شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
التوهم المرضي... عندما يتحول الوهم إلى مرض حقيقي وأوجاع جسدية لا تُطاق

التوهم المرضي... عندما يتحول الوهم إلى مرض حقيقي وأوجاع جسدية لا تُطاق

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الثلاثاء 1 مارس 202203:00 م

"منذ حوالي عام، وأثناء استحمامي في الصباح، شعرت بوجود كتلة صغيرة مستديرة تحت إبطي... لم يسعني إلا استخدام غوغل للبحث أكثر عن مشكلة ظهور الكتل، وأصبحت مركزاً على فكرة أنني أمر في المراحل الأولى من سرطان الدم. عندها، بدأت أعاني من أعراض أخرى: جسدي كله كان مؤلماً ومتعباً، وبدأت أخسر وزني بشكل غير مفهوم. نصحني طبيبي العام بإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية، وبحلول الوقت الذي اكتشفت فيه النتائج، كنت متأكداً من أنني على وشك سماع أسوأ الأخبار. لذا يمكنكم أن تتخيلوا مدى ارتياحي عندما أخبرني الأخصائي أنه مجرد ورم حميد، مصنوع من الخلايا الدهنية، ولا يشكل أي تهديد خطير لصحتي. بمجرد أن اكتشفت ذلك، اختفت كل تلك الأوجاع والآلام، وسرعان ما بدأت في العودة إلى وزني السابق".

هكذا استهلّ الكاتب ديفيد روبنسون مقاله الذي ورد في موقع بي بي سي، كاشفاً أن هذه كانت تجربته الأولى مع القلق الصحي الذي يُعرف باللغة الإنجليزية بـ "Hypochondriasis".

كشفت الأبحاث أن 6% على الأقل من الأشخاص سوف يختبرون مثل هذه الحالة في حياتهم.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات محدثة حتى الآن، إلا أن هذه النسبة ربما قد ارتفعت بسرعة مع وباء كورونا: ففي ظل الأخبار المستمرة عن أعراض ومخاطر الفيروس، من الطبيعي أن يشعر المرء بمستوى معيّن من التفكير الدائم بشأن الإصابة المحتملة. لكن بالنسبة لبعض الناس، فإن الخوف من الفيروس كبير جداً ويبلغ ذروته عند انتظار نتائج اختبار فيروس كورونا.

تعليقاً على هذه النقطة، قال بيتر تيرير، أستاذ الطب النفسي المجتمعي في إمبريال كوليدج لندن: "أظن أن القلق الصحي قد ازداد بشكل كبير خلال الوباء، لأسباب ليس أقلها أن الناس لديهم المزيد من الوقت للتأمل والتفكير في أعراضهم".

التوهم المرضي

كيف نخبر مريضاً يعاني من شلل أو عمى أو نوبات صرع أن مرضه "محض وهم"؟ هذا ما قالته الطبيبة سوزان أوسوليفان لموقع بي بي سي، مشددة على أن أفكارنا ومشاعرنا يمكنها أن تحرك الجسد بطرق غامضة ومخيفة كأي مرض جسدي.

يمثل فهمنا للقلق المرضي خروجاً كبيراً عن النظرة التاريخية للحالة، والتي كانت تُعرف سابقاً باسم "المراق"، أي الوسوسات المرضية الكاذبة.

كان يُطلق على الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب "المراقون"، وغالباً ما يتم التقليل من شأنهم والسخرية منهم باعتبارهم مضيعة للوقت، ويريدون ببساطة إضافة القليل من الدراما إلى حياتهم: "كان يُنظر إليه على أنه نوع من المزاح"، وفق بيتر تيرير، الذي أضاف: "كان الافتراض أن هؤلاء الناس يحبون التحدث عن شكواهم".

كيف نخبر مريضاً يعاني من شلل أو عمى أو نوبات صرع أن مرضه "محض وهم"؟

في العام 2013، اعتمدت الجمعية الأميركية للطب النفسي رسمياً مصطلح "اضطراب قلق المرض" لوصف الأشخاص الذين يعانون من مخاوف غير متناسبة ومُنهِكة بشأن صحتهم، مع العلم بأنه في الأدبيات الطبية، غالباً ما يستخدم "القلق الصحي" كاسم بديل.

على عكس الفكرة القائلة بأن "مرضى المرض" يبحثون ببساطة عن الاهتمام، فإن أصول قلق الشخص من المرض غالباً ما تكون محددة للغاية، بحسب هيلين تيرير، باحثة إكلينيكية بارزة في إمبريال كوليدج لندن، ومؤلفة كتاب Tackling Health Anxiety: "غالباً ما يكون هناك دافع. يمكن أن يكون أحد أفراد الأسرة مريضاً، أو أنهم سمعوا عن شخص ما في مثل سنهم يموت بسبب المرض".

في حالات أخرى، قد يصاب المرضى بقلق مفرط ومستمر بشأن مرض سابق مثل السرطان أو عودة النوبة القلبية، أو تدهور الحالة الطبية الحالية، مثل مرض السكري.

تتميز هذه الظاهرة بفحص هوسي للأعراض، بحيث يقضي العديد من المصابين ساعات كل يوم في البحث عن أمراض محتملة عبر الإنترنت: "في كل دقيقة من اليوم، يتحققون مما إذا كانوا مصابين بهذا المرض أم لا"، وفق تأكيد هيلين.

كان يُطلق على الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب "المراقون"، وغالباً ما يتم التقليل من شأنهم والسخرية منهم باعتبارهم مضيعة للوقت، ويريدون ببساطة إضافة القليل من الدراما إلى حياتهم

واللافت أن القلق المستمر ينتج عنه المزيد من الزيارات إلى عيادات الأطباء والمستشفيات.

فقد وجدت إحدى الدراسات التي أجريت على مرضى دانماركيين، أن الأشخاص الذين يعانون من قلق شديد من المرض، استخدموا ما بين 41% و 78% رعاية صحية أكثر، على مدى خمس سنوات، من أولئك الذين يعانون من قلق منخفض من المرض.

من الواضح أن هذا الأمر يأتي بتكلفة مالية كبيرة كما أن الزيارات الطبية المتكررة قد لا تعود بفائدة كبيرة على المريض، بحيث يصبح مقتنعاً بأن التحليل كان خاطئاً، وفق تأكيد هيلين تيرير: "قد يعتقد المريض أنه من السابق لأوانه ظهور المرض في الاختبار، أو أن النتائج كانت مشوشة في المختبر".

متلازمة المعطف الأبيض

في الكثير من الحالات، يمكن أن تؤدي المخاوف بشأن صحتنا إلى ظهور بعض الأعراض والتي قد تؤكد مخاوفنا.

تتجلى هذه الظاهرة في حالات "متلازمة المعطف الأبيض"، حيث يمكن أن يؤدي الضغط الناتج عن زيارة الطبيب/ة إلى ارتفاع ضغط الدم لدى الأشخاص. لهذا السبب، قد يزودهم بعض مقدمي الخدمات الطبية بجهاز مراقبة ضغط الدم لأخذ القياسات في المنزل عندما يكونون في حالة استرخاء.

ولكن هناك العديد من الطرق الأخرى التي يمكن أن تؤدي بها مخاوفنا إلى ظهور المرض، إذ يمكن لتوقعاتنا أن تشكل انتباهنا ومعالجتنا الحسية. على سبيل المثال، إذا كنا نشك في إصابتنا بفيروس كورونا، فقد نكون أكثر وعياً بوجود دغدغة في حلقنا أو ألم في صدرنا أو شعور بضيق في التنفس... وكلما فكرنا في الأمر، كان الأمر أسوأ، وقد لا يكون اختبار PCR السلبي كافياً لتهدئة مخاوفنا.

via GIPHY

هذا ويمكن أن تؤدي توقعاتنا السلبية إلى حدوث تغيير فيزيولوجي، مثل إطلاق جزيئات توسع الأوعية التي تسبب الصداع. يطلق العلماء على هذه التفاعلات "تأثيرات nocebo" (تناقض مباشر مع "تأثيرات الدواء الوهمي" المفيدة). ويمكن أن يكون الانزعاج مثل أعراض ذات سبب بيولوجي بحت، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة القلق والدوران في حلقة مفرغة.

وفي حال تُرك القلق من المرض المزمن دون علاج، فإنه يمكن أن يؤثر سلباً على الجسم ويسبب أمراضاً عديدة، وفق ما أشار بيتر تيرير، مستنداً إلى دراسة أجريت على 7000 مشارك في النرويج. بعد حساب عوامل الخطر المحتملة الأخرى، وجد الباحثون أن المستويات العالية من القلق المرضي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة 70%.

ووفق بيتر، فإن هذا الأمر يمثل مشكلة، خاصة للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب، مع وجود بعض الأدلة على أن القلق المرضي له تأثير على معدل الوفيات الإجمالي: "إذا كنت قلقاً بشكل مفرط بعد تعرضك لعارض في القلب، فقد تموت في وقت أبكر مما لو لم تقلق بشأنه".

وفي حين قد يعتبر البعض أن المخاوف الصحية المفرطة تؤدي إلى تشجيع شخص ما على الاعتناء بجسمه بشكل أفضل، مثل ممارسة الرياضة أو تناول الطعام بشكل جيّد، فإن الأشخاص الذين يعانون من القلق الشديد من المرض قد يشعرون بالشلل الشديد بسبب إجهادهم، لدرجة أنهم يكافحون من أجل اتخاذ إجراءات إيجابية.

منظور إيجابي

مع تزايد الاهتمام بقلق المرض، ازداد أيضاً البحث في التدخلات المحتملة، كاللجوء إلى الأخصائي/ة في علم النفس للمساعدة على كسر دورات التفكير السلبي.

بحسب بيتر وهيلين تيرير، فإن أحد أكبر التحديات هو جعل المريض يدرك أن قلقه يمثل مشكلة، وليس تقييماً عقلانياً للمخاطر المتصورة. خلال كل جلسة، يعمل الشخص المختص بعد ذلك مع المريض لتحديد أسباب مخاوفه والأفكار التي تتبادر إلى الذهن تلقائياً، حتى يتمكن من رؤية موقفه بشكل أكثر موضوعية ووضع المخاطر في منظورها الصحيح. قد يتضمن ذلك إلقاء نظرة تحليلية أكثر على الأعراض المفترضة والأوقات التي تظهر فيها.

ويأمل الباحثون في أن يكون هناك وعي أكبر بكثير لقلق المرض وطرق علاجه، وبحسب بيتر تيرير: "من المهم التأكيد على أن القلق الصحي غير المعالج ليس فقط سيئاً لصحتكم/نّ العقلية ولكن لصحتكم/نّ الجسدية أيضاً"، مضيفاً بأن الأدلة تشير إلى أن التوهّم المرضي يقصّر من عمر الشخص المعني.

في حديثها مع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم النفس العيادي، ستيفاني غانم، أنها تحاول دوماً إعادة الشخص الذي يعاني من التوهم المرضي إلى صورته الذاتية: "هؤلاء الأفراد لا يستطيعون رؤية أنفسهم أو رؤية معنى لهويتهم والـ Libido من دون خانة المرض، ولهذا في حال لاحظوا أي عارض صحي فإنهم يضخمونه، وفي حال لجؤوا إلى الأطباء وتأكدوا أنهم لا يعانون من أي حالة مرضية، فإنهم يخلقون لأنفسهم أسباباً مرضية أخرى يعيشون فيها".

وأضافت غانم: "في الكثير من الأحيان، وبسبب إيهام أنفسهم بالمرض، فإنهم يصبحون مرضى بالفعل، على غرار المسرحية الشهيرة le malade imaginaire (المريض الوهمي) لموليير".

"هؤلاء الأفراد لا يستطيعون رؤية أنفسهم أو رؤية معنى لهويتهم من دون خانة المرض، ولهذا في حال لاحظوا أي عارض صحي فإنهم يضخمونه، وفي حال لجؤوا إلى الأطباء وتأكدوا أنهم لا يعانون من أي حالة مرضية، فإنهم يخلقون لأنفسهم أسباباً مرضية أخرى يعيشون فيها"

وبالنسبة إلى أسباب المرض التوهمي، أوضحت ستيفاني أنه من المهم العودة إلى التربية التي تلقاها الشخص في المنزل: "أوقات الشخص بيحمي حالو من المرض لأنو بحس انو ما قدر ينقذ حدا من أفراد عائلته"، وتابعت بالقول: "لنعتبر أن والدته كانت معنفة، هناك احتمال كبير بأن يصبح لدى الولد وسواس قهري مرضي لأنه يشعر بأنه كان مسؤولاً عن حماية والدته من تعنيف الأب وفشل، فيعاقب نفسه بالمرض".

هذا وأشارت غانم إلى أن الـlibido ، وهي غريزة الحياة والحب التي من المفترض أن تكون موجهة للخارج، تصبح لدى الشخص الذي يعاني من التوهم المرضي مكبوته لكونه يشعر بأنه لا يستحقها، وبدلاً من بثّ الطاقة الإيجابية إلى الخارج، فإنه يكبتها، وسرعان ما تتحول إلى طاقة سلبية تتفشى في جسمه كنوع من أنواع العقاب الذاتي.

في الختام، ربما نكون قد قطعنا شوطاً طويلاً من رفض "المراق" باعتباره شخصاً متوهماً، لكن لا يزال الكثيرون يواجهون مخاوفهم بمفردهم دون تلقي المساعدة التي يحتاجون إليها حقاً. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard