الطريق إلى قبرص وأزمات جامعة بيروت الأميركية 1882-1954

الخميس 7 أبريل 202203:16 م

قبل أيام، أعلنت جامعة بيروت الأميركية عن قرب افتتاح أول فرع لها خارج لبنان، في مدينة بافوس القبرصية. وبحسب عمدة المدينة، سيبدأ العمار في الصيف المقبل، (بقيمة 29 مليون يورو) وستكون الجامعة الجديدة متخصصة بعلوم الكومبيوتر والاقتصاد والهندسة المدنية.

يأتي هذا القرار طبعاً بعد الأزمات المتتالية التي تعرض لها لبنان خلال السنوات القليلة الماضية، مع انهيار القطاع المصرفي وتراجع قيمة الليرة اللبنانية، إضافة لهجرة العقول عن لبنان، ومنها طبعاً طلاب ومدرّسي الجامعة الأميركية.

هي ليست المرة الأولى التي تتعرّض بها الجامعة إلى تحديات جمّة، فقد مرّ عليها حربان عالميتان، وحرب أهلية طاحنة ومدمرة، استمرت من سنة 1975 ولغاية عام 1990. ولكن أزمة اليوم هي بلا شك الأشد والأقصى على لبنان وعلى الجامعة.

على هامش الحروب والدمار، مرّ على الجامعة الأميركية عدة أزمات، خلقت الكثير من الفوضى في وقتها وزمانها. سنتوقف مع اثنتين من تلك الأزمات، الأولى في ثمانينيات القرن التاسع عشر والثانية في خمسينيات القرن العشرين.

على هامش الحروب والدمار، مرّ على الجامعة الأميركية عدة أزمات...  سنتوقف مع اثنتين من تلك الأزمات، الأولى في ثمانينيات القرن التاسع عشر والثانية في خمسينيات القرن العشرين

الأزمة الأولى: بيروت 1882

جاءت أولى التحديات بعد ست عشرة سنة على تأسيس الجامعة على يد القس الأمريكي دانيال بلس سنة 1866، عندما كانت لا تزال تُعرف بالكلية السورية البروتستانتية. وكان سببها استشهاد البروفيسور الأمريكي أدوين لويس، أحد أستاذة مادتي الكيمياء والفيزياء، بالعالم البريطاني تشارلز دارون، صاحب نظرية التطور البشري من سلف مشترك مع القردة.

أشار إليها الدكتور لويس في محاضرة بعنوان "المعرفة والعِلم والحكمة" ألقيت خلال حفل تخريج الطلاب يوم 19 تموز 1882. كانت هذه النظرية مرفوضة ومستهجنة من قبل المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر والفاتيكان، لأنها تتنافى مع رواية الخلق عند المسلمين والمسيحيين. وقد رفضتها الجامعة أيضاً، التي كانت في الأساس مدرسة تبشيرية يقودها طاقم من الكهنة ورجال الدين.

كان أحد زملاء أدوين لويس من المدرسين قد أقام تجارب مخبرية على كلاب بيروت لإثبات نظرية التطور البشري، وتواصل مع تشارلز دارون، الذي أحب دراسته وقرر نشرها. غضبت المؤسسة الدينية في الجامعة، وطلب مجلس الأمناء من أدوين لويس الاعتذار أو الاستقالة من منصبه. ثار له الطلاب وبعض الأستاذة، وحصلت موجة من الاعتراضات والمظاهرات داخل الحرم الجامعي، أدّت إلى فصل 13 طالب واستقالة بعض أعضاء الهيئة التدريسية.

في نهاية المطاف، استقال لويس من منصبه مرغماً وانتهت الأزمة عند هذا الحد، مع ذلك كان لها تأثير كبير على سمعة الجامعة في سنواتها الأولى وعلى المناخ العام في بيروت، فاتحة نقاش واسع حول سقف الحريات داخل المدارس والجامعات. وقد استثمرت السلطات العثمانية الحاكمة في أزمة عام 1882، وأرادت أن تستخدمها ذريعة لإغلاق الجامعة.

كان السلطان عبد الحميد الثاني ينظر إلى كل المؤسسات التبشيرية في بلاده على أنها وكر للتجسس عليه وعلى دولته، ويعتبر أن هدفها ليس العلم بل تشجيع القوميات والأقليات على الثورة، فاعتبر أن قضية إدوين لويس جاءت لتثبت شكوكه.

الأزمة الثانية: بيروت 1954

أما عن الأزمة الثانية، فكانت مثل قضية أدوين لويس، مرتبطة بحرية التعبير داخل الحرم الجامعي. بطلها كان الدكتور قسطنطين زريق، نائب رئيس الجامعة في حينها، وهو مؤرخ وفيلسوف سوري من دمشق، دَرَس في AUB وعمل رئيساً لجامعة دمشق ثم نائباً لرئيس الجامعة الأميركية ستيفن بنروز، قبل أن يُصبح رئيساً بالوكالة في 19 كانون الثاني 1955.

خلال دراسته في بيروت، كان قسطنطين زريق عضواً في جمعية "العروة الوثقى" التي ظهرت في الجامعة قبيل الحرب العالمية الأولى، وكانت تسعى لتشجيع الطلاب على الخطابة والمناظرة، مع مناقشة وتبني القضايا القومية الكبرى. تخرج من AUB وظلّت "العروة الوثقى" قريبة من قلبه، فأسس لها فرعاً في جامعة دمشق، وعند تعيينه نائباً لرئيس الجامعة الأميركية، عمل على احتضان وتشجيع أعضائها، الذي كان يقودهم في حينها الطالب الدمشقي ثابت المهايني.

كان لمواقف قسطنطين زريق القومية الدور الأكبر بعدم تسميته رئيساً للجامعة إلّا بالوكالة، بتحريض من وزير الخارجية اللبناني شارل مالك. وعندما رُشّح الدكتور زريق لرئاسة الجامعة مجدداً سنة 1965، تم استبعاده مرة ثانية ولنفس الأسباب

انتفض طلاب الجامعة يومها ضد حلف بغداد، الذي أسس من قبل الولايات المتحدة لمحاربة الشيوعية العالمية، وقرروا تنظيم مظاهرة كبيرة داخل الحرم، غضباً واستنكاراً. ولكن الدولة اللبنانية رفضت الترخيص لهذه المظاهرة، وكانت يومها برئاسة الرئيس كميل شمعون، المقرب من الغرب والمحسوب على الولايات المتحدة الأميركية. طلب الرئيس زريق من الطالب المهايني تأجيل المظاهرة، ولكن الأخير رفض، وخرجت المظاهرة بالفعل يوم 27 آذار 1954.

حصل خلالها مواجهات عنيفة مع قوى الأمن أمام مبنى كلية الطب، سقط إثرها قتيل شاب من الحزب التقدمي الاشتراكي، وجرح 40 آخرون. وقد حصلت القوى الأمنية على إذن حكومي لتفتيش مقرات الجامعة، وفيها تم اعتقال 51 طالباً، جميعهم من "العروة الوثقى". في 29 آذار 1954 ترأس الدكتور زريق اجتماعاً طارئاً لمجلس الجامعة بصفته نائباً للرئيس، لأن ستيفن بنروز كان خارج لبنان يومها، واتُخذ قرار بحل الجمعية المشاغبة. قبله زريق على مضض، وعقد مؤتمراً صحفياً، أعرب فيه عن أسفه الشديد للطريقة التي تمت من خلالها معالجة الأزمة.

ولكنه أعاد العمل بالعروة بعد شهرين، ليتم حلها مجدداً بسبب مظاهرات جديدة أقامتها احتجاجاً على زيارة الرئيس التركي عدنان مندريس إلى لبنان في كانون الثاني 1955. يومها كان زريق قد أصبح رئيساً بالوكالة للجامعة، وعلى خلفية المظاهرة الثانية، تم طرد 13 طالب، كلهم من "العروة الوثقى".

تعتبر جامعة بيروت الأمريكية الأعرق والأقدم بين جامعات المشرق... وقد خرّجت قائمة طويلة من القادة والسياسيين والأدباء والمفكرين

وكان لمواقف قسطنطين زريق القومية الدور الأكبر بعدم تسميته رئيساً للجامعة إلّا بالوكالة، بتحريض من وزير الخارجية اللبناني شارل مالك، زميله في الأمم المتحدة، عندما كان الأول ممثل لبنان وكان زريق ممثلاً لسورية. وعندما رُشّح الدكتور زريق لرئاسة الجامعة مجدداً سنة 1965، تم استبعاده مرة ثانية ولنفس الأسباب.

تعتبر جامعة بيروت الأمريكية الأعرق والأقدم بين جامعات المشرق، وقد خرّجت قائمة طويلة من القادة والسياسيين والأدباء والمفكرين. تضم تلك القائمة اثنين من رؤساء الحكومات العراقية، رئيساً سورياً واحداً، هو الدكتور ناظم القدسي، ورئيس حكومة سورية وهو فارس الخوري، أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. منها تخرجت الأديبة السورية غادة السمان والشاعر عمر أبو ريشة، وكذلك الدكتورة حنان عشراوي، أحد رموز السياسة الفلسطينية في مرحلة اتفاقية أوسلو وعضو فريق المفاوضات لمباحثات السلام في الشرق الأوسط حينها.

وفي لبنان، خرّجت الجامعة عدداً من رؤساء الحكومات، مثل سليم الحص وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي، وتوسّعت دائرتها لتشمل أشرف غني، رئيس أفغانستان الذي أطيح به في العام الماضي بعد اجتياح طالبان للعاصمة كابل. منها ولدت حركة القوميين العرب على يد الدكتور جورج حبش ووديع حداد، وفيها عمل أنطون سعادة على استقطاب العناصر الأولى من الحزب السوري القومي الاجتماعي. وخير ما يعبر عن رسالة الجامعة كانت ملاحظة كتبها الضابط البريطاني لورانس (العرب) عندما قال: "من دون أن تقصد، علّمت جامعة بيروت الأميركية الثورة."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard