أما آن الأوان للإصغاء إلى ما تقوله أجسادنا؟

الخميس 10 مارس 202204:22 م


بين مشاعرنا وأجسادنا هناك علاقة متداخلة معقدة تشبه خيوط العنكبوت، التي كلّما حاولنا فكّها تشابكت أكثر فأكثر. تشابك أطاح بمفهوم كان سائداً، يتحدث عن الفصل بين الصحة الجسدية والصحة النفسية، أي بين المشاعر والتجارب الحياتية السلبية وبين الأمراض الجسدية، في حين أنه اليوم ترسخ مفهوم جديد وعلم حديث يكرّس التزاوج بين النفس والجسد، من خلال ما بات يُعرف بالأمراض النفس-جسدية.

أعراض جسدية من دون سبب طبي

تُعرف الأمراض النفس-جسدية بأنها عبارة عن أعراض جسدية مؤلمة وأحياناً خطيرة، ليس لها سبب طبّي واضح، بل إنها مرتبطة ارتباطاً شديداً بحدث نفسي سلبي أيقظ تلك الأعراض.

غالباً ما تشكل تلك الآلام صدمة وخوفاً شديداً لدى الشخص الذي يقع في حال من الحيرة وعدم القدرة على فهم وتفسير التغييرات التي تحدث في جسده، فيبدأ أولاً بالتنقل بين طبيب وآخر محاولاً إيجاد الأجوبة الشافية، غير أنه يصطدم بالتشخيصات المتناقضة التي تزيد من قلقه ومن آلامه الجسدية.

وفي وقت لاحق، يجد نفسه أمام ثلاثة خيارات: إما تجاهل الآلام وإسكاتها عبر تناول مسكّنات خفيفة، أو العمل على تغيير جذري في النظام الغذائي والرياضة، أو البحث في مكان آخر عن أسباب قد تكون أعمق من الجسد وأعراضه، كالغوص في أوجاع نفسية مكبوتة أو موروثة قابعة في الجسد لسنوات طويلة.

كيف تخاطبنا أجسادنا؟ ماذا تحاول أن تقول لنا؟ وكيف تكون الأمراض في الجسد جرس إنذار لعلاج أمراض النفس؟

جسدنا مرآة النفس

استيقظت ندى بعد ليلة زفافها وهي تشعر بغثيان وبآلام حادة في معدتها. للوهلة الأولى، اعتقدت أن السبب يعود لكونها منهكة من تحضيرات الزفاف وما يرافقه من ضغوطات نفسية وتفاصيل لا تنتهي، لكن الألم استمر بتصاعد سريع لأكثر من أسبوع دون توقف.

بعد خضوعها لفحوصات طبية عديدة، أُبلغت الصبية الثلاثنية أن اختباراتها "نظيفة" وأن ما تعانيه قد يكون جرّاء ضغط نفسي مكبوت "ضرب" جهاز المناعة لديها وأثّر على الجهاز الهضمي.

كيف تخاطبنا أجسادنا؟ ماذا تحاول أن تقول لنا؟ وكيف تكون الأمراض في الجسد جرس إنذار لعلاج أمراض النفس؟

تعرف منظمة الصحة العالمية الطب النفس-جسدي أنه دراسة التداخل البيولوجي، النفسي والاجتماعي، الذي يؤدي إلى خلل صحي جسدي.

التعب الجسدي، آلام المفاصل، عدم انتظام دقات القلب، مشاكل في جهاز التنفس، الصداع، الطفح الجلدي، خلل في الجهاز التناسلي، مشاكل في الجهاز الهضمي وغيرها الكثير من الأعراض المزعجة التي قد تظهر على أجسادنا، تضعنا في حال من الحيرة والكآبة وقد تكون أسبابها نفسية بحتة.

في الواقع، إن البكاء والعزلة أو محاولة الانتحار ليسوا الآثار الوحيدة التي تقف وراء الألم النفسي. بالرغم أن هذا هو المتعارف عليه، لكن التعبير له أشكال عديدة يحملها الجسد ويتفاعل معها، حسب كل شخص وحسب نقاط ضعفه وما ورثه من أجداده من مشاكل نفسية وأمراض.

من خلال عدد كبير من الأبحاث العلمية التي درست الأسباب النفسية لعدد من الأمراض الجسدية منها، نذكر بحثاً أجري على 1186 مريض من 10 بلاد مختلفة، بحيث يعاني كل فرد من أمراض مزمنة في الجهاز الهضمي، وقد تبيّن أن 20.74% من المشتركين يعانون من القلق المرضي و31.78% يعانون من الكآبة المرضية، وأشار البحث إلى أنه كلما كانت المسببات النفسية واضحة، كلما اشتدت الأعراض الجسدية.

هذه النتائج تعيد إلى الذاكرة القول الشهير لأبي علم النفس فرويد: "المشاعر المكبوتة لا تموت أبداً. هي تُدفن حيّة وتعود لاحقاً بأشكال أكثر بشاعة". لعلّه قصد بقوله هذا الأمراض التي فجأة تبدأ باجتياح الجسد وتقتحم أعضاءه، واحداً تلو الآخر، دون سبب بيولوجي واضح.

هذا حال عمر الذي، وبعد خسارة والده بأسبوع، بدأ يعاني من طفح جلدي لم يستطع الطب تفسير أسبابه، ما جعل المهندس الشاب يتوجه إلى العلاج النفسي، وقد اكتشف أن ما يعانيه من أعراض جلدية يعود إلى الشعور بالذنب لعدم التواجد إلى جانب والده المصاب بمرض السرطان الجلدي، بحكم العمل في الخارج.

تبنى عمر، في اللاوعي، أعراض والده الذي فارق الحياة، كنوع من القصاص الذاتي على تعذر مرافقته ومساندته في المراحل الأخيرة لمرضه.

بهذه الطريقة، تفاعل جسد عمر مع الضغط النفسي الذي عاشه جراء مرض والده. لكن كيف يحدث كل ذلك؟

المشاعر السلبية ودورها في اغتيال جهاز المناعة

تشير معظم الأبحاث الطبية إلى الأثر الفتّاك للضغط النفسي أو الـ Stress على الجسد، وتحديداً في ضخّ كمية كبيرة من هرمون الكورتيزول، ما يضرب جهاز المناعة ويسبب أمراضاً ومشاكل صحية عدّة.

لكن الحديث عن الضغط النفسي بشكل عام، دون تحديد الأشخاص الأكثر عرضة له ولمخاطره، يبقى منقوصاً لجهة فهم الرابط أو البحث عن العلاج الصحيح.

بطبيعة الحال، هناك فئات اجتماعية أكثر هشاشة، أي أكثر عرضة لأمراض ومشاكل نفس-جسدية، بحسب أبحاث علمية حديثة:

- العيش في حال من الفوضى.

- عدم القدرة على فهم المشاعر والتعبير عنها.

- الإهمال خلال مراحل الطفولة.

- التعرض للتحرش والإستغلال الجنسي.

- الإصابة بالقلق والكآبة المرضية.

- الإدمان على المخدرات والكحول وألعاب الميسر.

- البطالة.

هذا لا يعني أن الشخص الذي لا ينتمي إلى أي من تلك الفئات التي ذكرناها هو محصن من الأعراض النفس-جسدية، بل إن أي شخص لم يتعامل مع مشاعره السلبية بشكل صحي هو عرضة لمشاكل جسدية قد تهدد حياته.

 إن تجاهل الحزن والمكابرة على الألم ليس دليل قوّة ولا صبر، بل هو اغتيال للنفس وقتل لجهاز المناعة وتعرية الجسد من كل أدوات الدفاع

وفي حين أن التعامل مع تلك المشاعر له أشكال عدّة، غير أن الهدف واحد: عدم تجاهل هذه الأحاسيس وقدرتها على "تمزيق" الجسد، والبحث عن جذورها وأسبابها النفسية وكيفية تأثيرها على الوظائف الجسدية.

إن المشاعر السلبية المكبوتة قد تحوّل الشخص إلى كائن "مبنّج عاطفياً"، بحيث يصبح غير قادر على استقبال الفرح والمحافظة عليه، كما أنه يختار كل ما يؤذيه، فيدخل في دوامة التدمير الذاتي الممنهج من خلال إهمال آلامه النفسية والجسدية معاً، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقمها وانتشارها بشكل مخيف.

في الختام، إن تجاهل الحزن والمكابرة على الألم ليس دليل قوّة ولا صبر، بل هو اغتيال للنفس وقتل لجهاز المناعة وتعرية الجسد من كل أدوات الدفاع.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard