ما الذي تبقى من "بلاد العُرب أوطاني"؟

الخميس 3 مارس 202212:12 م

تتآكل يوماً إثر يوم المقولات الصنميّة عن مكوّنات الوحدة بين البشر. قال قوميون عرب متحمّسون، ذات زمان ثائر، إنّ اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية المشتركة، والجغرافيا المتصلة الممتدة تكفي لتشكيل كيان عربي واحد، متعاضد سياسياً، متكامل اقتصادياً، متأهّب عسكرياً للدفاع عن الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وذهب من دعا إلى "الولايات العربية المتحدة".

لكنّ الشيطان الكامن في التفاصيل قال كلمته الحاسمة.

لكنّ الشيطان الكامن في التفاصيل قال كلمته الحاسمة.

القُطْرية التي وصفها دعاة الوحدة بأنها أمّ الآفات كانت ماثلة منذ البدء، لكنّ الحالمين تغافلوا عنها ورجّحوا أن تتضاءل وتنزوي أمام الجموح الوحدوي الذي يصهر الأقطار المتعدّدة في مرجل الكتلة البشرية والجغرافية المتحدة من المحيط إلى الخليج.

وحتى يطمئن العرب الممتدون من الماء إلى الصحراء إلى سلامة فكرة الوحدة العربية، راح المنظّرون يطفئون الهواجس، وأكدوا أنها لا تستثني أو تهمّش المكوّنات الأخرى للوطن العربي من كرد وتركمان وأمازيغ وأفارقة، أو أية أقلية أخرى، وأنها، علاوة على ذلك، ستكون الدولة المنتظرة علمانية، فانتفض المتحلّقون حول شعار "الإسلام هو الحل" الداعون إلى وحدة إسلامية، فكان ذلك إسفيناً انغرس في جسد الفكرة الواحد.

كان حلم الوحدة مرتبطاً بالمدّ القومي الذي شهد ذروته أيام حكم الزعيم المصري جمال عبدالناصر الذي بعث روحاً جديدة في الجسد الواحد، وتحدّى العدوان الثلاثي على مصر 1956، وشيّد السد العالي الذي غنّى له عبدالحليم حافظ في "حكاية شعب": "قلنا حنبني وآدي إحنا بنينا السد العالي، يا استعمار بنيناه بايدينا السد العالي، من أموالنا بإيد عمالنا هي الكلمة وآدي إحنا بانينا".

وأنها، علاوة على ذلك، ستكون الدولة المنتظرة علمانية، فانتفض المتحلّقون حول شعار "الإسلام هو الحل" الداعون إلى وحدة إسلامية، فكان ذلك إسفيناً انغرس في جسد الفكرة الواحد

كان ذلك العنفوان كفيلاً، لو استمر، بأن يشيّد نواة "الولايات العربية المتحدة" التي تحتاج إلى حاكم مستبد عادل متوّج بالانتصارات التي تعني إنتاجاً ووفرة اقتصادية مريحة، ويكون قادراً أن يقدم للناس بديلاً أكثر كرامة وطمأنينة من أقطارهم وحكامهم. لا يذهب الناس إلى الوحدة طواعية كي يهتفوا في المظاهرات ما دامت أمعاؤهم تئن.

على وقع "الانتصار الناصري" على العدوان الثلاثي، تحمس عبدالناصر إلى الوحدة، فبدأها بسوريا التي أجبر زعماءها، دون علم رئيس الوزراء السوري شكري القوتلي، على إقامة وحدة مرتجلة بين مصر وسوريا 1958، على وقع تداعيات التهديدات المتزايدة من حلف بغداد على سوريا. استمرت "الجمهورية العربية المتحدة" ثلاث سنوات ثم انفرط عقدها، فما قام على ارتجال مصيره الزوال!

وظلت أحلام الوحدة العربية والقومية عامرة متّقدة في الصدور، حتى جاءت هزيمة 1967 التي كانت حدثاً مفصلياً عصف بكل اليقيينيات واليوتوبيات، وكشف عن الجيوش الورقية والزعامات التي تنسّق مع الأعداء في السر. كانت زلزالاً فرض شروخاً جيوسياسية، وقضم أراضي عربية أصبحت محتلة، ولا سبيل لاستعادتها إلا بهزائم جديدة وقضم آخر للجسد العربي الواحد الذي اشتكى وما زال، لكنّ لا من مُجيب أو معتصم.

إذاً، لم تشفع الجغرافيا ولا التاريخ ولا اللغة ولا الدين، ولا "المصير المشترك" في جعل الوحدة العربية أمراً حتمياً.

وكرّت بعد ذلك مسبحة الاتحادات المنفرطة، فكان "اتحاد الجمهوريات العربية"، بين سوريا ومصر وليبيا، 1971 الذي أجهض لخلافات سياسية، ثم جاءت "الجمهورية الإسلامية العربية" بين ليبيا وتونس 1974 التي وئدت في مهدها لأسباب قانونية في الدستور التونسي.جاءت معركة الكرامة 1968، التي اتّحد فيها الفدائيون الفلسطينيون والجيش الأردني، انتصاراً رسمياً لإسناد الروح الكسيرة، لكنّ هذا النصر قوّى شوكة المقاومة الفلسطينية في الأردن فجرى الصِدام المؤلم في أيلول/ سبتمبر 1970، وتحوّل النصر المؤقت إلى هزيمة دائمة موتّرة ومقلقة ما زال يعاني منها الأردنيون والفلسطينيون، وبوجه خاص الأردنيون الفلسطينيون في المملكة الأردنية الهاشمية، ثم تطور الأمر إلى فك ارتباط إداري وقانوني 1988 ونهاية وحدة بين الأردن وفلسطين، وكان ذلك إسفيناً جديداً في الجسد الواحد.

وانبثق أيضاً "الاتحاد العربي الأفريقي"، في 1984 بين ليبيا والمغرب، وعرف ببيان وجدة الوحدوي، لكنه لم يعمّر رغم جهود العقيد معمّر القذافي.

ثم جاء "مجلس التعاون العربي" 1989 الذي ضم الأردن ومصر والعراق واليمن الشمالي الذي سرعان ما انفرط بانقسام الدول في موقفها من حرب الخليج الثانية 1991.

ولا يمر وقت إلا ونسمع عن مشاريع "وحدوية" محدودة متصلة بمصالح آنية سرعان ما تهبّ عليها الرياح السياسية فتقتلعها من جذورها الواهنة. وكان آخر هذه الأحلاف مشروع "الشام الجديد" بمشاركة مصر والأردن والعراق.

اتحادان فقط صمدا في وجه الريح ردحاً من الزمن هما "اتحاد المغرب العربي" 1989، و"مجلس التعاون الخليجي" 1981، رغم أنّ الهيكلين تتنازعهما الخلافات الحادة، بين بلدانه (المغرب/ الجزائر)، وكذلك موقف السعودية والإمارات والبحرين (على وجه الخصوص) من قطر، واستمرار الخلاف وتصاعده وخفوته حتى الآن، ومن يتابع وسائل الإعلام المتصارعة التابعة لكلا الاتحادين، يتبين له أنّ الفتق قد اتسع على الراتق.

إذاً، لم تشفع الجغرافيا ولا التاريخ ولا اللغة ولا الدين، ولا "المصير المشترك" في جعل الوحدة العربية أمراً حتمياً. كان التفاصيل تهزّ بسوط شيطانها الشجرة اليابسة فتتساقط لا الثمار فقط وإنما الأغصان، فثمة عوائق كأداء تحول دون صيرورة الأفكار الرومانسية واقعاً، فليس هناك تماثل في مرجعيات الحكم في الدول العربية، فبعضها ملكي وراثي، والباقي جمهوري وراثي (لقد حكم القذافي ليبيا 42 عاماً فحقّ له أن يُسمي نفسه ملك الملوك).

ولا يتعين القفز عن الفروقات الاقتصادية بين الدول الثرية التي تتمتع بالوفرة النفطية، والدول الفقيرة التي ينهشها الجوع والبطالة والعطالة، فلماذا يتنازل الطرف الأول للثاني؟ هكذا يتساءل العقل البراغماتي.

ولا يمر وقت إلا ونسمع عن مشاريع "وحدوية" محدودة متصلة بمصالح آنية سرعان ما تهبّ عليها الرياح السياسية فتقتلعها من جذورها الواهنة. وكان آخر هذه الأحلاف مشروع "الشام الجديد" بمشاركة مصر والأردن والعراق

وعلى مستوى الحكم، ما الذي يضمن ألا تبتلع الدول الكبرى الدولَ الصغيرة في حال الاتحاد الذي يحوّل حاكماً مطلق الصلاحية والسلطة والهيمنة إلى والٍ؟

لقد أسهب ابن خلدون في الحديث عن العصبيّات أو "الوعي العصبي" الذي يؤالف بين الجماعات فتقوى به ويشتد عودها، مذكّراً في انتباهة ذكية من صاحب "المقدمة" إلى أنّ الدول التي ينشئها هؤلاء العرب ومن في معيتهم لا تصمد طويلاً، بل سرعان ما تهزم وتزول؛ لأنّ اتساع رقعة دولتهم يحملهم على التوزّع في الآفاق البعيدة، فتضعف عصبيتهم الجامعة بطول المسافات الفاصلة بينهم وتحل محلها العصبيات الخاصة.

الناس من الماء إلى الصحراء تهتف لأقطارها وتتحيّز لها وتشتمها إن هي جارت عليهم، لكنها أقطارهم التي يرفعون أعلامها في المباريات والمحافل ويحملون جوازات سفرها، فيعرّفون أنفسهم ويعرفونها باعتبارهم مصريين أو لبنانيين أو تونسيين، لا باعتبارهم عرباً، لأنّ العروبة مفهوم غير متعيَّن، بين/ بينما الأوطان القُطرية متعيَّنة. وفي هذا التعيُّن تتشكّل الكينونة والمآلات. أما ما هو غير متعيَّن فمكانه الأناشيد المحمولة على شجن وحلم أن تكون "بلاد العرب أوطاني".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard