الحرب الروسية الأوكرانية بعيدةٌ عنّا، فكيف ينهمر الرصاص فوق رؤوسنا؟

الجمعة 11 مارس 202207:33 ص

كنت أتابعُ، كغيري من الأشخاص، أنباءَ الحرب الروسية على أوكرانيا في مصر هذا المساء قبل أنْ أستيقظ صباحاً، لأجد القذائف تنهال فوق سطح بيتنا، فمنذ متى أصبحنا في قلب المعركة رغم المسافات الشاسعة التي تفصلنا عن جبهات القتال؟

طوال الأيام الماضية، كنت أراقب المشهد من بعيد، وأتحسّر على حال الأوكرانيين البسطاء وأضحك على سيناريوهات حرب عالمية ثالثة وشيكة، وأستمع للعالم يبالغ في الحديث عنها رغم يقيني أنها تبدو مستعبدة. وبعد متابعة الأخبار لساعات طوال، انتبهت لقذيفة تسقط بغتة على بُعد خطوات قليلة منّي كحال الكثيرين هذا الصباح.

الحرب الروسية الأوكرانية بعيدةٌ عنا، فكيف ينهمر الرصاص فوق رؤوسنا؟ تأتيك الإجابة سريعاً على لسان الخبراء، وما أكثرهم، "لن ينجو أحد من نتاج المعارك". صدقتم، ففي مصر اليوم، عندما ترى ارتفاعاً غير مسبوقاً بسعر أي سلعة وتسأل البائع عن السبب، يصيح بأعلى صوته: "ليس لنا ذنب، إنّها الحرب الروسية الأوكرانية".

"لن ينجو أحد من نتاج المعارك". صدقتم، ففي مصر اليوم، عندما ترى ارتفاعاً غير مسبوقاً بسعر أي سلعة وتسأل البائع عن السبب، يصيح بأعلى صوته: "ليس لنا ذنب، إنّها الحرب الروسية الأوكرانية"

من سيدفع فاتورة حرب بوتين؟

حتى العم أحمد، صاحب عربة الفول والذى يزودنا بإمدادتنا الصباحية من وجبات الإفطار رخيصة الثمن، لم ينتظر طويلاً ليعلنَ عن زيادات جديدة في أسعاره هذا الصباح. ورغم أنّني حاولت جاهداً إقناعه بإعادة التفكير في قرار كهذا وإرجاء الخطوة لوقت لاحق، إلا أنّه رفض وأجابني باستنكار: "هل تريد مني أن أسدّد فاتورة حرب بوتين بمفردي؟"

موجة ارتفاع الأسعار، التي هي نتاج الحرب في أوكرانيا ،لم تستثنِ شيئاً تقريباً، حيث زاد سعر الخبز غير المدعم بنسبة 50%، ليباع الرغيف بجنيه ونصف الجنيه وهو ما أرجعه المنتجون إلى القفزة الكبيرة في أسعار القمح - وتُعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع سعر الأرز بنسبة 20%، ووصل ثمن كرتونة البيض إلى 60 جنيه، كما زادت أسعار اللحوم بنسبة 15%، وطالت الارتفاعات أسعار مواد البقالة.

الحكومة في مصر، كما في الكثير من دولنا العربية الفقيرة، تجد نفسها اليوم في مأزق لاتُحسد عليه في ظل تأثير الحرب اقتصادها.

للحرب الروسية الأوكرانية تأثيرٌ واضح على الاقتصاد دون شك، وبخاصة في ظل الارتفاعات المتواصلة في أسعار النفط. ولكن، في الوقت ذاته، هناك من يستغل هذه الحرب ليحصد أكبر قدر ممكن من الأرباح، عن طريق رفع أسعار المنتجات بشكل كبير وغير عادل.

هل هناك من يطبطب على الغلابة؟

الحكومة في مصر، كما في الكثير من دولنا العربية الفقيرة، تجد نفسها اليوم في مأزق لاتُحسد عليه في ظل تأثير الحرب اقتصادها، علماً بأنّ هذه الدول كانت بالأساس بحاجة لم يحمل عنها أعباءها. وكما قال الإعلامي المقرّب من السلطة المصرية، عمرو أديب، " هناك طبقات لاتستطيع تحمّل زيادة الأسعار أكثر من هذا، وهؤلاء في رقبة الحكومة. طبطبوا على الناس الغلابة في الظروف الصعبة اللي إحنا فيها".

ولكن السؤال الأهم هو: من يحنّ في نهاية المطاف على البسطاء الذين وجدوا أنفسهم، دون سابق إنذار، في قلب موجة من ارتفاع الأسعار؟ هل يهرع الأثرياء لنجدتهم؟ أم تهرع الحكومة لتقديم حزم مساعدات لهم حتى يتجاوزوا تأثيرات الحرب؟

الحقيقة هي أنّ كلا الخيارين يبدوان مستبعدَين، فرجال الأعمال لم يقدّموا أي شيء مسبقاً لهذه الفئات المحتاجة من الناس، كما أنّ الوعود التي يعلنون عنها بين كلّ فترة وأخرى تهدف لتسليط ضوء إعلامي عليها. ورغم زعم الحكومة بأنّها تمضي في مسيرة الإصلاح، إلا أنّه من الصعب أن تتحمل التضخم وفروقات الزيادة في أسعار النفط.

السؤال الأهم هو: من يحنّ في نهاية المطاف على البسطاء الذين وجدوا أنفسهم، دون سابق إنذار، في قلب موجة من ارتفاع الأسعار؟ هل يهرع الأثرياء لنجدتهم؟ أم تهرع الحكومة لتقديم حزم مساعدات لهم حتى يتجاوزوا تأثيرات الحرب؟

المَخرج الفعلي من هذه الأزمة الاقتصادية هو أن تسارع الجهات المختصّة لضبط الأسواق والتصدي بحزمٍ لحزب أثرياء الحرب الجدد، الذين يسعون لتحويل ما يجري في أوكرانيا إلى مارثون جديد على حساب البسطاء.

أثرياء الحرب يمارسون لعبتهم عادةً عبر مجموعة من الأساليب الماكرة، حيث يحتكر كل فريق منهم مجموعة من السلع، ويستغلون الحرب في تقليل المعروض منها لرفع الأسعار. ويتواكب ذلك مع هلع الناس لشراء كميات كبيرة من المنتجات، خوفاً من اختفائها.

لايجب أن تُترك الأمور على ما هي عليه اليوم، وبخاصة أن أياماً قليلة تفصلنا عن شهر رمضان الذي يشهد عادة إقبالاً كبيراً على التسوق. لذلك، نحتاج إلى تحرك رسمي سريع لتخليصنا من أغنياء الحرب الذين نقلوا المعركة إلى داخل كل بيت، حتى لانشهد المزيد من الارتفاعات في الأسعار خلال الأيام المقبلة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard