صيادو السمك في محافظة الحديدة اليمنية: "لم يعد البحر يتسع لشباكنا"

السبت 9 أبريل 202211:09 ص

أجسادٌ نصف عارية لَفَحتها أشعة الشمس الحارقة وشَدّتها قساوة الحياة، تتمايل بها القوارب في رحلة العودة إلى ميناء الصيد في محافظة الحديدة، غربي اليمن.

يقفز الستيني أحمد علي برشاقة من أحدها ثم يفرغ، بمساعدة من رفاقهِ، حمولتهم من الأسماك بعد نحو أسبوع قضوه في قلب البحر.

حالفهم الحظ في ذلك اليوم، ولكن "لا يحدث هذا في كل مرة، فالبحر لا يكونُ سخياً دائماً"، يقولُ أحمد بنبرة مَن حفظ أسرار المهنة عن ظهر قلب.

هو لم يعرف مهنة أخرى على مدى أربعين سنة، ويعيل بها الآن أسرته المكونة من ثمانية أفراد، لكن مع مصاعب ومشقة كبيرة.

فمنذ اندلاع الحرب في اليمن وفرض التحالف الذي تقوده السعودية حصاراً برياً وجوياً وبحرياً على الحديدة، لا يتمكن أحمد في غالب الأيام من توفير احتياجات الأسرة، لأن ما يتحصل عليه لقاء صيده غير ثابت.

هو، كغيره من الصيادين، يصطاد أنواعاً مختلفة من الأسماك وثمار البحر (الجمبري والسولفيش والعربي والجحش والسخلة والشروخ والقرش والديرك وسمك الثمد الذي يعد الأكثر صيداً)، ثم يبيعونها في "حراج" مجمع بيع السمك في ذات المرفأ، في مزاد علني بالجملة والتجزئة يستمر من ساعات الصباح الأولى وحتى منتصف النهار.

والفائزون بالمزاد ينقلون ما يشترونه إلى صنعاء أو حجة وإب وعمران والمحويت وريمة الواقعة تحت سيطرة الحوثيين أو محافظات عدن وتعز ولحج والضالع التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً.

يقول أحمد: "الشباك هي الوسيلة التي نصطاد بها. أحياناً نحصل على سمك كثير وأحياناً أخرى لا نحصل إلا على القليل. الرزق في البحر يوماً لك وأيامٌ عليك، ومع ذلك لا نستخدم المفرقعات كما تفعل سفن أجنبية في مياهنا".

مقارنة بما كان الوضع عليه قبل الحرب، يرى أحمد أن ما يصطادونهُ بات قليلاً جداً، فضلاً عن التكلفة الباهظة لعملية الصيد ذاتها. ولذلك، يخرج الصيادون للصيد ثلاث إلى أربع مراتٍ فقط في الشهر الواحد، وهذا غير كافٍ لتأمين دخلٍ يسدّ احتياجاتهم وأسرهم.

أزمة وقود

مع توقُّف عمل محطات الوقود اضطر الصيادون لشراء ما يحتاجونه من الوقود لتشغيل محركات قواربهم من السوق السوداء، بمبالغ مالية كبيرة تصل إلى ثلاثين ألف ريال يمني (ما يعادل 50 دولاراً) للعشرين ليتراً.

هو أمر يؤرق الصيادين ويدفع الكثيرين منهم إلى التوقف عن العمل والبحث عن عمل آخر يكون مجدياً، إذ أن المردود المالي للصيد لام يعد يغطي التكاليف.

يتأكد أحمد من أن قاربه مربوط بإحكام إلى المرفأ، ثم ينحني لالتقاط حزمة من الخطاطيف ويضعها في حقيبة جلد صغيرة وهو يقول: "الحرب أثّرت علينا كثيراً. المشتقات النفطية غالية بل ومعدومة. الصيد نفسهُ بات مغامرة، لأن هناك أماكن لا يُسمح لنا بالصيد فيها".

"كان غدر البحر، بتقلباته، هو الخطر الوحيد الذي يتهددنا قبل الحرب، أما الآن فهنالك العديد من المخاطر الأخرى. كأننا جنود، ولسنا مجرد صيادي سمك"

يشير بيده نحو الأفق البعيد ويقول: "بوارج التحالف العسكري الذي تقودهُ السعودية تنتشر في عرض البحر الأحمر منذ العام 2015 وقلصت كثيراً من مساحات الصيد، حتى أصبح محصوراً في مناطق لا تبعد عن مدينة الحديدة سوى بضعة أميال، ولا يتوفر فيها غالباً كثيرٌ من الأسماك".

الآلاف من صيادي الأسماك في محافظة الحديدة التي تُعَدّ واحدة من أفقر المحافظات اليمنية، لا يختلف حالهم عن حال أحمد علي، إنْ لم يكن أسوأ. كثيرون ممن تحدثنا معهم اشتكوا من أنهم يعيشون أوضاعاً اقتصادية متردية، بسبب ما أفرزه الصراع الدامي الذي تشهده البلاد منذ نحو سبعِ سنوات.

فلا مساحة بحرية مفتوحة أمام شباكهم، والتصدير إلى خارج اليمن متوقفٌ منذ اندلاع الحرب، وها هي أسعار الوقود ترتفع، لترتفع معها المصاعب التي يواجهونها يوماً بعد آخر، فضلاً عن تلف معداتهم التي لا يستطيعون تعويضها بشراء غيرها، لافتقارهم إلى الموارد المالية.

فقر وبطالة وقرصنة

بحسب موجز إعلامي نشرته منظمة أوكسفام الدولية عام 2017، صمد 50% فقط من الصيادين اليمنيين، وواصلوا مهنتهم على الرغم من المشاق التي يتكبدونها، في حين أن الباقين لجأوا إلى مهن أخرى تقيهم وعائلاتهم الفقر والجوع.

ويشير رئيس ملتقى الصياد التهامي محمد الحسني إلى أن عدداً كبيراً من الصيادين سقطو قتلى نتجية الاستهداف المباشر من قبل سفن التحالف التي تحاصر الشواطئ اليمنية، وطائراته، لافتاً إلى أن الاستهدافات طالت الصيادين في أكثر من موقع في البحر والجزر وأيضاً في الموانئ حيث يبيعون صيدهم إضافة إلى الطرقات أثناء تنقلهم.

ويلفت إلى أن الصيادين وأسرهم باتوا محرومون من أبسط مقومات الحياة المعيشية، لا سيما أسر الضحايا التي خسرت معيلها، متحدثاً عن أن "هناك طابوراً طويلاً ممن خسروا فرص العمل" وصاروا يفتقرون إلى ما يوفّر لهم الغذاء والدواء، مقدراً نسبة هؤلاء بـ80%.

وأشار رئيس الهيئة العامة للصيادين هاشم الدانعي، في مؤتمر صحافي عقده منتصف شباط/ فبراير 2022 في مدينة الحديدة، إلى أن عدد الصيادين اليمنيين الذين تعرضوا للقرصنة والاستهداف أثناء ممارستهم عملهم من قبل التحالف العربي والسلطات الإريترية بلغ 882 شخصاً.

"الحرب أثّرت علينا كثيراً. المشتقات النفطية غالية بل ومعدومة. الصيد نفسهُ بات مغامرة، لأن هناك أماكن لا يُسمح لنا بالصيد فيها"

وتقوم دوريات تابعة لخفر السواحل الإريتري بمطاردة قوارب الصيادين اليمنيين التي تدخل مياه إريتريا الإقليمية، ويقبض عناصرها على الصيادين ويودعونهم السجون لفترات طويلة.

ويشير الدانعي إلى أن الهيئة قدّمت الدعم والمساندة للصيادين الذين تعرضوا لما يصفه بالقرصنة، بمبلغ وقدره 11 مليوناً و500 ألف ريال، أي ما يعادل تقريباً 19 ألف دولار، وأربعة آلاف تصريح مجاني لرحلات صيد خاصة بـ265 قارباً مع 23731 صياداً، وتنظيم ورش عمل سريعة وإنشاء جمعيتين إضافة إلى شركة سمكية، وافتتاح فرعين للهيئة في محافظتي تعز وحجة.

كأنها حرب

غمدان عبده أحمد، صياد في العقد الرابع من عمره من مدينة الحديدة يقسمُ أنه لو عثر على مهنة أخرى، لما ركب قارب صيد في حياته. يصف وضعهُ بأنه واقع بين مطرقة الجوع مع عائلته في المنزل، وسندان مخاطر الصيد في البحر. حتى أن أفراد أسرته يودّعونهُ وداعاً يليق بذاهب إلى حرب قد لا يعود منها حينما يذهب في رحلة صيد.

يحتقن وجهه ويقول بغضب: "لا نعرف متى ستصيبنا واحدة من الرصاصات التي تطلقها القطع البحرية التابعة للتحالف أو ينفجر فينا واحد من الألغام البحرية المنتشرة بكثافة".

يستعيد هدوءه، ثم يواصل بعد لحظات صمت: "كان غدر البحر، بتقلباته، هو الخطر الوحيد الذي يتهددنا قبل الحرب، أما الآن فهنالك العديد من المخاطر الأخرى. كأننا جنود، ولسنا مجرد صيادي سمك".

أما عرفات محمد (35 عاماً)، فلم يُعمّر في مهنة الصيد، إذ اكتفى بسبع سنوات وصفها بالعجاف، قبل أن تتجه بوصلة اهتمامه للعمل في مجال بيع الزهور في سوقٍ للقات في مدينة الحديدة.

يشير إلى أن تواجده وسط الزهور أكثر أمناً من البقاء مذعوراً في قاربٍ إنْ أخطأه موج البحر العاتي ستنال منه الألغام البحرية أو هجمات قوات السواحل الإريترية التي ما تزال تحتجز الكثير من رفاقه الصيادين أو نيران قوات التحالف التي تراقب كل شيء لمنع تهريب السلاح للحوثيين.

يتحدث ثم يستطرد بنبرة ساخرة: "هذا إذا كنت محظوظاً وحصلت على بضعة ليترات من البنزين لتشغيل محرك القارب!".

يؤكد عرفات أنه يكسب لقمة عيش سهلة الآن. وهنا يستدرك: "أكثر ما دفعني لترك مهنة الصيد نهائياً هو سقوط العديد من معارفي الصيادين قتلى وجرحى، ولا أحد اكترث بما حدث لهم، لا الحوثيون ولا التحالف".

وفي وقت يكاد قارب الصياد اليمني لا يجد مساحة آمنة في البحر يتحرك فيها، فصيادو الحديدة ينحصر عملهم في السواحل القريبة من مدينتهم، وهي مناطق فقيرة بالأسماك، ولا يبتعدون خشية استهداف سفن التحالف الحربية أو طائراته لهم، تحدث عدة أشخاص عن نشاط سفن أجنبية تابعة لصيادين من الدول المشاركة في التحالف وقيامها بالإضرار بالبيئة السمكية في البحر الأحمر بسبب استخدامها وسائل غير مشروعة في الصيد، كالمفرقعات.

وتحدث الناطق باسم "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي" طلعت الشرجبي لرصيف22 عن "سفن صينية ومصرية وإماراتية تمارس الصيد الجائر بطريقة مخالفة للقوانين مستغلة الحرب في اليمن"، و"تمد شباكاً ضخمة في قاع البحر جارفة الأسماك الصغيرة والكبيرة وكل أغذية الأسماك"، وهو ما لم نستطع التحقق منه بشكل مستقل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard