بسبب ملابسات عزل الخديوي إسماعيل، وفشل اللائحة الأساسية التي صدرت عام 1882 ثم ألغتها سلطات الاحتلال الإنكليزي. وقد انعقد بموجب هذا الدستور أول برلمان مصري في 15 آذار/ مارس 1924.

تعطيل الدستور وإلغاء الأحزاب

أيضاً، وضع نجاح حركة يوليو نهاية للتطور الحزبي الذي بدأ عام 1879 حينما كوَّن مصطفى كامل والعُرابيون "الحزب الوطني"، الذي انتهى عمليّاً باحتلال الإنكليز لمصر.

ويرى المؤرخون الذين يعتبرون هذا الحزب جبهة أكثر منه حزباً، أن عام 1907 كان محطة مهمة في تاريخ نشأة الأحزاب المصرية لأن خمسة أحزاب تكوّنت خلاله: الحزب الوطني الحر أو "حزب الأحرار"، الحزب الجمهوري المصري، حزب الأمة الذي رأسه المفكر أحمد لطفي السيد وكان معبّراً عن الصفوة وكبار الملاك، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية برئاسة الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، والحزب الوطني برئاسة مصطفى كامل.

بعد هذا، توالى تشكيل الأحزاب تبعاً للحراك السياسي وتطوراته واحتياجاته، فقد نشأ حزب الوفد عام 1918 بعد التفويض الشعبي لسعد زغلول ورفاقه بعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر الصلح في باريس، ثم نشأت الأحزاب التي انشقت عنه مثل الأحرار الدستوريين (1922)، والحزب السعدي (1937)، وحزب الكتلة الوفدية (1942).

كما تكونت مجموعة الأحزاب الاشتراكية: مصر الفتاة (1933)، حزب العمال الاشتراكى الشيوعي، والحزب الشيوعي المصري (1922)، حزب الفلاح المصري، والحركة الديمقراطية (1947). وهناك أيضاً أحزاب كانت تابعة للسراي، وأحزاب نسائية، وأخرى دينية مثل الإخوان المسلمين، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامي.

بعد نجاحها، قامت حركة يوليو بتعطيل الدستور وإلغاء الأحزاب، ووصم السياسيين وقتها بالخيانة والتبعية للملك وللاحتلال الإنكليزي. في البداية، استثنت جماعة الإخوان المسلمين، لكن سرعان ما دخلت في صراع معها شهد عنفاً في بعض مراحله، ونتح عنه أمران: الأول سجن واعتقال معظم قادة الجماعة مما ساهم في تقويتها –على المدى البعيد- وصعودها لتكون رقماً في السجال السياسي المصري والعربي؛ والثاني انتهاج الحركة مساراً دينيّاً بديلاً، اعتمد على تعظيم دور الأزهر، والتوسع في إنشاء المدارس والمعاهد الإسلامية.

اشتراكية الحزب الواحد والرأي الواحد

أخذت حركة يوليو مصر إلى شكل نظم الحكم الاشتراكية التي تزعمها الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، وهي تقوم على تحديد سقف الملكيات الخاصة، مع ما يلزم من مصادرة الممتلكات الزائدة، كذلك مصادرة وتمصير الشركات الأجنبية العاملة في مصر، والتي اعتقد قادة الحركة أنها تعمل ضد استقلال القرار الوطني وعلى إضعاف الاقتصاد، مع إصدار قوانين اشتراكية تضمن تضييق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، مثل تحديد حد أدنى وأعلى للأجور، وتحديد ساعات العمل، وتمثيل العمال في مجالس إدارات الشركات، مع تصيص نسبة 50% لهم وللفلاحين في البرلمان، والتوسع في إنشاء قاعدة صناعية ثقيلة، مثل مصانع الحديد والصلب والألومينيوم والفوسفات والإسمنت، إلخ، وشركات القطاع العام: شركة بيع المصنوعات وعمر أفندي وغيرهما.

وساعد في نجاح الحركة مساندة الاتحاد السوفياتي لها سياسياً واقتصادياً، خاصة في معركة بناء السد العالي في أسوان والذي أنتج الكهرباء وحافظ على انتظام الزراعة بتوفير مياه الري طوال العام، وأيضاً في معركة تأميم شركة قناة السويس وإدارتها بأيدي المصريين، وكانت –ولا تزال- من أهم شرايين التجارة الدولية.

"حركة يوليو 1952 لم تكن مجرد حدث في التاريخ المصري المعاصر، لأنها أخذت مصر من الاتجاه نحو الغرب بكل قناعاته وفلسفاته الليبرالية التي تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، إلى طريق الحزب الواحد والرأي الواحد، والزعيم الملهم"

حركة يوليو 1952 إذن لم تكن مجرد حدث في التاريخ المصري المعاصر، لأنها أخذت مصر من الاتجاه نحو الغرب بكل قناعاته وفلسفاته الليبرالية التي تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، إلى طريق الحزب الواحد والرأي الواحد، والزعيم الملهم، الوطني الأول، الذي يعرف ما لا يعرفه غيره، والذي يجب أن يستمر في موقعه طالما كان قادراً على العطاء، وهو قادر دائماً حتى لو تدهورت صحته (نموذج بوتفليقة)، وبذلك يصبح أعلى من الدستور والقوانين، تلك النصوص التي تتغير ببساطة استجابة لـ"إرادة الشعب"، الشعب المؤدلج الغائب الذي لا يجب أن "يسمع إلا ما يقوله القائد".

هزيمة المجتمع وتبرئة الزعيم

مَن يتابع حركة السلطة في مصر منذ تموز/ يوليو 1952 حتى الآن، سيدرك أن المبررات التي كرست لـ"واحدية" عبد الناصر وزعامته المطلقة، والتي تتمثل في العدل الاجتماعي وتضييق الفوارق بين الطبقات والانحياز للفقراء من العمال والفلاحين، إلخ، زالت كلها بانحياز أنور السادات ومَن أتوا بعده للطفيلين ورجال المال المتصلين بالمصالح الأجنبية والتوكيلات.

لكن فكرة الزعيم الأوحد الذي لا بديل له ظلت كما هي لم تتبدل. حتى أن عبد الناصر بقي زعيماً مطلقاً بعد هزيمة حزيران، يونيو 1967 الثقيلة، بدافع وابل الدعاية الناصرية التي حمَّلت الكارثة للجميع ما عداه، لأنه لا يخطئ!

وكذلك، بقيت الفكرة التي أوجدها نظام عبد الناصر وحركته بتقسيم المصريين إلى قسمين: الشعب وأعداء الشعب من العملاء والخونة (تقول أغنية "صورة" التي غنّاها عبد الحليم حافظ وكتبها صلاح جاهين: الصورة ما فيهاش الخاين والهامل واجبه ونعسان، ما فيهاش إلا الثوري الكامل)، أو الشعب والشرذمة الضالة، أو الشعب وأهل الشر... كل هذه الأوصاف تطلق على المعارضين للرؤية الواحدة التي يتبناها الرجل الأوحد، وجوقته التي تصدِّر للناس ليل نهار أنه فلتة زمانه.

إعلام غوبلز

رعاية الحالة التي أنتجتها حركة يوليو تتم في حراسة جهاز أمني قوي يقمع أي تحرك في مهده، ولا يستهين بأي رأي مخالف حتى لو كان تدوينة على موقع فيسبوك، وفي ظل أحكام قضائية تصدر بحق المعارضين وفق قائمة من التهم المحفوظة التي تبدأ بمحاولة الانقلاب وزعزعة نظام الحكم، ولا تنتهي بتعكير صفو المجتمع وإشاعة روح الاكتئاب.

"وجد المصريون أنفسهم بعد نظام عبد الناصر أسرى لاثنين: نظام الرأي الواحد والصوت الواحد الذي يرى أنه الوطني الأوحد وأن مخالفيه عملاء وأشرار من ناحية، ورؤية دينية متطرفة تدسّ أنفها في ما تعلم وفي ما لا تعلم"

وتتم أيضاً بمساعدة جهاز إعلامي تتحسس ميكروفوناته كلما استمع إلى صوت مخالف، إعلام غوبلز الذي يقذف قناعات الاتجاه المسيطر في عقول الناس ويؤكد عليها باستمرار دون ملل ولا كلل، ومن ناحية أخرى يقلِّب الرأي العام ضد كل مَن يخالف صوته، حتى لو لفَّق أو حرَّف الكلام عن معانيه.

تديين المجتمع المصري

لكن أخطر ما فعله نظام حركة يوليو 1952 الذي لا يزال مستمرّاً حتى اللحظة هو تديين المجتمع المصري. فقبل انتصار الحركة وتمكينها، كان المجتمع ذاهباً إلى مزيد من الليبرالية الفكرية، ومناقشة التراث الديني-الإسلامي خاصة مناقشةً واسعة وعقلانية حرَّة، بالإضافة إلى الاتجاه نحو تحرير المرأة وإدماجها في المجتمع بخروجها للتعليم والعمل، والمشاركة في الحياة السياسية والحزبية، وحصولها على حق الانتخاب والترشح.

ففي عام 1925، صدر كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، ورافقته ضجة فقهية وثقافية وسياسية كبرى لأنه نفى وجود نظام "الخلافة" في الإسلام في الوقت الذي كان الملك فؤاد يهيئ نفسه ليكون خليفة للمسلمين بعد إلغاء الخلافة في تركيا. وبعده بعام واحد، عام 1926، صدر كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وذهب بعيداً في مقدمته حين طالب بمناقشة الأمور الدينية بعيداً عن قداستها، فليس ثمة مقدس أمام العقل والمنطق، وأعمل نظرية الشك الديكارتي في قراءته للشعر الجاهلي ليصل إلى نتيجة أنه انتُحل بعد الإسلام ونُسب إلى شعراء جاهليين، حتى يسند بعض تفسيرات القرآن، في حين رأى هو أن القرآن يفسر الشعر وليس العكس.

قبل ذلك بربع قرن، كان قد صدر كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، عام 1899، وتلاه كتابه "المرأة الجديدة" عام 1900.

لماذا إسماعيل أدهم ملحد؟

بعد كتاب طه حسين بـ11 عاماً، كتب إسماعيل أدهم رسالته/ كتابه بعنوان "لماذا أنا ملحد؟"، عام 1937، بعد أن قرأ رسالة الشاعر أحمد زكي أبو شادي بعنوان "عقيدة الألوهية". وأعلن أدهم في الكتاب أنه سعيد ومطمئن للإلحاد، ورد عليه محمد فريد وجدي بمقال "لماذا هو ملحد؟" في محاولة لتفنيد الأفكار المطروحة في الكتاب.

في هذا الجو الليبرالي الذي كانت تتناطح فيه الأفكار بحرية لا تتوفر لنا الآن، بعد أن ضيَّقت علينا حركة يوليو مجال الحريات، لم يتعرض طه حسين أو إسماعيل أدهم لأي أذى، وحتى الإجراءات التي اتُّخذت ضد علي عبد الرازق من سحب شهادته وفصله من وظيفته زالت بعد ذهاب الملك فؤاد، فبعد أن تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر سنة 1945 أعاده إلى زمرة العلماء، ثم عُيِّن وزيراً للأوقاف بين كانون الأول/ ديسمبر 1948 وتموز/ يوليو 1949 في وزارة إبراهيم عبد الهادي، كما شغل عضوية مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، وعُيّن عضواً بمجمع اللغة العربية في القاهرة.

محاولات جمال عبد الناصر لإثبات أن حربه ضد جماعة الإخوان المسلمين ليست حرباً على الإسلام، كما صورها الإخوان دائماً، جعلته يسعى إلى تديين المجتمع، وسواء كان يدري أو لا يدري فالنتيجة واحدة. وقد سار مَنْ جاؤوا بعده في الطريق نفسها حتى اليوم، ليجد المصريون أنفسهم أسرى لاثنين: نظام الرأي الواحد والصوت الواحد الذي يرى أنه الوطني الأوحد وأن مخالفيه عملاء وأشرار من ناحية، ورؤية دينية متطرفة تدسّ أنفها في ما تعلم وفي ما لا تعلم، والغريب أنهما –في معظم الحالات- يتحالفان ضد المجتمع والناس والتطور الطبيعي للحياة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard