شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حكاية صفية... زوجة أمير الفلوجة الباحثة عن الحرية والحب

حكاية صفية... زوجة أمير الفلوجة الباحثة عن الحرية والحب

ثقافة

الجمعة 15 أبريل 202204:08 م

تتداخل أحداث رواية "زوجة أمير الفلوجة" للصحافي المصري حمزة هنداوي، مع ما نعرفه عن سيرته المهنية. هو المراسل الشهير لوكالة "أسوشيتد برس" الذي عمل منذ نهاية التسعينيات وحتى 2018 على فترات متقطعة في مهام مختلفة، جعلته مُطلعاً على الوضع المعقد في العراق، ها هو يخوض تجربته الروائية الأولى التي تسترجع الغزو الأمريكي ومعركة الفلوجة التي حدثت بين عامي 2003 و2004.

بحياد مهني لصحافي حربي يتكّل هنداوي على ما يعتبره حقائق أرشيفية، ليصوغ لغته الروائية، من دون أن يبتعد قيد أنملة عن الحدث العام (الغزو الأمريكي للعراق)، فيتداخل التاريخي/السياسي بالإنساني/الفردي ليرسم ظلال السياسة وانسحاب نتائج الحرب على الشخصيات بشكل مفارقات مؤلمة، فبين التفجيرات وعمليات الإعدام الميدانية والمعارك الطاحنة لا ينجو أحد.

يخوض الصحافي المصري حمزة هنداوي تجربته الروائية الأولى مع "زوجة أمير الفلوجة" التي تسترجع الغزو الأمريكي ومعركة الفلوجة التي حدثت بين عامي 2003 و2004

"أنسنة" الجهاديين

لا يسقط هنداوي في فخ الامتثال لطرف على حساب آخر خلال سرده للحرب، أو الانحياز عبر شخصياته المتنوعة إلى اتجاه إيديولوجي دون سواه، ولا يتكئ على النقد لتسجيل موقف إنساني رؤيوي شامل، كما هي الحال في بعض الأعمال الروائية التي يسقط أصحابها في بئر التنظير.
بلغة حيادية تقريباً، وغير متكلّفة، يخلّص الرواية من أية شخصية رئيسة مهيمنة، ويوزّع "الحياة"، وإن بشكل غير متكافئ، على شخصيات عديدة، فنجد حسن الأنباري، أمير الفلوجة، وهو مفتش صحة يشعر بالملل من وظيفته، وعمر الذي يطمح لأن يصبح مصوراً فوتوغرافياً في الوكالة الأمريكية، رغم ميل قلبه وعقله للجهاديين، ثمة أيضاً صموئيل، المراسل الأمريكي الفظ الذي يعاني من إدمان الكحول، وجون، المسعف الأمريكي الذي يجاهر برغبته في رؤية العراقيين قتلى، لأنه يشعر بالمرارة ويعاني من خيانة زوجته. 

يلعب هنداوي لعبة الغميضة التي تعتمد إرسال القارئ إلى غياهب النفس البشرية، لتفكيكها وترويضها بحسب مسار الحدث التالي في زمن الحرب المتسارع، وينهل من الخلفية الاجتماعية لشخصيات تتقاطع مصائرها في العراق. يؤنسنها ويبتعد عن الصور النمطية والكاريكاتورية ،ويقدم لنا دائماً أسباباً للتعاطف مع أكثر المواقف تطرفاً. حتى مبررات الجهاديين تبدو مفهومة، هم الذين يحاربون من أجل كرامتهم ويحتضنون بعضهم البعض بأخوية قبل المعارك، مع أمنيات بلقاء قريب لشرب الشاي.

المرأة بين الجهاد والتوق للحرية

تدور الحكاية في عالم ذكوري فجّ، حيث السلطة الدينية والسياسية ترسم الأحداث وتشعل نار الحرب. الشخصية الوحيدة الأنثوية هي صفية، زوجة أمير الفلوجة، وهي الشخصية الأقوى: عنيدة، واثقة وغير منقادة إلى عواطفها، لكن حياتها مخططة سلفاً، كأي امرأة في مجتمع محافظ. زوّجها أهلها لقريبها حسن، ورغم حبها له، إلا أنها دائماً ما تشكك في استحقاقه للسلطة، بل وتشكك في هذه السلطة الغاشمة نفسها. تحنّ دائماً إلى الكتب والروايات التي قرأتها ورسمت لها عوالم أخرى أكثر رحابة حيث الحرية والفن، ولو كان بيدها أن تختار لاختارت مصيراً مُغايراً. تتساءل صفية طوال الوقت عن جدوى "الجهاد"، وترى أن الدين يحتمل تأويلات أكثر ليناً، لقد كانت ضد القتل، وتعرف أن الخاسر الأكبر، بل والوحيد في هذه الحروب، هن النساء.

بحياد مهني لصحافي حربي يتكّل هنداوي على ما يعتبره حقائق أرشيفية، ليصوغ لغته الروائية، من دون أن يبتعد قيد أنملة عن الحدث العام، الغزو الأمريكي للعراق

هنا تتحرك الرواية في خط جديد، هناك زمن أو خط اكتشاف الجسد، أو تحسسه كما يليق بمراهقة. حين يرسم هنداوي مشاهد الجنس بين صفية وحسن بشغف كبير، فيعريهما من ثقل التربية الدينية ويدخلهما عالم الرغبات والأحلام الإيروسية: "ظلت لأسابيع تلقي نفسها بين ذراعيه، ويقضيان ساعة أو أكثر في التقبيل حتى تتألم شفاههما وتجفّ... في البداية، كان التقبيل بالنسبة لهما يعني ضغط الشفتين على الشفتين، لكن سرعان ما تغير ذلك وتعلما قفل الشفاه واستخدام الألسنة، فتبللت القبلات وأصبحت أكثر إثارة .."

كانت روح صفية روحاً حرة، قيدها وجودها في مجتمع وظرف تاريخي مغلق، حتى وهي تنتمي لمعسكر الجهاديين،  كانت تبحث عن متعة الحياة، عن معنى أكبر من كونها مجرد زوجة للأمير، وتقتنص كل فرصة تواتيها للتمرد، ولقد هيئت لها هذه الروح التي تسعى إلى الحرية، أن تتحول من زوجة أمير الفلوجة إلى امرأة أخرى تقع في غرام طبيب أمريكي من أصل عربي، يأخذها إلى أمريكا، حيث تستطيع أن تبدأ حياة جديدة وتتخلص من قيود الماضي، لكنها تظل محكومة إلى الأبد بالتاريخ الشخصي والمجتمعي الذي كبت روحها وجسدها وجعلهما ملكاً لسلطة ذكورية غاشمة.

الإمارة الإسلامية: باب الخلود

يكتب هنداوي بلغة سهلة، غير متكلفة، لا تكثّف من وصف أو حدث أو فعل. الأشياء تبقى كما رآها، بسيطة لتصل حد التلقائية، فلا مغالاة في التفسير والتحليل. الأمر الذي يجعل القارئ مجبراً على لملمة التفاصيل في مناخ فوضوي متبدل وعلى وشك الزوال في أية لحظة.

تنطلق الرواية باتجاه إفساح المجال للقارئ بأن يلتقط ويركّب ويعجن خلفية شخصيات عالقة بين ماض مشوش وحاضر بالغ القسوة. فحسن" أمير الجهاديين، الذي يأمر فيُطاع، وبإشارة منه تقطع رقاب وأوصال، شخص وديع أمام زوجته صفية، مفتون بحبه لها ومتعلق بجسدها بشدّة. يستدرجنا هنداوي لمشاهد الحب بين حسن وصفية، فيتجدد الشوق مع كل لقاء، ومع كل انفصال توق للقاء جديد. ما يجعلنا ننسى كقرّاء أن هذين الحبيبين يحملان أفكاراً متطرفة، فنتجرف ونتعاطف مع هذا الحب:

تتساءل صفية، زوجة أمير الفلوجة، طوال الوقت عن جدوى "الجهاد"، وترى أن الدين يحتمل تأويلات أكثر ليناً، لقد كانت ضد القتل، وتعرف أن الخاسر الأكبر، بل والوحيد في هذه الحروب، هن النساء

"ربما كان صبر حسن نابعاً من إحساسه بالفخر لأنه متزوج من صفية، الفتاة التي كانت الأسرة تتحدث عن جمالها النادر كهبة إلهية، كان جمالها الممزوج برقتها يجعلها تبدو مثل العارضات اللاتي يظهرن في عروض الأزياء وعلى أغلفة المجلات، بشعرها البني الداكن الكثيف، وجلدها الأبيض الناعم، وقوامها الممشوق.

كما كانت تتحدث بذكاء شخص قاريء ومطلع إلى حد ما، اعتاد حسن أن يعود من بغداد كل خميس، ممتلئاً بالإثارة والرغبة في زوجته الشابة الجميلة، وكان يغادر الأحد بعد شروق الشمس بقليل، وهو منهك، ولديه رغبة عارمة في النوم بعد الليالي الطويلة التي قضاها في ممارسة الجنس مع صفية".

يسلك حسن طريق الجهاد أملاً في التميّز، وهو الذي كان يغالب النعاس في وظيفته في عراق مغلق،  بسبب عقوبات الأمم المتحدة من جهة، وسلطة قمعية حاكمة من جهة أخرى، حيث "العاديون" أمثاله يتوهون في الزحام. لذلك لاحت له فرصة ذهبية بعد سقوط صدام ومحاولة إحياء الدولة الإسلامية التي قد تجعله "الخليفة" في يوم ما... وداعبته أحلام العظمة والخلود، ليصبح ملكاً حاكماً باسم الله، يحارب أعداء الدين الذين احتلوا بلاده، فإن كان مصيره الموت صار في مصاف الشهداء والقديسين.

يبدو حسن بطلاً درامياً بامتياز، يخاطر بنفسه وبأهله من أجل الهدف الأسمى، ولا يهتم كثيراً باستهتاره بأرواح زوجته ووالديها اللذين قُتلا في عملية استهدفته هو. لكنه لا يتوانى عن التضحية بنفسه من أجل "المعركة الكبرى في الفلوجة"، كما أسماها، فقد كان يريد انتصاراً يذكُره كل الناس بعد موته، هو العارف أن هذه المعركة الصغيرة لن تجلب النصر للجهاديين، فقد انهزموا وانتهى أمرهم، لكنها مسألة شرف كما يفهمها، فيذهب بقدميه للموت، آخذاً معه كل رجاله الذين يشربون آخر شاي لهم معاً، وفي مشهد أخير، يحتضن حسن شاباً صغيراً مشاركاً في العملية وهو يبكي من الرهبة، يطمئنه ويطمئن نفسه أنهم لو عاشوا سيُتوّجون كأبطال، ولو ماتوا فسيلاقون الله في الجنة.

وجه أمريكا القبيح

العوالم الصغيرة للأفراد تجد حيزاً واسعاً في مخيلة القارئ، فالرواية شبيهة إلى حد كبير بفيلم إثارة، وبعض الشخصيات مألوفة، مثل صموئيل، المراسل في مناطق الحروب، الذي يعمل لعقود لدى المؤسسة الأمريكية الإخبارية، يعتبر نفسه سلطاناً على عرش هذه المهنة، ويسخر من المحاولات المرتبكة للصحفيين الجدد، فارضاً سطوته على الصحفيين وعلى مالكي زمام المؤسسة في أمريكا.

لا يبدو أن هدف صموئيل مختلف عن هدف حسن الجهادي، فهو يبحث عن المجد والخلود كذلك، ولا يتوانى عن فعل أي شيء للوصول لمبتغاه، بداية من تعيين مصوّر صحفي مشكوك في انتمائه للمتطرفين، وانتهاء برشوة القاضي الذي يحكم في قضية هذا المصور، لا بسبب تعاطفه معه،  ولكن ليستعيد رضاء أولياء نعمته الذين يضغطون بكل قوتهم لعدم تورط اسمهم في تعيين إرهابي في مؤسستهم.

 هذه القضية تنزع البساط من تحت قدمي صموئيل، لكنه سرعان ما يحاول استعادة مكانته. وفي مشهد دال يرسم لنا هنداوي مدى غلاظة هذا الرجل ومدى خنوع الجميع له، حين يستيقظ جائعاً في الليل، فيذهب إلى المطبخ حيث يجلس بعض الصحفيين، ويجد قطعة لحم نيئة، يضعها في طبق ويأكلها بالشوكة والسكين دون أن يرف له جفن، بينما يغض الحاضرون الطرف، محاولين إنكار ما يرونه. وفي النهاية يلقى صموئيل حتفه على يد حسن، الذي يُقتل بدوره على يد القوات الأمريكية، أثناء حفل أقيم على شرف صموئيل نفسه، احتفالاً بوجوده في المؤسسة لـ 35 عاماً.

ويلعب هنداوي مقابلة أخرى، بين شخصيتي عمر وصفية، فكلاهما يبحثان عن عالم بديل، بسذاجة وعدم إدراك لتشعّب العلاقات بين البشر، وتعقيد الأمور أكثر مما يتخيلان، ما يؤدي بهما في النهاية إلى مصائر سوداوية.

نهاية الولاءات المزدوجة

إحدى إشكاليات الرواية، والتي تدهشنا للوهلة الأولى، هي شخصية عمر وعلاقته الغائمة بالجهاديين، فهو متعاطف معهم وصديق لمعظمهم، مؤمن مثلهم بضرورة الجهاد وإخراج الأمريكيين من العراق، لكنه في المقابل يعمل لدى وكالة أمريكية إخبارية لتحقيق حلمه في الشهرة، ويمنّي نفسه بالحصول على وظيفة براتب ثابت وضخم، وعلى جوائز صحفية تنالها "صوره الرائعة لمعارك الفلوجة من الداخل"، التي يظهر فيها الجهاديون عن قرب، وهو ما لم يتسنّ لأي مصور صحفي غيره.

يغض عمر الطرف عن كون هذه الصور قد تشي بأصدقائه، مخادعاً نفسه بأنه يموّه الوجوه، وينتهز فرصة عملية جهادية لينضم إلى صفوف "الإرهابيين" بحثاً عن صورة مميزة تنال "البوليتزر"، وما الضير في ذلك؟ الفوتوغرافيون ينضمون طوال الوقت لطرف دو ن الآخر.
هذه البراغماتية هي أعلى مراتب السذاجة التي تدركها شخصية عمر، فهو لا يعي تماماً أنه لا ينتمي لأي من الطرفين؛ لا هو جهادي يضحي بروحه من أجل حسن وجماعته، ولا هو منتمٍ للوكالة الأمريكية.

وفي نهاية المطاف لا يحزن لا على موت حسن ولا صموئيل، ويكون مصيره القتل هو الآخر، كأنه عقاب مستحق، على يد الجهاديين الذين يقولون له إنه سيذهب إلى الجحيم في هذه اللحظة.

Website by WhiteBeard