متعة النوم خارج المنزل

السبت 30 أبريل 202212:30 م

أشباح الغربة

 بالتعاون مع مسعود حيون، المحرر الضيف لشهر نيسان/أبريل


حلمت في صحوي أني كنت أمشي في شوارع الشام، ذكروني باسم المكان في الحلم، لقد نسيت الأسماء. منذ عدة أيام امتلأت الشام بالثلج، كم حلمنا بغسيل أبدي لما يحدث. عشرة سنوات ونحن نقتصّ من بعضنا البعض ونعضّ على ذاكرتنا من الألم. وذاكرتنا تسحبنا إلى الوراء كأنها أحصنة ضيّعت سروجها، بيوتها، فرسانها، ولم يتبقّ لها سوى حواجز كبيرة لا نعرف غايتها.

يوقفنا اللهاث مرات، صُورُنا داخل فناجين القهوة.

منذ أن كنت في دمشق، اكتشفت مرة متعة أن أنام خارج المنزل، أو فكرت بها بشكل ووشوشتها بيني وبين نفسي، وانا أشق طريقي بين الفحّامة وجسر الثورة، آكل حبات الكرز نصف البيضاء، كان لها مذاق آخر. ما السبب يا ترى؟ هل هو الصباح الباكر؟ أم  أنه الصباح الباكر حين تخرج من بيت ليس لك وتسلك درباً لست معتاداً عليه؟

أيقظني مرة هديلٌ تحت سقف بيت شامي، من تلك الليالي التي تنام فيها خارج المنزل، وتشعر بأنك تنتمي للكون: قلق ليلي، استيقاظ على أصوات غير مألوفة، روائح جديدة. أحب النوم خارج المنزل. لا بد أنني حين أحلم، أنا التي كثيراً ما أحلم، من ثم أستيقظ خارج مكاني، أختلط بحلمي، ويصير صحوي جزءاً من غيبوبتي التي تلي استيقاظي.

أستيقظ صاحية، هكذا، كمن ينزل واقفاً من السماء، وهذا الصحو مطعّم بالأسئلة التي لا داعي لطرحها، لكنها هنا وتمشي معك كأنها مطر أو ما شابه: لماذا أنا هنا؟ ما هذه الشجرة الجديدة؟ ما أجمل لون الكرز حين يكون لا خمري ولا أحمر، وما ألذه، حبتان تكفيان، عشر حبات ربما، أنا التي كثيراً ما أكلت مئات حبات الكرز دفعة واحدة. كأن الكرز كان مرة طريقاً، محاولة للشرود وتغيير الطريق، والآن بينما هو الآن، حبتان من الكرز تكفيان، وربما عشر حبات، وخط غامق اللون يقسمه نصفين.

أظهر لأصدقاء فرنسيين صور بيوت شامية، من الصعب التحدث عنها متجردين عن كل ما حملته من رواسب خرجت من الوقت الذي قضيناه بعيداً عنها، ربما كانت هذه البيوت للغريبين دوماً عنها، مثلنا، ليست سوى مجرد وقت. ساعات، ضيعناها داخل حقائبنا المصبوغة بكليشيهات المسلسلات... مجاز الغربة

أظهر لأصدقاء عرب وفرنسيين صور بيوت شامية، من الصعب التحدث عنها متجردين عن كل ما حملته من رواسب خرجت من الوقت الذي قضيناه بعيداً عنها، ربما كانت هذه البيوت للغريبين دوماً عنها، مثلنا، ليست سوى مجرد وقت. ساعات، ضيعناها داخل حقائبنا المصبوغة بكليشيهات المسلسلات.

هل لدي منزل؟

في منزلي في القرية، لم يكن لدي غرفة خاصة، حتى حين سد أهلي "البرندة الشرقية" بحيطان حتى يخصصوا لنا، أنا وأختي، غرفة، لم تكن معزولة بشكل كاف بما يسمح لي بالحصول على مساحة التفرد التي تفصلني عن العالم الخارجي. ما هي الحدود التي تصنعها الغرفة؟ باب، فاصل عن الآخرين يسمي كوريدور، الكوريدور هو ذراع الحرية.

كانت حيطانها من حجر حديث، وتحتها تمتد بئر نملأها بالمياه كلما تدفقت مياه الحكومة من حنفياتنا فضية اللون، ثم نرفع من تحت غرفتي الماء بموتور له زر أبيض وشاحب، يصدر ضجيجاً يغطي على خليط صوت الأبقار والعصافير آنذاك.

لم يكن لي لا مفتاح ولا كوريدور، لهذا لسبب ربما بنيت حيطاناً حولي، حيطاناً تحميني من الخارج، ليس لأنه غير آمن، (لم يكن معنى الأمان يعنيني في تلك الأيام، لم يكن ثمة ما يهدد أمنك بشكل مباشر) لكن لأن داخلي مليء بمياه جوفية وكان الخارج سريعاً ومباشراً، لا يجلس القرفصاء حتى يشرح لك أو يسمح لمياهك بالصعود نحو الأعلى، حين تحين الفرصة.

لم يكن الخارج يُعنى بك كطفل ذي روح هشّة وقابلة للعطاء والأخذ وفق أسسها، بل كقطعة هشة علينا حمايتها وتأهيلها، تأهيلها لمَ؟ لأهداف تعبئها أفكار مجتمعية، وحتى هذه إذا حاولت مراجعتها، مرات تخرج لك التقاليد من دون قواعد تمنهجها، مرات أخرى شعارات قومية مزروعة بشكل عشوائي ولا تضع داخلك سوى بذرة الخوف، مرات شعوذات دينية.

لولا يدي جدي الحنونتين لكنت شككت في معناها. كان الخارج خوفاً يحتاج إلى إعادة هيكلة، فوضى لا أبواب لها، حيطاناً مبنية فوق شرفات بسبب عدم الرغبة بالتخطيط، طالما كان كل شيء يسير كما هو عليه.

كانت دعوات جدتي، حنان أبي، وجود أمي القريب فوقي، ينقلانني إلى بساط للريح، له شكل الفوضى أيضاً، لكن اليقين الذي كان يملكه أنه كان فوق الأمكنة، يستمد من شجرة الجوز رائحتها، من شجرة السنديان خصرها الضخم وامتدادها نحو السماء، من شجرة السماق لذعتها الخمرية، شجرة الزيتون أمثلتها النادرة وقِدمها وعلاقتها بالمكان وتأهيله على هواها، من شجرة الخرنوب، كيف تُقطع لتصير جرحاً في الذاكرة، تلمس ندبة خرجت على يديك وتنتظر أن تكبر لتصير شجرة.

كيف تيبس لتترك الأطفال يتأرجحون في أمكنة كانت فيما مضى أغصاناً معلقة بين جذعين، أغصاناً مرنة بلون الشوكولا بالحليب، كان النمل يمرّ تحتها وكنا نمرّ قربها، ذاهبين إلى ما كان يدعى بيوتنا.

منذ مدة توقفتْ عن التوجّه لسوريا، تلك الحقائب، لذا لم نعد نعرف بمَ يجب أن نملأها، عطور؟ هدايا؟ دفاتر وصور؟ حولناها لبيت وثائق تثبت إقامتنا في هذا المكان... مجاز أشباح الغربة

لم يكن لي يوماً في بيت طفولتي مفتاح أقفل به باب الغرفة، ربما لهذا السبب لم يعد يهمني الأمر وأنا هنا، في فرنسا، نبذني التملك، فاستعضت عنه بممتلكات داخلية، بثياب أزين بها بيت السلحفاة، أجمّله حتى لا يبدو قبيحاً، حتى أدخل بكامل ما أملك من أثاث وأغطية وبرد وزهور مجففة بين المارة، وهم يلبسون نايك وأديداس، تشتد الابتسامة على قلم حمرة إيف سان لوران، كأنه مفتاح إلى السعادة، على قطعة شوكولا شهية، كأنها تعويض عن قفزة داخل حضن أبي المتوفي، تشتد الابتسامة متحزّمة بأربطة حتى لا تنفلش منها ذكريات لم يعد لها وجود هنا، لا مكان لها هنا، لا بيت، ولا غرفة بأربعة حيطان، ومفتاح.

مدينة المزة الجامعية، أكثر من الحيطان كنّا

أثناء دراستي الجامعية سكنت في غرفة، كنا أكثر من الحيطان، ستة بنات في غرفة مساحتها لا تتجاوز ثلاثين متراً مربعاً. كان السرير مقبرة للحلم، والنافذة أوسع ما في المكان، وهكذا تعلمت مرة أخرى، وحتى عمر الثلاثة وعشرين، الامتداد خارج المكان، وصناعة ما يسمى حدود جسدي وروحي بشكل عشوائي، ريشة بيكاسو تصنع مربعات ودوائر تغلفني، توسع من حدود تكويني عبر ممرات هندسية عشوائية لكن دقيقة، ثم ترسلني في طرد بريدي من مصير لآخر.

امتلكت عدة مفاتيح، بين دمشق، روان، رامس وتولوز. في سوريا لطالما كانت عشوائيات، في فرنسا لطالما كانت مفاتيح لبيوت صغيرة، حديثة. أرى ديكورات لطيفة، أشتريها هدايا للآخرين أصحاب البيوت، ليس لدي طاولات تكفي حتى أضعها عليها، لا داعي لشراء الطاولات الكثيرة، فهي تلزم من يريد أن يبقى هنا، في مكانه، وأنا كباقي السوريين، طاولاتنا هي حقائب سفرنا.

منذ مدة توقفتْ عن التوجّه لسوريا، تلك الحقائب، لذا لم نعد نعرف بمَ يجب أن نملأها، عطور؟ هدايا؟ دفاتر وصور؟ حولناها لبيت وثائق تثبت إقامتنا في هذا المكان.

حاولت أن أفسر معنى الأمان لك، نمت وأنا أكمل الحكاية مكتفية بألا يقتلني سيّاف، متبخر من غضب قديم، غضب الهجران، الحزن، غياب الفكرة ومن اقتحامها لغرف العقل بمصباح متكسر، يريد أن يتكئ على شجرة زيتون داخله، ثم يشعل كل شيء. في يوم ما سنغرق داخل حكايتنا، ونطفئ الضوء.

رجل

 يأخذ حقيبة صغيرة في كل أسفاره

حقيبة صغيرة تناسب مقاسي

رحلَ

ترك مقاسي على السرير

وذاكرة لها شكل حقيبة.

أرى بيوتاً كما هي تنزل على أصحابها، مرات تقتلهم، مرات يرونها من بعيد، لتشك فيما إذا كانوا قد صاروا أشباحاً، وأشك في ما إذا كنت مثلهم. تكرار هذه الصور يجعلني أعدّ، ثم أتوقف، هذا يشبه نوعاً من الهلوسة. ماذا يريد أن يحمل الهاربون في حقائبهم؟ أو ربما يصير الجسد هو كله حقيبة، ومفتاحاً، وبيتاً، وغرفاً مطفأة، نحتاج زمناً طويلاً بعد حتى تشتعل، بمصابيح مستعارة من ازمان أخرى، وأماكن جديدة.

أدخل بكامل ما أملك من أثاث وأغطية وبرد وزهور مجففة بين المارة، وهم يلبسون نايك وأديداس، تشتد الابتسامة على قلم حمرة إيف سان لوران، كأنه مفتاح إلى السعادة، على قطعة شوكولا شهية، كأنها تعويض عن قفزة داخل حضن أبي المتوفي... مجاز أشباج الغربة

وحلمت بأنه نبتت لي ساقان

ثبتتاني هناك

كأني تعبت من الطيران

ثمة مدن تشبه الصباح

وتحمله داخلها

تطحنه حتى آخر حبة

حتى يصير ليلاً تائهاً

وربما كان فرحاً بتلك الهوية.

هواء مصفف أمام القلعة

أصوات خافتة داخل البيوت

قلت لك تعال وتخلى قليلاً عن عدميتك

كلانا غريب يبحث عن ملصق له رائحة الوطن.

تعال نشاهد ثلاثين حلقة من مسلسل سوري من أول الألفية الجديدة

حيث كان كل شيء يبدو لا غبار عليه

مع أن كل الوحل

كان يرسم على وجوهنا

حتى نصير حيطاناً

من قبل التاريخ

متى صرنا يابسين

وصارت كل الأشياء تتجرأ وتمر فوقنا

تترك نقوشاً

وروائح.

نستجمّ داخل ذاكرتنا

وداخل الشبابيك التي تخرج منها أصوات أم كلثوم

تعال نشعر بالنوستالجيا بشكل عاطفي وبسيط

نملأه بمشهد

تعال أحكي لك حكايا القصر العدلي الذي لم أعمل فيه

عن كلية الحقوق الكبيرة بعمارها الفرنسي والتي كبست لي روحي ثم أرسلتني إلى فرنسا

وها أنا أحاول نثر حبات القمح بين برج إيفل وماض مثقوب

ما أكثر الحمامات

في هذه البلاد

وتلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard